حلف الناتو في أعقاب لقاء شيكاغو

حجم الخط
0

زعماء الناتو اكتفوا بالاعراب عن القلق والايضاح بانه ليس لدى الحلف نية للتدخل العسكري في سوريةشمعون شتاينزعماء دول الناتو الذين اجتمعوا في شيكاغو نشروا في ختام اللقاء (20 ايار 2012)، بيانا يوجد في صياغته ما يقلل من قيمة مشاكل غير محلولة ذات آثار على مستقبل المنظمة. من طبيعة البيانات الختامية التي تنشر في نهاية لقاءات القمة، أن تمتنع صيغتها عن ابراز الخلافات اكثر مما ينبغي. فما بالك بالنسبة للقاء في شيكاغو والذي ما كان يمكن أن ينتهي دون اظهار ‘الوحدة’ وذلك انطلاقا من الاعتبار البسيط وهو أن الاجتماع كان يفترض ان يساعد اوباما في حملته الانتخابية. منذ اللقاء السابق في لشبونة (2010) والتي تبنى فيه الزعماء الوثيقة المسماة ‘مفهوم استراتيجي’، التي يفترض أن توجه اعمال المنظمة في السنوات التالية، طرأت عدة تطورات ستكون لها آثار على اعمالها. في هذا السياق تجدر الاشارة الى احتدام الازمة الاقتصادية المالية في الولايات المتحدة وفي الاتحاد الاوروبي، والتي تبدو نتائجها ملموسة منذ الان وستكون ملموسة في المستقبل بقوة أكبر، في كل ما يتعلق بالتقليصات الاضافية في ميزانيات الدفاع لدى الاعضاء. حدث بحجم تاريخي كان ‘اليقظة العربية’ التي بين تعابيرها البارزة حتى الان، تدخل الناتو في اسقاط نظام القذافي. هذا المقال يفحص ما هي المشاكل المركزية التي يواجهها الناتو وما هي الفرصة للتصدي لها بنجاح؟

انهاء النشاط العسكري في افغانستان قرار الرئيس اوباما (الذي حظي بترحيب المشاركين في لقاء لشبونة) بشأن وقف القتال واخراج القوات المقاتلة حتى نهاية 2012، يشكل اعترافا بعدم قدرة الولايات المتحدة (والناتو) على تحقيق الاهداف الطموحة التي وضعتها لنفسها، اي تحويل المجتمع والنظام الافغاني. في أعقاب تحديد أهداف محدودة أكثر وظاهرا قابلة للتحقق كان بوسع اوباما أن يعلن عن اخراج القوات حتى الموعد آنف الذكر. خلفية قرار الرئيس، الازمة الاقتصادية (وكنتيجة لذلك، الحاجة الى التقليصات الشديدة في ميزانية الدفاع) وتعب المجتمع الامريكي من الحروب في العراق وافغانستان. ولما كان احتمال ان يتمكن الجيش الافغاني من السيطرة بشكل ناجع على كل اراضي افغانستان ليس عاليا، فينبغي الافتراض انه من اجل الحفاظ على انجازاتها المحدودة، ستضطر الولايات المتحدة وشركاؤها في الناتو وغيرها من الدول الى مواصلة القتال (الذي لن ينطوي على حضور دائم). ولغرض تنفيذ المهام، تحتاج الولايات المتحدة الى المساعدة. توجهها الى اعضاء الناتو والدول المشاركة في الصراع بدعوة لمساعدتها في تحمل العبء المالي لم يستجب بكامله بعد. أمين عام الناتو السابق اللورد روبرتسون صرح في حينه بان مستقبل الحلف سيحسم في افغانستان. من السابق لاوانه جدا تقدير حجم الانجاز أو مدى فشل الناتو في افغانستان. وحتى لو كان تمكن حاليا من التضييق على خطى منظمة القاعدة الارهابية، فان صراعه ضد طالبان لا يمكن وصفه بالناجح. يضاف الى ذلك مسألة الباكستان، التي تشكل دولة أساس في استقرار افغانستان، والمصالح المختلفة للدول المحاذية بافغانستان (ايران مثلا). في كل هذه، يوجد ما يضع في علامة استفهام نجاح الناتو. بمعنى، انه مهما كانت الدروس العسكرية التي ستستخلص من التدخل في افغانستان، واضح أن صورة الناتو كلي القدرة قد تضررت. حتى وان كانت مرحلة استخلاص الدروس لم تحن بعد، فانه لا ريب أن التدخل بحجم مشابه غير متوقع في السنوات القريبة القادمة.

