حلول مبتكرة وخمول في التنفيذ

براء صبري
حجم الخط
0

مع تركيز الكثير من المعنيين بشؤون الشرق الأوسط على تفاصيل المعركة التي تجري رحاها على الضفة الشرقية من نهر الفرات في محافظة دير الزور السورية، والتي قاربت على النهاية الرسمية لها بعد أن بقي القليل من الكليومترات من الأراضي بالقرب من بلدة “الباغوز الفوقاني” بين يدي التنظيم الذي أرعب العالم، وسيطر على مساحة تضاهي مساحة لبنان والأردن، تطفو على السطح قضية مرافقة للأحداث، ولها دور كبير في الرأي العام الغربي، وهي قضية المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي من الجنسيات الأجنبية والمنتمين لتنظيم “الدولة” الإسلامية. صخب الملف حوّله من قضية متعلقة بتفاصيل محددة لحرب معينة إلى ورقة للإخافة أو للتذكير بالفضل أو بتعقيد المعادلة التي تحتاج إلى حل قانوني، ودبلوماسي، وأمني حتى. لم يعد هناك ملف قانوني بسيط لأسرى حرب يحتاجون إلى تسليمهم إلى طرف مقابل بل هي قضية متعلقة بأشخاص يحملون جنسيات مختلفة وقاتلوا وعاشوا ضمن كيان إرهابي على الأراضي السورية، ووقعوا بيد جهة محلية سورية، وترفض دولهم استقبالهم، وتخشى الجهة التي تعتقلهم من هروبهم أو صعوبة التعامل معهم. عقدة قانونية وسياسية صعبة الحل لكون الكثير من الدول المعنية بالموضوع ترفض نسقا موحدا في التعامل وتعمل كل دولة حسب أجندتها الذاتية والوضع السياسي الداخلي لبلدانهم.

منذ بداية ظهور تنظيم “الدولة” الإسلامية قبل أكثر من أربع سنوات كانت قوافل الأجانب من مختلف بقاع العالم تلتحق به. غرابة قصة الالتحاق تكمن بالإضافة إلى وصول تلك الأعداد إلى تلك المناطق الساخنة في العالم بين حدودي سوريا والعراق هي في كون الكثير من الملتحقين في الجهاد المفترض هناك يأتون بعوائلهم معهم. بل كانت هناك الكثير من العوائل التي التحقت بالتنظيم دون أزواج! أطفال ونساء فقط. ومع وصول المعركة الرسمية إلى النهاية بدأت تلك القوافل البشرية توديع أراضي الخلافة المفترضة، والاستسلام لقوات سورية الديمقراطية التي تحارب التنظيم في الريف الشرقي لمحافظة دير الزور. البيانات الحالية التي تأتي من ريف دير الزور عن أعداد المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية هي ما يمكن الركون إليه من حيثيات عن أرقام المعتقلين. والعدد لا يمكن أن يكون قد رسى على خشبة من الثبات لكون ما زال هناك من يحاول الخروج من منطقة سيطرة تنظيم “داعش” إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وهناك احتمال لوجود أجانب بينهم. ومع وصول أكثر من 51750 من الأول من كانون الأول/ديسمبر الماضي لمناطق “قسد” قال عبد الكريم عمر، أحد مسؤولي شؤون العلاقات الخارجية في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في تصريحات لوكالة “رويترز”: “إن مقاتلي داعش من الأجانب المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية عددهم 800، علاوة على 1500 طفل و700 زوجة. الأعداد تلك تشمل الأرقام الرسمية المعلنة حتى اللحظة لمواطني دول آسيوية وأوروبية عديدة”.

ورقة ضغط من سوريا وواشنطن

 

كانت القوات الكردية العربية على أعقاب تحقيق الانتصار الكامل حتى ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقراره المفاجئ بسحب القوات الأمريكية من سوريا خلال بضعة شهور. كان القرار بمثابة الصدمة لتلك القوات، وللدول الغربية، وحتى للساسة في واشنطن. لم يكن يظن أحد ان تتنازل واشنطن بكل هذه البساطة لثلث سوريا لروسيا، وتركيا، وإيران، وللنظام، بالطبع. كان لوقع القرار والتهديدات التركية بدخول منطقة شمال شرقي الفرات، والابتزاز من دمشق ضد المفاوضين الأكراد عوامل ليبحث الأكراد عن أوراق لديهم تعدل من مسار القرار الأمريكي وتذكر التحالف الدولي بضرورة عدم نسيان خدمات حليف محلي وعدم نكران واجب ضرورة حمايته من المحيط المعادي. بدأت الأحداث حينها عندما ذكر قادة في قوات سوريا الديمقراطية عقب قرار ترامب بانهم غير قادرين على الاحتفاظ بسجناء “داعش” لديهم، وبإن هناك احتمالا لهروبهم عند حدوث اجتياح تركي للمنطقة. كان الحديث عن سجناء “داعش” محاولة لإظهار مدى المخاطر التي تواجه “قسد” والهياكل الإدارية التابعة لها بسبب مواقف تركيا والنظام. فيما بعد وبينما كانت قوات سوريا الديمقراطية تعتبر السجناء “الدواعش الأجانب” لديها ورقة ضغط تساعدها في دفع الغربيين لتقديم الدعم لها بعد أن رفضت معظم الدول الغربية استقبال مواطنيها المنضوين في “داعش” وفضلت تركهم لمصيرهم في سوريا والعراق. ولكن، فيما يبدو أن ترامب سرق القصة، ويستخدم ملف المقاتلين الدواعش الأجانب للضغط ضد باقي دول التحالف الغاضبة من قرار الانسحاب الأمريكي. ويطالبهم ترامب بنقل الدواعش إلى بلادهم الأصلية، وإلا سيكون إطلاق سراحهم هو البديل!

تضارب مواقف

 

 

لم تصل القوى الدولية المعنية بملف محاربة “داعش” إلى صيغة محددة بشأن كيفية التعامل مع عناصر التنظيم من الجنسيات الغربية المعتقلين لدى “قسد” وتبحث كل دولة عن حل يسهل مهمتها ويبعدها عن التصادم المباشر مع هذا الملف، خاصةً، وأن الصخب السياسي في تلك الدول يهدد قوة الحكومات التي تحاول ان تلتفت لقضايا أكثر أهمية لها. بريطانيا التي تعاني التخبط نتيجة المفاوضات بشأن بريكست، وفرنسا التي لا تنام نتيجة قضايا كثيرة أولها حركة السترات الصفراء، وألمانيا التي تكافح لكبح اليمين الصاعد لديها، وباقي أوروبا المقيدة باليمين أصلاً، كلها مجتمعة تجد في قضية استقبال هؤلاء المقاتلين وعوائلهم ما يزيد من همومهم. وبين تخبط هنغاري، ونمساوي، وضعف في الرؤية من دول أصغر، فإن منسقة الاتحاد الأوروبي موغريني قالت على هامش اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في 19 شباط/فبراير ردا على دعوة ترامب: “على حد علمي، كان الطلب موجهاً إلى الدول الأعضاء. يمكن أن تكون (المسألة) جزءاً من النقاش الذي سيتمحور حول سوريا”.

في سياق مغاير يبدو إن الروس هم أكثر الجهات الدولية التي تحاول إعادة العوائل الروسية المنتمية لتنظيم “داعش” وتتحدث العديد من التقارير عن عمليات نقل لهؤلاء إلى بغداد ومن بغداد إلى روسيا.

الضجيج وردات الفعل المذكورة لم تفض إلى حلول واضحة بعد. فالأمريكان لم يعطوا للملف أهمية كما كان يظن البعض حيث الدواعش الأمريكيين ليسوا بذاك الرقم الكبير، ولم يعمل الأمريكيون على وضع حل بقدر ما عملوا على استثمار القضية والضغط على باقي الحلفاء للركون لها. باقي دول الحلفاء تقلقها عودة المقاتلين، وتحرجها الصحافة، والمنظمات الإنسانية لتركها مواطنيها بين يدي محاكم العالم الثالث. وبينما يتحدث الجميع عن القضية، وبينما أصبحت المعركة الرسمية على مشارف النهاية توجد بضعة سيناريوهات ممكنة لوضع حل نهائي لمصير هؤلاء المعتقلين:

أولاً، تطبيق مطلب “قسد” وترامب بضرورة سحب الدول الأجنبية مواطنيها المعتقلين لدى “قسد” ومن ثم محاكمتهم هناك بموجب القوانين الخاصة لتلك الدول وهو مطلب يتفق مع مطالب المنظمات المعنية بحقوق الإنسان.

ثانياً، هو ما تحدث عنه القيادي الكردي الدار خليل لوكالة الصحافة الفرنسية عن إمكانية تشكيل محكمة دولية أو اثنتين لمحاكمة تلك العناصر في مناطق الإدارة الذاتية. وهو خيار صعب التطبيق على اعتبار ان إصدار قرار بهذا الشكل يتعارض مع عدد من الترتيبات القانونية في هكذا مواضيع معقدة.

ثالثاً، تسليمهم للعراق ومحاكمتهم هناك. ومع رفض الإدارة الذاتية وقوات “قسد” تطبيق حكم الموت على المعتقلين مهما كان جرمهم، فإن العراق يعتبره الكثير من الساسة في الدول الغربية خيارا مثاليا لتصفية تلك العناصر بعيداً. ورغم أن الأخبار التي تتحدث عن احتمال محاكمة تلك العناصر أمام المحاكم العراقية يثير غضب نشطاء حقوق الإنسان لكون المحاكم في العراق ليست بالمستوى المطلوب.

رابعاً، الاقتداء بفرنسا، حيث بدأت الحكومة الفرنسية الحديث عن فتح الباب لعودة العناصر الفرنسية ضمن “داعش” لمحاكمتهم في فرنسا بعد ان ذكرت الخارجية أن هدفها “تجنب فرار وانتشار هؤلاء الأشخاص الخطرين” وخاصة بعد قرار ترامب بالانسحاب.

بعد سنوات من الحرب على التنظيم ما زالت قضايا متعددة مصدر قلق للعديد من الجهات الدولية المعنية بقضايا الإرهاب. وعلى الرغم ان الجهة الرئيسية المسؤولة عن إدارة الملف المذكور في شرق الفرات في سوريا هي قوات سوريا الديمقراطية إلا أن مصير هذه القضية لم يجد طريقه بعد. وبين الخوف من أن تسبب هذه القضية زيادة الصخب في الداخل الأوروبي وبين أن لا يعامل هؤلاء بصورة قانونية هناك خوف من أن تسبب هذه القضية في زيادة الشحن العاطفي لدى الجهات المتطرفة في المنطقة لولادة وحش جديد قد لا يكون بحجم “داعش” ولكن بالوحشية والفكر نفسه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية