حكومة وحدة وطنية أم حكومة رفع حصار؟
د. ابراهيم ابراشحكومة وحدة وطنية أم حكومة رفع حصار؟ بدأ الأمر بتوق ورغبة ثم انتظار وترقب ثم قلق وحذر ثم حالة من الاحباط واللامبالاة، ثم جاءت التصريحات والتفسيرات المتناقضة والمثيرة للبس حول برنامج الحكومة والغرض من تشكيلها، ثم المماطلة والتأجيل المتوالي للاعلان عنها، هذا هو حال الفلسطينيين قبيل تشكل حكومة الوحدة الوطنية الموعودة، الا أن أكثر ما استوقفنا هو ربط الاعلان عن الحكومة برفع الحصار، اذا أضفنا لذلك ما نلمسه علي الأرض من غياب أي جهود تعبوية وتحسيسية من كل الأطراف لأهمية وجود حكومة وحدة وطنية، كل ذلك يدفعنا للتساؤل مجددا هل هناك ادراك لأهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية؟ وهل توجد نية حقيقية بتشكيل هذه الحكومة؟ ولو شُكلت الحكومة المنشودة ولم يُرفع الحصار فهل سيفرط عقد حكومة الوحدة الوطنية؟ أو بصيغة أخري هل حكومة الوحدة الوطنية ضرورية لرفع الحصار فقط أم لأن الوضع الطبيعي هو وجود حكومة وحدة وطنية؟ واذا كان الحصار مبررا لتشكيل حكومة وحدة وطنية أليس من الأجدر ان يكون الاحتلال والارهاب الصهيوني المتواصل أكثر دافعية لتشكيل حكومة وحدة وطنية؟عشرات الأسئلة تزاحمت في عقولنا خلال الأسابيع الأخيرة ونحن نراقب تراجيديا تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وكنا نعتقد بان الحصار هو عامل اضافي لتشكيل هذه الحكومة وليس السبب الوحيد، ذلك أن شعبنا الذي يخضع للاحتلال منذ عقود لا يمكنه مواجهة الاحتلال الا بتوحيد كل جهوده بل يحتاج الأمر حتي لتوحيد جهود الأشقاء العرب والمسلمين، ومن هنا كان مطلب القيادة الموحدة علي رأس سلم اهتمامات حركة المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها منذ الستينيات، وخصوصا أن التعددية الفصائلية لم تكن تعبيرا عن نزوع ديمقراطية بل ما كانت سوي نتيجة تدخل عربي واقليمي بالقضية. ولو عدنا قليلا لوجدنا أن مطلب الوحدة الوطنية قد تجسد نسبيا عندما استطاعت الفصائل التوافق حول دخول منظمة التحرير والاعتراف انها ممثل شرعي ووحيد، وبالرغم من العثرات والسلبيات التي صاحبت مسيرة هذه المنظمة الا أنها شكلت عنوانا للقضية الوطنية ووحدت الرؤية والهدف لسنوات طوال، ولولا وجود منظمة التحرير بهذه الصفة لما كانت القضية وصلت لكل العالم وما كان للشعب الفلسطيني سفارات وممثليات في أكثر من مائة دولة . وحتي عندما بدأت المتغيرات الدولية والاقليمية تزعزع ما كان يُعتبر ثوابت وطنية، فان المرونة التي مست هذه الثوابت كانت محل توافق الجميع تقريبا. مع ظهور حركة حماس والجهاد الاسلامي بداية انتفاضة 1987 شكلت هذه القوي اضافة نوعية لحركة المقاومة الفلسطينية وعززت من نهج المقاومة، ومع أن هاتين القوتين كانتا خارج اطار منظمة التحرير الا أن التنافس والتسابق بين الطرفين كان في ميدان المعركة وفي مواجهة الاحتلال، مع أن بعض الممارسات والتصريحات من حركة حماس كانت تؤشر علي التهيؤ لاحتلال موقع البديل للمنظمة. احتدام المواجهة مع الاحتلال خلال سني الانتفاضة الأولي ثم الثانية كان يُعطي السبق لهدف مواجهة الاحتلال علي تفجير مسألة لمَن السلطة، الا أنه خلال هذه المرحلة لم تتوقف المطالب الشعبية ومن كل الفصائل تقريبا بتشكيل قيادة وحدة وطنية سواء باحياء وتفعيل منظمة التحرير لتستوعب القوي الجديدة أو بتشكيل قيادة ميدانية للانتفاضة وتوحيد الخطاب الفلسطيني، وبالرغم من عشرات جولات الحوار داخل الوطن وخارجه وتوقيع عدة وثائق بهذا الشأن الا أنها بقيت حبرا علي ورق ولم يُنجز هذا الهدف النبيل والحيوي للقضية الوطنية بل ازدادت الأمور سوءا فيما يتعلق بالعلاقة بين فتح وحماس. استمر الأمر كذلك لحين دخول حركة حماس العملية الانتخابية منذ 2005، ومَن يشارك في الانتخابات انما يدخل مجال التنافس علي السلطة السياسية وفي اطار القانون المؤسس للسلطة، وبهذا الدخول تغيرت قواعد اللعبة السياسية سواء ما بين حركة حماس وحركة فتح ومعها منظمة التحرير، أو بين كليهما من جانب والاحتلال من جانب آخر. وكنا نأمل أن تكون مشاركة حماس بالنظام السياسي ثم فوزها بالانتخابات فرصة لان تُحقق الممارسة الديمقراطية ما لم ينجزه الحوار ونظام الكوتا، الا أن النظام السياسي ازداد تأزما سواء فيما يتعلق بالمكونات الداخلية للنظام أو بينه والأطراف الخارجية وكان الحصار، فتجدد الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية. المراد مما سبق هو التأكيد بانه يجب أن لا يتم التعامل مع مطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية كعمل تكتيكي أو ظرفي لتجاوز او التحايل علي الحصار من طرف حركة حماس أو مناورة للتحايل علي نتائج الانتخابات وعلي الحكومة الحالية من طرف حركة فتح، بل يجب التعامل معها كخيار استراتيجي وضرورة حياتية للفلسطينيين، وتصحيح لخطأ كان سببا في كثير من تعثر المشروع الوطني. عدم وجود حكومة وقيادة وحدة وطنية خلال السنوات السابقة كان خللا استراتيجيا، وهو خلل لا يعود لأن فتح كانت راغبة بالتفرد بالسلطة، بل لأن حركة حماس كانت ترفض الاعتراف بشرعية السلطة و بمرتكزات النظام السياسي الأوسلوي كما كانت تسميه. وعليه لا يجوز وضع اشتراطات علي مبدأ وجود حكومة وحدة وطـــــنية، فان لم يؤد تشكيل هذه الحكومة لرفع الحصار فيجب أن لا نقول بأن مبرر وجود حكومة الوحدة الوطنية قد انتفي بل يجب أن تعمل هذه الحكومة علي رفع الحصار ومواصلة العمل بالنسبة لكل المهام الوطنية. ربط تشكيل حكومة وحدة وطنية برفع الحصار انما يفقد هذا المطلب الوطني النبيل قيمته ومعناه. وأخيرا ندرك بأن السبب في تأخير قيام حكومة وحدة وطنية لا يعود فقط لاعتبارات تخص تشكيل الحكومة سواء تعلق الأمر ببرنامج أو أشخاص أو أهداف الحكومة الخ، بل هناك أسباب أخري أكبر وأشمل من مسألة الحكومة، ونقصد الجندي الاسرائيلي الأسير واطلاق الصواريخ من غزة والاجتياحات الاسرائيلية المتواصلة والمعابر وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ورفع الحصار، وبالتالي نجاح الفلسطينيين في التوصل لتفاهمات داخلية حول تشكيل الحكومة لن يحل المشكل، بل يحتاج الأمر لجهود اقليمية ودولية لحل القضايا المشار اليها، وهذا يعني بأننا أمام صفقة شاملة أو اعادة صياغة للنظام السياسي الفلسطيني سواء فيما يتعلق بمكوناته الداخلية او علاقاته الخارجية، ومن هنا تتأتي أهمية وجود حكومة وحدة وطنية حقيقية ذات برنامج سياسي واضح لمواجهة هذه الاستحقاقات، وكلما كانت الحكومة المقبلة حكومة وحدة وطنية حقيقية كلما كانت أكثر قوة في التعامل مع القضايا العالقة وفي مواجهة اسرائيل علي كافة الصعد. نؤكد مرة أخري أن لا بديل لحكومة الوحدة الوطنية الا حكومة وحدة وطنية، حكومة لا يخضع قيامها لرغبات حزبية أو شخصية ولا لاشتراطات خارجية، حكومة كل الشعب وقواه السياسية الفاعلة. حكومة وحدة وطنية هي مطلب وطني اليوم وغدا وما دام الشعب خاضعا للاحتلال والمشروع الوطني لم يُستكمل، سواء تم رفع الحصار أم لم يرفع فحكومة الوحدة الوطنية ضرورية، مفاوضات ولادة الحكومة صعبة وشاقة، ولكن نتمني أن لا يكون الخلاف مرتبطا بالمربع الأول وهو غياب القناعة الصادقة بتشكيل هذه الحكومة وغياب برنامج سياسي واضح خال من الغموض الذي يتيح المجال لمن يريد افشال الحكومة أن يفعل ذلك. كاتب من فلسطين8