التدخل في ليبيااذا حاكمنا موضوع تدخل الناتو في ليبيا حسب النتيجة، فانه استوفى المهامة العليا بمعنى ازالة القذافي وحكمه. اضافة الى ذلك، ففي الطريق الى النجاح انكشفت سلسلة من المشاكل التي تغطي على الانجاز. فالدور المستقل لساركوزي (ورئيس الوزراء البريطاني كمرون) دون تنسيق مسبق (لا مع اعضاء الاتحاد ولا مع اعضاء الناتو)، وضع المنظمتين امام حقيقة ناجزة. ولاحقا، ثارت خلافات في الرأي داخل الحلف بالنسبة لمجرد التدخل، انتهت بامتناع المانيا بشأن مشروع القرار في موضوع ليبيا في مجلس الامن ومشاركة جزئية فقط للاعضاء في النشاط العسكري (14 عضوا فقط شاركوا في الجهد فيما أن ثمانية فقط منهم شاركوا في القتال). اولئك الذين شاركوا كان ينقصهم جزء من المعدات والمقدرات للقتال، وهي حقيقة كشفت (مرة اخرى) التعلق بالقدرات الامريكية. لقد أثبت الاتحاد الاوروبي عدم اهليته للتصدي لمهام عسكرية. واضافة الى ذلك فان قرار الولايات المتحدة في نمط تدخل جديد (‘القيادة الخلفية’) يطرح السؤال هل هذا قرار موضعي أم أنه يجب اعتباره مثابة بداية انعطافة في فهم الولايات المتحدة في تدخلها في ادارة/ قيادة الازمات المستقبلية؟ تجدر الاشارة الى أنه بقدر ما يعتبر الامر تغييرا، فان في ذلك ما يسمح للاعضاء الاوروبيين بتعزيز البعد الامني في الحلف وهو مسألة وضعتها فرنسا في حينه كأحد الشروط لعودتها الكاملة الى الحلف. مشكوك أن يكون في ضوء الازمة الاقتصادية المالية يمكن للاعضاء الاوروبيين أن يطبقوا هذا الهدف في السنوات القادمة. الازمة السوريةحتى الان اكتفى زعماء المنظمة بالاعراب عن القلق، التأييد لتطبيق خطة الامم المتحدة وبالايضاح بان ليس للمنظمة نية في التدخل العسكري. على خلفية فهم عناصر في المنظمة للنشاط في ليبيا كنشاط ناجح وكنموذج محتمل لنشاطه في المستقبل، لا يزال هناك شك كبير في أن يكون ممكنا النظر في المستقبل (على فرض أن الظروف السياسية ستنضج الى مستوى القرار بالتدخل العسكري) في استخدام لنمط العمل العسكري الذي جرى في ليبيا.

