حلاّق رايس

حجم الخط
0

خالد زغريت

كنت أعرف أن الأيام تضحك لبعض الناس فتفتح لهم مرديانها، أما أن تضحك الأيام علي لِحانا فهذا ما لم أكن أعرفه إلاعندما ضحكت عليّ فمننتني بعقد عمل في بلد ضحك له الزمان بالنفط حتي دخّن من الضحك، ظننت بداية وصولي إلي الأرض الشقيقة أن الدنيا طوّبت لي من الضحك أكثر من شقة، ورحت في سري أشرك بعض رفاقي الذين أدارت لهم الدنيا بوزها، لم أكتف بمط أحلامي علي طول رجليّ، بل أكرم رفاقي منها، فذلك المهندس سأجعله حارساً للمزرعة التي سوف أشتريها، أما صديقي المدرس الجامعي فسأعينه مدقق سجلات المكتب العقاري الذي سأشتريه وووو، لكن ما إن استلمت العمل حتي رحت أكنّس أحلامي شيئاً فشيئاً، ومع مرور الأيام كبرت سلة الأحلام التي يبليها الواقع، فرحت أتعايش مع جنازاتها اليومية، فأنا علي الرغم من أني في بلد شقيق إلا أنني ـ علي سعة كرم أهله رأوني وافداً برتبة شحاذ، وشهادتي ليست إلا ورقة استعطاف رسمية، أما الأخوة والتاريخ المشترك فهو سلة مهملات العولمة التي سبقنا إليها الأشقاء في سباق الهجن علي جمل من ذهب، أنا لا أدري لماذا أكره سلال المهملات، بل و أخافها ولاسيما تلك التي جلبها إلي مكتبنا المستخدم البنغالي، لكنه يحظي باحترام المدير أكثر من أحمد زويل، لذلك كنا نتجنّب كلماته التي تسنّ قرنيها وتنطح طمأنينتنا الهزيلة، ولكم كنت أغرق في تأمل تلك السلة فأتخيلها قطة تتربص بلحمي، فأحس بنفسي أشبه بورقة مهملة رمتها الحياة في قعرها، لقد وضعها المستخدم المهيب تحت طاولة ابن بلدي شقوان خدود العُود ذلك المفتش النزق، وكأنه إنسان من بارود علي موعد دائم مع الانفجار علي الرغم من أن شكله لا يوحي بما هو عليه من تذمر لا ينقطع، فهو لو لم يكن بشاربين و صلعة لا شك في أنك ستظنه مريم نور التي تبرعت بنصف أنوثتها ل( نيشان)، واكتفت بما تبقي لنا من رجولة دراما الفنتازيا، ولو لم يكن مكتبه الفخم يشهر أهميته لاشك في أنك حسبته جابي باص هوب هوب، لاسيما أنه يتأبط موس كبّاس مقلداً زكرت أيام زمان، و كنا نخمّن أن حمله لهذه الموسي علي سبيل الطرفة، وهو سرّ لا يعرفه إلا زملاؤه المقرّبون، وكثيراً ما كنا نمضي الوقت في التندر من موسي السيد خدود العود، وكنا نلقبه حلاق رايس لأنه كان يلوح به عندما تظهر علي التلفزيون ويتندر الرفاق علي رجولتها، فيقول:

هي كانت رجلاً لكن أنا من حلق ذقنها لتموّه ذكورتها، حتي إن أحد الأصدقاء استلّ مرة من حقيبته ورقة بيضاء وكتب فيها باسم الموظفين طلباً إلي المدير يرغب فيه نزع موس خدود العود، مقلّداً مجلس الأمن، وربما لأننا من كثرة أكل البيض اكتسبنا مناعة من الحساسية فلم نقدّر أن مثل هذه المزحة ستنط إلي الحماقة فتجتاز الخط الأحمر كما نط شهداء الديمقراطية من جنة بغداد، وسنعيش فعلاً برعاية البند السابع، استدرك أحد الزملاء مزحتنا ومزّق الورقة ولم تحمل بعد إلا بضعة توقيعات ورماها في سلة مهملات خدود العود، وأعاد هذا الزميل الجلسة إلي بعض وقارها وراح بدماثته وحنكته في تدبّر المزحات الاستراتيجية، وقبلنا بترسيم حدود الخط الأزرق و الأحمر للمزاح. لم تثر اهتمامي في اليوم التالي نظافة الغرفة، إنما نعق في سهوي منظر السلة الخاوية فتخيلت أنها تتهيأ لاحتوائي، أما المثير فهو الحركة الغريبة التي كان يقوم بها رجال لا توحي أناقتهم الفظة بأصالتها، فيراود من يراهم الشعور بأن ما تحت الثياب أجساد لا يليق بها الأناقة والدماثة، شيئاً فشيئاً تجمعوا قرب الباب ودخل أطولهم شارباً وقدمين وسألوا عن شقوان طالبين منه مرافقتهم، تملكنا شعور بأن ورطة ما ستحيق بنا قريباً تفتتت قلوبنا قلقاً وتشرذمت سبحة جلستنا، فبتنا كحبات سبحة رديئة سقطت فتطايرت حباتها… في اليوم الأول عرض علي شريط قناة الجزيرة خبر عاجل، متحدث في البنتاغون الأمريكي يقول تمكنت قوات أمن إحدي الدول الصديقة من القبض علي إرهابي يحمل موسي استخدمتها طالبان في حلاقة ذقن تمثال بوذا، أما قناة الحرة، فبثت مؤتمراً صحفياً لرايس أعلنت فيه أن ال(ف.

ب. أي ) اكتشفت أن علي الموسي بقايا دم تعود إلي ضحايا مانهاتن، بينما نقلت قناة العربية عن خليل زاد أن المدعي العام في قضية الأنفال حصل الدليل لتورط صدام حسين في استخدام الموسي النووي، ولما اشتد لغط الفضائيات، خرج وزير التعليم في الدولة المضيفة وأعلن أن القوي الأمنية تمكنت من القبض علي قائد مجموعة إرهابية استغلت كرم الضيافة، وكان ينوي تمزيق أوصال الأمة العربية فهو يتمثل موسي سايكسبيكو الجديد، كان هذا الخبر آخر عهدي بأرض الشقيقة التي وضعتنا في سلة مهملات الحياة، بينما المستخدم يغني بالعربية المكسرة ضحكت الأيام عليك، وحلقت يا حلاق رايس علي الناعم، ألا تعرف أن للحيطان الشقيقة آذان رايس. كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية