حلم ليلة عباسية

حجم الخط
0

ناجي ظاهر

قرب شجرة الكينا، في وسط المدينة، ليس قرب شجرة الكينا القائمة، وإنما تلك التي كانت، سمع ضرار صوتا تمني سماعه منذ فترة لا يكاد يتذكرها، لبعد الشقة بينهما، الصوت جاء من الناحية الأخري للشارع، مثل أغنية حملت أمجاد الأمة العربية كلها. كان الصوت مطربا ناعما منعشا للروح:

ـ ضرار.

منذ فترة لم يناد احد عليه في هذه المدينة العاقة، بمثل هذه الرهافة، ضرار اسم جميل، من قال انه سيئ؟ خاصة إذا ما فاه به فم ذهبي. أسماؤنا تصبح أحلي إذا ما نطق بها من نحبهم أو نتمني أن نستمع إلي أصواتهم، فعلا اسم ضرار اسم جميل، الحمد لله أن والده اختاره له.

تكرر الصوت: ضرار.

أرسل ضرار نظره باتجاه الصوت، انه لا يكاد يتبين صاحبته، لعن الله خفة النظر، لو كان يري كما ينبغي، لعرف علي الأقل من هي صاحبة الصوت الناعم الاثيل، لكن لماذا عليه أن يعرف، وهل يوجد في الناصرة أكثر من مبدع اسمه ضرار، انه ضرار واحد جاء أهله من قرية مهجرة، قبل ولادته بسنوات، وها هو يتوقف قرب شجرة كينا كانت، ليستمع إلي صوت تمني سماعه في ليل وحدته المتواصل. يللا يللا يا ضرار ارفع يدك، اشر لها، لصاحبة الصوت، أشعرها انك استمعت إلي ندائها، قل لها، دون أن تقول، انك ستمضي إليها بعد انقطاع سيل السيارات بينكما، وانك أنت أيضا كنت بانتظار أن تراها في هذه الصحراء، وليست هي فحسب. ارفع يدك ارفعها أعلي أعلي أعلي، ارفعها لتطال بها السماء السابعة، هي المرأة يا ضرار، هي المرأة، ارفع يدك ارفعها، ارفعها عاليا لتصل إليها.

ضرار يرفع يده. يلوح بها، إلي صاحبة الصوت الناعم، في الناحية الأخري، يلوح بها بشدة كأنما هو لا يريد أن يفوت لحظة فرح دون أن يعيشها إلي أقصي مدي، يلوح بشدة، بهمة شباب ابتدأ يشعر باحتياجه إليها، يلعن السيارات. السيارات تفصل بينه وبينها، أهل الناصرة يحبون السيارات، كل واحد عنده سيارة أو يريد أن يكون عنده. لو كان حاكما لأمر أهل مدينته لان يعودوا إلي الخيول العربية وأيامها الرائعة، ربما لهذا هو لن يكون حاكما، ربما.. سيل السيارات يتواصل، مؤكد أن السيارات تتآمر عليه، وإلا لكان انقطع خيطها قليلا، كي يتيح له أن يطير إلي الناحية الأخري، إلي حيث هي تلوح له.

يرسل إليها في ناحيتها، نظرة محب متيم كابد الشوق حتي عرفه، إذا كان سيل السيارات لا يتيح له الوصول إليها، فليمتع ناظريه برفعها ليدها، وليشنف أذنيه بالاستماع إلي صوتها يلهج باسمه، يا الله ما اشد الشبه بين ما في داخلها وبين ما في داخله، لا بد أنها واحدة من المعجبات به، هو ضرار المبدع الكاتب، وربما تكون واحدة من تلميذات صغيرات علمهن كتابة القصص في إحدي المدارس، وانتظرت حتي كبرت، فجاءت إليه لتعبر عن رغبة واصلت التمرد تحت عقد من الزمان حتي حانت لحظة انعتاقها.

يحاول ضرار أن يقطع سيل السيارات، يقدم رجلا ويؤخر أخري، لو تجرأ أكثر لضربته سيارة مصرة علي منعه من الوصول إلي المرأة، ولفقد الحلم بعد أن لامسه بنظره الخفيف وبأذنيه المرهفتين، لينتظر، لينتظر قليلا فمن انتظر كل هذه السنوات، يمكنه أن ينتظر لحظات، فلينتظر، وليشبع من اللحظة اللائحة، ثم ما دامت صاحبة الصوت هناك في الناحية الأخري، تلوح بيدها، فان الدعوة ما زالت مشتعلة، ولا بد له من أن يشعلها هو من ناحيته.

ضرار يغمض عينيه ويصم أذنيه، يتلهي، حتي تحين اللحظة وينقطع السيل السياراتي، فينطلق إليها، انطلاقة سهم عربي شق العصور. يغيب في عوالم قرأ عنها في الكتاب الأثير علي نفسه”ألف ليلة وليلة”، يتصور نفسه هارون الرشيد، ويتصور صاحبة الصوت زوجة الرشيد زبيدة، من المؤكد انه حين سيقطع الشارع، سينعم بليلة عباسية.

ضرار يشعر أن سيل السيارات خف قليلا. يفتح عينيه، يضع قدمه اليمني. يضع خطوة أولي علي الإسفلت، يرسل عينيه إلي الناحية الأخري، يري.. انه يري فعلا.. يفرك عينيه، يا للهول، انه يري، فعلا يري شابا في اقل من نصف عمره، يصل إلي حيث وقفت صاحبة الصوت، يتعانق الاثنان، ويمضيان بعيدا، تاركين ضرارا مهجورا قرب شجرة الكينا في وسط مدينته، بالضبط مثلما كان. كاتب فلسطيني من مدينة الناصرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية