علي حسن الفوازالشعراء يركضون خلف احلامهم دائما، يفتشون عن وجوه اخرى للحياة، او يبحثون فيها عن زمن اكثر بياضا، زمن يغسل اللغة والجسد والمكان، ويبيح للكلام الطيران..الشاعر المصري حلمي سالم واحد من اولئك الذين كانوا يحلمون بافراط، وربما كان الاكثر احتجاجا وهو في نوبة الحلم. لكنه ايضا كان الاكثر هشاشة ونعومة، لذا لم يشأ ان يقف امام شحوب الجسد والقصيدة، هو يرحل عن الدنيا مرعوبا دون ان يلامس احلامه، تلك التي ظلت بعيدة وغائرة، واظنها ستظل دوما في الضفة الاخرى..صاحب قصيدة شرفة ليلى مراد التي ملأت الدنيا بضجيج الاصوات العالية لم يتحمل المرض وقسوته المرعبة وعزلته وموت شرفاته. هو مليء بالاحلام وصاخب بثورات عميقة، وباحث دؤوب في شفرات القصيدة عن وجودها المعلن عنه. هاجس المغامرة تجاوز لعبة الكلام، اذ بات هاجسه الوجودي، وسؤاله الفلسفي والنضالي، لكن هذا الهاجس لم يكن بريئا وطيبا وناعما، كان يعبر بخشونة على تفاصيله وحرير كلامه، يترك اثرا او خربشات، تلك التي انهكت جسده الشعري ايضا، اذ بات هذا الجسد امام طوفان غرائبي من الرغائب والمكاره، امام سيل من الوحشة والفتنة، لم يشأ- رغم هذه السيرة- ان يكتب عن خيبته تلك وعن احساسه بالعجز، هو ادرك ان اللعبة لم تعد مسكونة بفروسية الشاعر الدونكيشوتي، وان الجسد لم يعد بطلا وسط بطولات صغيرة تجاوزته كثيرا، مثلما ادرك ان اللغة لم تعد تطهيرا وانقاذا، فالكثيرون من المتلصصين واصحاب الاوهام رشوا على اللغة نعاسهم، وانتهكوا سريرها العائلي ناموا معها بنوع من الاباحة والعطالة والفسق الفادح..تعرفت على حلمي سالم قبل اكثر من ثلاث سنوات في مهرجان الشعر العربي في مدينة الرقة السورية، واصبح تعارفنا مفتوحا لان الكثير من الهموم المشتركة تجمعنا، هموم في اللغة والمعرفة والسياسة واليوميات، حتى طلب مني ان اكتب لمجلته(ادب ونقد) وفعلا ارسلت له اكثر من موضوع وجدتها بعد حين في هذه المجلة المناضلة والدؤوبة والتي يكتب فيها- رغم معاناتها المادية- خيرة الكتاب العرب. اخبرني الاصدقاء مؤخرا ان حلمي سالم يعاني من عجز كلوي، وانه استسلم الى نوع من الكآبة الشديدة، تلك التي ترسم صورة التناقض بين حبه للحياة وايمانه بالمستقبل، وبين معاناته الشديدة ازاء ما يجري في الواقع، وما يمكن ان يحتمله شاعر رقيق مثله من الهموم والاحزان الثقال. مات عجولا جدا، لم ينتظر اركولوجيا الاطباء لكي يرمموا ويحفروا ويقترحوا لجسده سنوات اخرى، مات وكأنه يترك لنا احتجاجا على كل الحروب التي تسحقنا وعلى كل الثورات التي اكلت من ابنائنا اكثر مما اكل اصحاب (القطط السمان)رثاء حلمي سالم ليس رثاء شعريا حتما، بل هو رثاء لاحلام كبيرة انفرطت في شوارعنا العامة، شوارع السياسة والصراعات والطوائف التي اخذت تكبر على حساب وجودنا واحلامنا، مثلما هو رثاء لجيل من شعراء المغامرة الذين دأبوا على ان يكونوا مناضلين وعضويين ورومانسيين وحاملي يافطات وفاتحي نوافذ سرية داخل اللغة وخارجها. لكني ايضا ارثي فيه صديقا شعريا وانسانيا، يهمس وهو في نوبة الغضب، ويضحك وهو في نوبة القلق، لانه مطمئن على ان احتجاجه الاكبر من شأن القصيدة وحدها التي يمكنها ان ترمي الحجر وان تفتح المزيد من الشرفات.