نداف ايالقبل وقت غير بعيد التقى فلاديمير بوتين محفلا غربيا رفيع المستوى. وكان هذا لقاء ضيقا جدا. شبه حميم. وكانت الاجواء مريحة. فقد سمح حاكم روسيا لنفسه بالحديث بصراحة عن المأزق الدبلوماسي الذي يطارد الساحة الدولية في الاشهر الاخيرة الرفض المطلق والعنيد من جانب موسكو وبيكين السماح بقرار شجب وعمل ما ضد قوات بشار الاسد. أمس، في مجلس الامن في الامم المتحدة، أدى هذا الرفض بالغرب الى صدام دبلوماسي غير مسبوق مع الصين وروسيا. عندما تصف سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة الخطوة الروسية الصينية كـ ‘مثيرة للاشمئزاز’، فانها تحصل على الاذن بذلك من فوق. وعندما يشرح البريطانيون بان مصالح غريبة تقود بعض اعضاء مجلس الامن، فانهم يكونون نسقوا الامر مع الامريكيين. العديد من المحافل كتبت سيناريو دبلوماسي متطرف أمس. وقد تحقق هذا بكامله. روسيا ستدفع ثمنا لموقفها. وهي تفهم ذلك. الرأي العام الغربي لا يهمها حقا؛ ولكن مكانتها في العالم العربي السني ضعفت جدا. في شوارع سوريا، لا توجد شخصية دولية أكثر كرها من بوتين. موسكو تراهن بشدة على طاغية يذبح أبناء شعبه. وهي تلعب اللعبة بمبالغ عالية، منفلتة العقال. والسؤال هو بالطبع لماذا. سوريا لا توفر كميات نفط استراتيجية لروسيا، صفقات السلاح هامة ولكنها ليست حرجة للروس. توجد بالطبع الاسرار القذرة، الطريقة التي تعاونت فيها روسيا مع سوريا على مدى السنين، بما في ذلك ربما التعاون في تكنولوجيات سلاح محظورة. الكثير من الاسباب ولكن هناك حاجة ايضا الى عنصر استراتيجي. هذا العنصر لا يقولونه صراحة. اقوال بوتين، التي تطرح هنا لاول مرة، تشرح ما وصفه تشرتشل في حينه بانه ‘لغز غامض’: السياسة الدولية لروسيا. فهم يفكرون بانهم يمكن أن يحققوا لنا ليبيا ثانية، قال بوتين لمحادثه الغربي في ذاك اللقاء. في ليبيا سرنا مع قرار مجلس الامن في الامم المتحدة. شجبنا. وافقنا على منطقة حظر جوي، لكل الاطراف، وان كان واضحا ان القذافي وحده توجد لديه طائرات. فماذا حصل؟ منطقة الحظر الجوي تحولت الى عملية للناتو ضد النظام الليبي. الناتو اسقط حاكم دولة (يجدر بالذكر في هذه المرحلة ان الناتو وروسيا هما كالزيت والماء، بالطبع). ليبيا تحولت الى دولة مدعومة من الغرب.بوتين كان واضحا ومتصلبا، هكذا أخذ الانطباع محادثه الكبير. لا يمكن اجراء تغيير للنظام في سوريا في الطريق الخلفي لمجلس الامن، قال مرة اخرى رئيس وزراء روسيا ومن سيكون قريبا، مرة اخرى، رئيسها. في ختام حديثه أوضح نواياه. اذا كانوا يريدون سوريا جديدة، يجب الاتفاق على كيف ستبدو. هذه جملة هامة جدا. ولعل هذا هو المفتاح؛ الروس يريدون أن يتفقوا على الحفاظ على مكانتهم في سوريا بعد الاسد. وهم يطالبون بتقسيم بين القوى العظمى. بالتوازي، يبعث بوتين بوزير الخارجية لافروف الى دمشق. يمكن الافتراض بان لافروف سيوضح للاسد الامر المفهوم من تلقاء ذاته: موسكو تصرفت باخلاص. وهي تسد طريق الخطوة الدولية. اما الان، فإما ان يسيطر رئيس سوريا على دولته الثمن الدموي لا يهم روسيا بوتين او أن تراهن موسكو على حصان آخر. إذا توصلوا الى الاستنتاج بان الاسديين منتهون، فبين ليلة وضحاها سيكتشف الروس النور. وهم سيخطبون مدحا للحفاظ على حقوق الانسان وسيعربون عن اشمئزازهم من حليفهم القديم. الصورة الكبرى مثيرة للاهتمام بقدر لا يقل عن قصة الفيتو في مجلس الامن. مرة اخرى وقفت امس الولايات المتحدة واوروبا امام الصين وروسيا. وكأنه لم يسقط السور، وكأنهم لم يعدونا بعصر الديمقراطية. الشرق امام الغرب اصطدما في مجلس الامن، وفي هذه الاثناء الذابح يذبح في سوريا. في واقع الامر الكثير تغير: إذ مع الولايات المتحدة واوروبا توجد الجامعة العربية، التي تدعو الى تنحية الاسد. الخط الفاصل ليس الشرق مقابل الغرب، الانفتاح مقابل عدم الانفتاح. الاسرة الدولية منقسمة في الموضوع السوري، وليس فقط بين الديمقراطيات وانظمة القمع. في الصين تفرض الرقابة على أخبار الثورة السورية وتطلق التقارير المحصورة عن الانتخابات الحرة في مصر. في روسيا يسير عشرات الالاف في مسيرات تطالب بانتخابات حرة. حكام الدولتين العظميين هاتين يخشون من التغلغل الثابت للحرية. واليهما تنضم دول بشعة اخرى، من فنزويلا وحتى كوريا الشمالية. هذا هو حلف القامعين، وله ما لا يقل عن مقعدين في مجلس الامن. فيتو بيجين وموسكو امس لم يكن فقط من أجل الاسد، بل ايضا وأساسا من أجلهما. معاريف ـ 5/2/2012