العلاقات مع روسياقرار الرئيس الروسي الامتناع عن اللقاء، هو مؤشر على منظومة العلاقات بين روسيا والناتو، تترافق والشك الروسي في نوايا الحلف. السبب (الاخير) لتصعيد الشك توفره منظومة الدفاع ضد الصواريخ، التي اعلن عن انتهاء مرحلتها الاولى في شيكاغو، والتي تعتبر بغير حق تهديدا على قدرة الردع النووية الروسية. ولما كانت السياسية، وليس النقاش الفني، هي التي تحدد النبرة في الازمة، فانه طالما لم يطرأ تغيير في الاجواء العامة للعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، فلن يتوفر حل للمشكلة. التعاون مع الشركاءالمعركة العسكرية في افغانستان وكذا تلك التي دارت في ليبيا، اوضحتا قيود الناتو، وأبرزتا في ذاك الحين اهمية المساعدة من جانب دول ليست اعضاء في الناتو. التعاون سيزداد في ضوء المشاكل التي سترافق الحلف في السنوات القادمة. لتعميق العلاقات وتأطيرها توجد أهمية في سياق البحث في مجال النشاط الجغرافي للناتو. قرار بشأن النشاط خارج المنطقة الجغرافية للحلف يجعل تعميق العلاقة وتأطيرها حيويا على نحو خاص في كل ما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط وشبه الجزيرة العربية. فهل تدخل الناتو في ليبيا سيجلب معه تغييرا ايجابيا في الموقف الشكاك من جانب الدول العربية، والذي يجعل صعبا تعميق الحوار الشرق اوسطي؟ الايام ستقول. استعداد الناتو لفتح صفحة جديدة في سياق ‘اليقظة العربية’ مع أعضاء ‘الحوار الشرق اوسطي’ ودول الخليج، وجد تعبيره في وثيقة شيكاغو. حتى لو كان يسعد اسرائيل الاستجابة لدعوة اعضاء الناتو ابداء نهج ‘فاعل’ (على حد تعبير البيان الختامي في شيكاغو)، فان الازمة في علاقاتها مع تركيا منع في السنوات الاخيرة امكانية تعميق التعاون الثنائي. مبدأ اتخاذ القرارات بالاجماع في الناتو، لن يسمح باي تقدم حتى حل الازمة. فتح مركز معلومات في الكويت (في اطار مبادرة اسطنبول التي يفترض ان تساعد الناتو ودول الخليج على فهم التهديدات المشتركة وسبل التصدي لها) سيساعد الناتو في عمله في منطقة الخليج بشكل عام وعلى خلفية الازمة مع ايران والذي رسميا لا يوجد على جدول اعماله بشكل خاص.

توزيع العبءالازمة الاقتصادية ـ المالية التي سيؤدي الى تقليص كبير في ميزانية الدفاع الامريكية في السنوات القادمة وكذا التقليص في حجم التواجد العسكري في اوروبا، عادت لتطرح مسألة توزيع العبء. يمكن الشك في هل سيكون في دعوة وزير الدفاع السابق غيتس، وكذا تصريحات مشابهة أطلقها خليفته، بشأن الحاجة الى تعديل عدم التماثل في العبء، ما يجعل دول الاتحاد الاوروبي تزيد جدا نصيبها في الميزانية. محاولة التصدي لواقع الميزانية الصعب الى جانب الرغبة بعدم المس بقدرة الحلف يمكن ان نجدها في المفهومين اللذين اطلقا الى الفضاء ـ الدفاع الذكي والتقاسم والمشاركة (pooling and sharing & smart defense). ترجمة التعابير الى اللغة العملية اشكالية بسبب الجوانب السياسية، القانونية، الاقتصادية والمالية، التي ينطوي عليها تطبيقها. وختاما مع مرور اكثر من عقدين على انهاء الحرب الباردة يواصل الناتو البحث عن العقلانية في مواصلة وجوده. ‘العدوان’ الكبيران للحلف في مساعيه في الحفاظ على ضرورة وجوده في الواقع الدولي المتغير ـ هما ـ غياب تهديد محدد بشأنه يوجد اجماع بين الاعضاء، والاستعداد للتضحية، والازمة الاقتصادية التي من تعابيرها تغيير سلم الاولويات الوطنية الذي يملي تقليصا عميقا في ميزانية الدفاع. مع غياب حل نهائي للمسائل، سيضطر الناتو الى المراوحة في المكان والكفاح في سبيل حقه في الوجود. نظرة عليا 20/6/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية