عرض رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي لمواطنيه رؤيته المستهدفة للخروج من الأزمة الاقتصادية خلال ثلاث سنوات، حتى نهاية حزيران/يونيو 2026 بلا إشارة إلى مرجعية من مرجعيات الحوار الوطني الاقتصادي، ولا اجتهاد من اجتهادات العلماء في المؤتمر الاقتصادي السابق للحوار. وأعلن بفخر أنه يتوقع أن تصل قيمة الصادرات إلى 88 مليار دولار، ونسي أن يذكر أن هذا المبلغ يعادل قيمة واردات الدولة المصرية في السنة المالية 21/22 التي قد تتضاعف في فترة التوقعات! وطبقا لحساباته، فإن حصيلة كل الإيرادات الدولارية لـ «الدولة المصرية» ستصل بعد ثلاث سنوات إلى 191 مليار دولار – لسنا نعرف على وجه اليقين لماذا لم يقل 190 مليارا أو 200 مليار طالما أن المسألة توقعات قد تصيب وقد تخيب – فذلك كان يسهل على الناس حفظ الرقم وترديده! ولما سألته إحدى الصحافيات عن قيمة الاحتياجات المالية المقابلة وكيفية تدبيرها، فإن رئيس الوزراء، لم تكن لديه الإجابة، فقرر بسرعة اللجوء إلى الاختيار الأول وهو «الاستعانة بصديق». لكن الصديق، وهو الدكتور محمد معيط وزير المالية، لم يقدم الإجابة واكتفى بطمأنة الحاضرين، مؤكدا ما يعني أن الحكومة تعرف كل شيء. تعرف من أين يأتي دولار دولار، ومتى، وإلى أين يذهب في ميعاد معلوم.
لكن المستهدفات التي قدمها رئيس الحكومة لا يتأكد صدقها إلا بعد اختبارها، وهناك اختباران ضروريان لتحري صدقها، طالما أنه لم يخبرنا بالفروض التي قامت عليها. الاختبار الأول هو الكشف عن الوجه الآخر من الصورة الذي تجاهله رئيس الوزراء، أي المصروفات الدولارية. وبمقارنة تفاصيل كل من الوجهين، سيدرك المواطن الرشيد ماذا ينتظر غدا من حلم رئيس الوزراء. أما الاختبار الثاني فهو مقارنة المستهدفات بمعدلات الأداء الاقتصادي السابقة للحكومة.
ستة مشاهد مبشرة
يتكون حلم الدكتور مدبولي من ستة مشاهد رئيسية، الأول هو مشهد الصادرات، فإنه رآها تزيد بنسبة 20 في المئة سنويا لتصل إلى 88 مليار دولار في نهاية السنة الثالثة، ثم المشهد الثاني، السياحة، رآها تزيد أيضا بنسبة 20 في المئة لتصل إلى 20 مليار دولار، وهي رؤية أقل كثيرا من توقعات الكثيرين. المشاهد الأخرى رأى فيها المتغيرات تنمو بنسبة 10 في المئة سنويا. ففي المشهد الثالث، تحويلات العاملين، فقد رآها تصل إلى 45 مليار دولار، المشهد الرابع، الاستثمارات الأجنبية، وقد رآها تصل إلى 13 مليار دولار، ثم المشهد الخامس، ويشمل قناة السويس والموانئ والخدمات البحرية، رآه يزيد ليصل إلى 17 مليار دولار، وأخيرا المشهد السادس، ويشمل دخل الخدمات التكنولوجية والاتصالات والمعلومات وبنودا أخرى، رآها تصل إلى 9 مليارات دولار. مجموع الإيرادات الدولارية، التي حسبها رئيس الوزراء، بعدما أفاق من الحلم، تبلغ في نهاية السنة الثالثة 191 مليار دولار كما أنبأنا في المؤتمر الصحافي.
هذه المشاهد في الحلم، تقابلها كوابيس ربما لا تقلق صاحب الحلم، أو أراد ألا يخبرنا عنها حتى لا يفسد الحلم، لكنها لا يمكن أن تنفصل عن حلمه. الكابوس الأول هو الاستيراد، فأنت عندما تصدر فإنك أيضا تستورد. الكابوس الثاني هو مدفوعات دخل الاستثمار، فأنت عندما تحصل على استثمارات أجنبية فإنك تدفع لأصحابها عائدا مقبولا. الاستثمار الأجنبي لا يدخل البلاد بالأوامر وإنما بعوامل الربحية والثقة، وأنت لا تفرض على المستثمر الأجنبي شروطك، وإنما هو يفرض شروطه. العائد الذي يحصل المستثمرون في القطاعات العينية والخدمية، يكون في شكل أرباح متغيرة كل سنة، حتى ينقضي أجل شراكتهم في المشروع أو انتهائه. ويكون في صورة فائدة أو عائد ثابت متفق عليه، حتى انقضاء أجل القرض أو الوديعة، إضافة إلى سداد أصل القرض في حالة الاستثمارات المالية. الكابوس الثالث هو كابوس مدفوعات الخدمات مثل السياحة والسفر والنقل، فأنت كما تحصل على دخل من السياحة والنقل الدولي، فإنك أيضا تدفع مقابلا في صورة مدفوعات للسياحة الخارجية مثل الحج، وتدفع أيضا مقابل النقل بواسطة سفن وطائرات شركات أجنبية، مثل السفن التي تنقل لك القمح والتأمين عليها. الكابوس الرابع هو تمويل استثمارات التكنولوجيا، فأنت عندما تبيع خدمات تكنولوجية، فأنت أيضا تدفع في مقابل شراء التكنولوجيا واستئجار مهارات عالية للمساعدة على تشغيلها. أما الكابوس الخامس فهو أعباء خدمة الدين، الفوائد وأقساط الديون.
من هذا المنظور فإن كابوس تكلفة الواردات، بافتراض انها ستزيد بنسبة 20 في المئة سنويا ستبلغ تكلفته 140 مليار دولار، وذلك اعتمادا على أرقام ميزان المدفوعات للسنة المالية 21/22. وتكلفة كابوس مدفوعات خدمات السفر والنقل ستصل إلى 25 مليار دولار. وتكلفة كابوس مدفوعات الاستثمار الأجنبي المباشر، بدون حساب خدمة الديون، ستصل إلى 15 مليار دولار عبارة عن أرباح، وتحويلات للخارج. وتحتاج قناة السويس والموانئ إلى استثمارات تصل إلى 10 مليارات دولار. وتحتاج استثمارات البنية الأساسية التكنولوجية والمعلوماتية في مقابل العائد الذي رآه الدكتور مدبولي في منامه إلى 5 مليارات دولار. بينما كابوس سداد الديون وفوائدها سيكون في حدود 25 مليار دولار، وذلك بأخذ متوسط المطلوبات للسنوات الثلاث. المشهد الوحيد الذي رآه مدبولي في حلمه، وكان بلا تكلفة، وخالي تماما من الكوابيس، هو مشهد تحويلات المصريين العاملين في الخارج. وسواء زادت حصيلة الحلم أم انخفضت فإنها تمثل جزءا من العائد على الاستثمار البشري لمصر، ووفاء أبنائها لها. التكلفة الكلية لهذه الكوابيس تبلغ 220 مليار دولار في نهاية حزيران/يونيو 2026. وإذا عدنا إلى منام الدكتور مدبولي، فسنصاب بالذعر، لأن حلمه في حقيقة الأمر سينتهي بنا، بافتراض تحققه، ليس إلى حل الازمة الاقتصادية، ولكن إلى كابوس كبير تبلغ تكلفته الصافية 29 مليار دولار.
الدور المحوري للصادرات
إذا أرادت مصر أن تزيد صادراتها، فسيكون عليها أن تستثمر أكثر في الآلات والمعدات والأجهزة المتقدمة، ومستلزمات الإنتاج، وهي غير متوفرة محليا. ومن المعروف لدى الاقتصاديين أن معدلات التنمية السريعة ترافقها معدلات نمو سريعة في قيمة الواردات. لكن السنة المالية الأخيرة سجلت استخدام سياسة تجارية انكماشية، لتوفير الدولار لسداد الديون واحتياجات المشروعات المركزية العملاقة، ما أدى إلى نقص السلع في الأسواق، وتوقف بعض المصانع جزئيا عن العمل، وتخفيض عدد ورديات العمل، مما أدى إلى انكماش الإنتاج في صناعات كثيرة منها صناعة الصلب، التي تعتمد على استيراد «البليت» وصناعة الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، التي تستخدم مكونات مستوردة بنسبة عالية من قيمة المنتج النهائي. وقد تجلت نتائج هذه السياسة التجارية الانكماشية في انخفاض كمية عرض السلع في السوق، وارتفاع الأسعار بنسب مضاعفة، رغم انقضاء أثر التضخم العالمي تقريبا. لهذا فإننا يجب أن نعلم أن مشهد حلم زيادة الصادرات يرتبط ارتباطا عضويا بزيادة الواردات. بل إن زيادة الواردات في السنوات الأولى بعد إطلاق الدورة الاقتصادية من القيود الإدارية، ستكون أسرع من الزيادة المتوقعة في الإنتاج والتصدير. هذا يخبرنا عمليا أن زيادة الصادرات من شأنها أن تزيد الضغط على الموارد الدولارية، وهي شحيحة أو غير متاحة، ويتم إدارتها مركزيا، طبقا لقواعد وتعليمات إدارية لا علاقة لها باحتياجات السوق. الدكتور رئيس الوزراء، لم يدلنا على كيفية حل هذه المعضلة، وما إذا كان لدى «الدولة المصرية» نية لتغيير سياساتها النقدية والمالية والتجارية.
المعضلة
معضلة الدكتور مدبولي، هي أنه يحلم، وينتظر من غيره أن يحقق له حلمه، فهو لم يدلنا على الطريق الذي سيسلكه، وهل لديه سياسة اقتصادية جديدة، تتجاوز فشل السياسة السابقة، أم أنه يعتزم سلوك طريق «إعادة إنتاج الفشل». تحويلات العاملين في الخارج لن تزيد بنسبة 10 في المئة سنويا كما يحلم الدكتور مدبولي، لأن هذا لم يحدث في السنوات الخمس الأخيرة، بل إن إحصاءات العام الحالي تشير إلى العكس، بسبب سياسة سعر الصرف. ويحلم الدكتور مدبولي بأن تزيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 10 في المئة سنويا خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما لم يحدث في السنوات الخمس السابقة، حيث بلغت نسبة صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي أقل من 4 في المئة سنويا في المتوسط. نعم إيرادات السياحة يمكن أن تزيد، فهي الآن أقل مما يجب بكثير، ولدينا آفاق واسعة لزيادتها. وإيرادات قناة السويس والخدمات البحرية يمكن أن ترتفع، بافتراض أننا نحولها من مجرد «كارت عبور» إلى منطقة استثمار. لكن إيرادات تصدير البترول وايرادات السياحة وتحويلات العاملين، تخضع لتقلبات الأسواق الخارجية، وحتى لا يكون حلم مصر رهينة لمتغيرات خارجية ومصالح الآخرين، فإننا يجب ان نتجه الى تنويع أكبر وأكثر تقدما للاقتصاد. العامل الأساسي في النمو هو تغيير بنية الاقتصاد، وزيادة الادخار والاستثمار، والكف عن العبث بالسياسة الاقتصادية، والانفاق العبثي المظهري لأغراض «البرستيج» والتقليل من الديون. وما يبعث على الحزن أن نرى النسبة الأعظم من عائد العمل والاستثمار في مصر تذهب لسداد فوائد الديون. ففي النصف الثاني من السنة المالية الأخيرة ابتلعت مدفوعات الفوائد المستحقة على الديون الحكومية 85 في المئة من حصيلة الضرائب. وفي العام المقبل من المحتمل أن تبتلع مدفوعات خدمة الدين الخارجي ما يتجاوز الحصيلة الكلية لصادرات البترول، بل يمكن أن يسوء الموقف أكثر إذا تدهورت أسعار الغاز المسال. لهذا من الضروري تدقيق حلم الدكتور مدبولي ومراجعته، فالحلم الحقيقي يشحذ الهمم إلى العمل، بينما الوهم يدعو الناس إلى النوم في العسل.