ولدت داليدا في مصر عام 1933، وعاشت في حي شبرا في القاهرة ما يزيد على عشرين سنة، ثم غادرت مصر عام 1954. تمثل الفنانة العالمية الراحلة قصة من آلاف القصص لأشخاص ولدوا وعاشوا على أرض مصر، ثم اضطروا إلى مغادرتها في ما بعد أن انقلبت الأحوال وهبت رياح التغيير القوية، وأخذت ملامح الوطن الذي احتضنهم واعتادوا عليه تتغير وتتبدل تدريجياً. لكن داليدا ونظراً لكونها فنانة كبيرة، استطاعت أن توثق قصتها مع مصر، الوطن الذي ضم مولدها ونشأتها والقسم الأول من حياتها، وأن تروي تلك القصة وتخلدها في ذاكرة العالم، حتى لا تتحول إلى قصة من آلاف القصص المنسية. لذلك فإننا عندما نستمع إلى قصة داليدا المصرية ومشاعر الارتباط بالوطن المصري والحنين إليه، فإننا نستمع من خلال تلك القصة إلى آلاف القصص الأخرى، ونرى وجوهاً كثيرة عاشت بيننا على هذه الأرض وتقاسمت معنا الحياة. والحنين هنا ليس من طرف واحد، يشعر به من فارق وارتحل فحسب، وإنما هو حنين يطال من بقي واستقر، وربما تحن الأرض والجدران والبيوت لمن فارقوها أيضاً.
وطن يسع الجميع
لم تكن مصر في يوم من الأيام منذ عصورها القديمة بلداً مغلقاً على أهله، فهي لا تخاف الغريب ولا تشعر بالضعف أمامه، ولا تنظر إليه كمصدر تهديد، لأن مصر لا تخشى على هويتها من الفقدان أو التبدل، وتعلم أن كل ما يدخل أرضها من ثقافات، وكل من يأتي إليها من بلدان أخرى، سوف يلتحق تلقائياً بعملية التمصير التي تجري دائماً بهدوء وسلاسة.
هاجر أجداد داليدا إلى مصر ضمن جالية إيطالية كبيرة كانت تعيش في بعض المدن المصرية، وولد أبواها في مصر أيضاً، وعاشت الأسرة في حي شبرا القاهري. كان الأب يعمل موسيقياً يعزف على آلة الكمان، ويقال إنه كان يعمل في الأوبرا الملكية، وتقول داليدا إنه كان يعزف الموسيقى الكلاسيكية والتنويعات أيضاً، وإنها كانت تتطلع إليه بانبهار وهي طفلة عندما يرتدي بدلته الرسمية ويتوجه إلى عمله ليلاً. عاشت داليدا في فترة من أجمل فترات الحياة في مصر، وتلقت تعليمها في مدرسة فرنسية من مدارس الراهبات، وفازت بلقب ملكة جمال مصر، وعملت في بعض الوظائف الصغيرة. ودخلت إلى عالم الفن من خلال محاولات قليلة ومشاركات محدودة في بعض الأفلام المصرية القديمة، من أشهرها فيلم «سيجارة وكاس» للفنانة سامية جمال، والتقت مع عمر الشريف عندما كان كل منهما لا يزال يبحث عن طريقه الفني، ولم يتمكن عمر الشريف من إغوائها في ذلك الوقت، كما يذكر هو، في أحد الحوارات التلفزيونية، لكنهما ظلا صديقين يفتخر كل منهما بالآخر كمصري حقق نجاحاً عالمياً باهراً.

كانت داليدا تقول دائماً إنها مصرية فرنسية، وإنها تحب إيطاليا التي فيها الأصل والجذور، لكنها تذهب إليها من أجل أن تغني فقط، ولا يربطها بالمكان هناك أي حياة أو ذكريات. عاشت داليدا القسم الأول من حياتها في مصر، والقسم الثاني في فرنسا، يمثل القسم الخاص بفرنسا سنوات الكفاح وتحقيق النجاح والشهرة والمجد وقمة التألق الفني، هي سنوات الحياة الجميلة، وإن انتهت بشكل مأساوي. أما القسم الأول الخاص بمصر فيمثل السنوات الأجمل، حيث الحياة الآمنة الخالية من الألم والهموم والدراما، وإن كانت حياة بسيطة بعيدة عن الأضواء. في مصر كانت سنوات الطفولة والصبا وبداية الشباب، البيت الدافئ واجتماع الأسرة واكتمال أفرادها، العيش في وطن رحب يسع الجميع ومجتمع سوي سليم، لذا كان ذلك القسم هو الأكثر حساسية لدى داليدا، عند ذكره يخفق القلب ويحن الفؤاد وتسيل الدموع، هو الزمن الآمن السعيد، الذي لا يمكن العودة إليه، لذلك نرى داليدا تبكي بحرقة في اللحظات الشهيرة عندما عادت إلى مصر للمرة الأولى عام 1975 بعد سنوات طويلة من الغياب، وذهبت إلى زيارة البيت القديم في شبرا الذي كانت تسكنه مع أسرتها.
لم يكن اللقاء بالمكان وحده وإنما كان اللقاء بزمان لم تبق منه سوى أطياف شاحبة، دخلت داليدا إلى البيت الذي تعرفه جيداً، فهو بيتها الذي ضم سنوات من عمرها تصل إلى العقدين، تدخل بثقة العارف المطمئن الواثق، وتصعد الدرج مسرعة إلى حد ما، لكن الخطى تبطئ ويتردد القلب ويتوقف الجسد عندما تقترب من الشقة التي يجب أن تدخل إليها. في تلك اللحظة قبل الدخول أجهشت داليدا بالبكاء، لأنها تعلم أنها لن تجد في تلك الشقة حضن الأب والأم والإخوة، ولن تشم رائحة الطعام، ولن تسمع صخب المتحدثين، كأنها ستكون أمام مومياء أو هيكل عظمي بلا روح أو حياة، فداليدا غادرت مصر عام 1954 وعادت إليها عام 1975، وكم تغير وجه مصر خلال تلك الفترة وما بعدها وحتى الآن.
وعندما نشاهد داليدا ونستمع إليها وهي تتحدث باللهجة المصرية، نشعر بأن تلك اللهجة توقفت عند زمن معين أيضاً، وتستخدم مفردات قديمة نسمعها في أفلام الأبيض والإسود ولم تعد متداولة بشكل كبير في الحياة اليومية الحالية. عادت داليدا إلى مصر بحنين جارف لتلقي بنفسها في أحضان الذكرى والماضي الجميل، وكذلك لكي تصنع ذكرى خالدة لن تضيع ولن تمحى، وعندما كانت تعلم أنها ستغادر مصر مرة أخرى، أرادت أن تترك صوتها في مصر بلهجة مصر وبكلمات عن مصر. فكانت مجموعة أغانيها باللهجة المصرية وعلى رأسها بالطبع أغنية «حلوة يا بلدي» تلك الأيقونة الفنية الخالدة، التي اشترك في إبداعها ثلاثة فنانين من مصر، المؤلف مروان سعادة مصري الأصل والمنشأ، الذي سافر إلى فرنسا من أجل الدراسة واستقر هناك، وكتب كلمات الأغنية الجميلة وهو في حالة من الحنين والاشتياق إلى الوطن بينما يختبر مشاعر الغربة والفراق. أما الملحن الذي صاغ أنغام الأغنية بعذوبتها الشديدة، فهو جيف بارنيل مصري المولد والنشأة الذي ولد في القاهرة عام 1944 وعاش فيها لوقت طويل أيضاً، وهو فرنسي الأصل على الأرجح. غنت داليدا هذه الأغنية بأداء لا مثيل له، ومشاعر حقيقية تتصل بكل كلمة من كلماتها، وهكذا اجتمعت كل هذه العناصر لتخلق تحفة فنية بكل المقاييس.
تعاونت داليدا مع جيف بارنيل في الكثير من أعمالها الفرنسية وفي أعمالها باللهجة المصرية أيضاً، كما تعاونت مع الشاعر الغنائي صلاح جاهين الذي ألف لها وأعد وأعاد صياغة بعض المؤلفات المصرية الشهيرة، كأغنية «أغاني أغاني»، وأغنية «أحسن ناس» التي نشعر من خلالها بأن داليدا أرادت أن تجوب مصر كلها بصوتها، وأن تودع كل منطقة فيها، تضم الأغنية مقاطع من بعض الأغنيات الفولكلورية المعروفة مثل «المحلة منين يا سمنودي» و»اسكندرية أحسن ناس». تتغنى داليدا في هذا العمل بعدد كبير من محافظات ومدن مصر، وتختتمه بمقطع جميل مؤثر عندما تقول: «أما أنا.. أنا من شبرا.. في مصر وولادها الطعمين.. زي القمر بعيون سمرا.. لابسين عقود فل وياسمين.. والنيل بيضحك ويغني.. فاكرني وبيسأل عني.. أروح له ألقاه مستني.. وجنب منه أحسن ناس».
كما غنت «جدع أنت يا جميل الصورة» وتذكر فيها الموسكي والحسين من مناطق القاهرة، وتعد أغنية «سالمة يا سلامة» من أشهر وأهم الأغنيات بعد أغنية «حلوة يا بلدي»، وهي الأغنية المأخوذة عن لحن العنوان نفسه لسيد درويش، وهناك نسخ بلغات أخرى من هذه الأغنية، وقد احتفظت داليدا في تلك النسخ بالمقطع المصري «سالمة يا سلامة.. رحنا وجينا بالسلامة»، وأسمعت العالم جزءاً من لحن سيد درويش، وتظل النسخة الأصلية باللهجة المصرية من أجمل الأعمال العاطفية والوطنية.
مروة صلاح متولي
كاتبة مصرية