كل القضايا والمشكلات السياسية التي كانت تضرب جذورها عميقا في فكر الفلسطينيين وتفكيرهم السياسيين، وفي مشاعرهم السياسية والقومية، فقدت “الآن”، مع ما لـ “الآن” من أهمية تاريخية بالنسبة إلي الشعب الفلسطيني وحقوقه القومية، ووجوده الإنساني ـ القومي، جاذبيتها وتأثيرها ووزنها، وكأن الاهتمام بها، أو استمرار الاهتمام بها، هو مظهر اغتراب سياسي فلسطيني، أو مظهر انفصال للفلسطيني عن الواقع وحقائقه. شيئان لا ثالث لهما يريدهما الفلسطينيون جميعا، ويحتاجون إليهما، أكانوا موالين أم معارضين لكلا “المعسكرين”؛ وهذا الشيئان هما: اتقاء شر الاقتتال والحرب الأهلية، وإنهاء المعاناة الإنسانية ـ الاقتصادية ليس للموظفين الحكوميين وعائلاتهم فحسب، وإنما للغالبية الشعبية الفلسطينية التي تتضافر الضغوط العسكرية والاقتصادية والمالية لإسرائيل والولايات المتحدة، ولغيرهما، علي إفقارها اقتصاديا حتي تصيب مقتلا من إرادتها السياسية القومية.
السياسة ليست امتدادا للمبادئ والعقائد، أو ليست هي دائما كذلك، ولا تُشتق منها حتي نتحلي بفضيلة توافق وتطابق السياسة مع المبادئ والعقائد، والتي هي الوجه الآخر لرذيلة فقدان الإحساس بالواقع. وأحسب أن الإحساس بالمسؤولية السياسية والتاريخية والأخلاقية لا يَظهر، ولا يتأكد، إلا من خلال التزام كل قيادة سياسية فلسطينية أن تنشئ وتُطور سياسة ومواقف سياسية (وغير سياسية) تلبي الآن، وفي المقام الأول، كلتا الحاجتين الفلسطينيتين العامتين: الحاجة إلي درء مخاطر الاقتتال والحرب الأهلية، والحاجة إلي إنهاء تلك المعاناة الإنسانية ـ الاقتصادية. وليس من مقياس يمكن ويجب أن تقاس به حيوية وقوة الفكر السياسي الفلسطيني سوي هذا المقياس، الذي فيه تكمن “إذا الشرطية الفلسطينية”، فكل موقف أو قرار لـ “حماس”، أو “فتح”، لـ “الحكومة” أو “الرئاسة”، هو موقف أو قرار سليم “إذا” سمح بتلبية كلتا الحاجتين.
قبيل إلقاء هنية لخطابه الشامل المسهب، سمعتُ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ينطق بجملة سياسية في منتهي الأهمية؛ وكم تمنيت أن لا يضيق بها خطاب هنية علي طوله. وهذه الجملة ـ المبدأ هي “كل خيار مقبول إذا كان لا يؤدي إلي حرب أهلية”، فما هي أهمية أي موقف سياسي مبدئي إذا كانت الحرب الأهلية هي العاقبة التي تترتب علي التفاعل الموضوعي، أو غير الموضوعي، لهذا الموقف مع الواقع الفلسطيني الغني عن الشرح والوصف؟!
إذا كانت المواقف المبدئية التي تضمنها خطاب هنية يمكن أن تُتَرجم، عبر تفاعلها مع الواقع، بمزيد من المعاناة الإنسانية ـ الاقتصادية لفلسطينيين، وبزيادة في مخاطر الاقتتال والحرب الأهلية، فالفلسطينيون، في عقولهم وليس في قلوبهم، لا يحتاجون إليها، ولا بد لهم، بالتالي، من النأي بأنفسهم عنها. وإذا كانت “فتح” و”الرئاسة” تعتقدان بأهمية وضرورة أن تلبي كل حكومة فلسطينية شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية فلا بد لهما من أن يسعيا في سبيل ذلك من غير أن يفضي سعيهما هذا إلي الزج بالفلسطينيين في أتون حرب أهلية، فالموقف الصائب يغدو خطأ، أو خطيئة، إذا ما كان يشبه “النية الحسنة” لجهة علاقتها بجهنم.
لقد تحدَّث هنية عن الأوجه الخمسة للشرعية التي تتمتع بها “حماس”، وهي “الشعبي”، و”الدستوري”، و”الجهادي”، و”العربي”، و”الإسلامي”؛ ولكنه ضرب صفحا عن الوجه الأهم، والآن علي وجه الخصوص، وهو “الواقعي”، فالشرعية الواقعية، أي المستمدة من واقع، يخالطه سعي دائم إلي تضييق الفجوة بين حقائقه والمبادئ، هي التي يحتاج إليها الفلسطينيون الآن، وهي التي بالنسبة إليهم شرط بقاء في المقام الأول.
في خطابه كرَّر هنية ثلاث مرات أن “حماس” لن تعترف بإسرائيل. هذا موقف أؤيده تماما، فإنَّ أحدا من الفلسطينيين ليس من حقه أن يدعو “حماس” إلي الاعتراف بإسرائيل؛ ثم أن الفلسطينيين ما زلوا في حاجة إلي معارضة تقوم علي رفض الاعتراف بإسرائيل. ولكن هذا الموقف السياسي ـ المبدئي يحتاج إلي حماية واقعية؛ وليس من حماية كهذه إذا ما احتفظ الفلسطينيون بحكومة تُشدِّد، ولا تُضعف، حاجة “المجتمع الدولي”، أو اللجنة الرباعية الدولية، إلي الإبقاء علي الحصار الدولي للفلسطينيين، ماليا واقتصاديا، وإلي تشديده. إنَّ لهنية الحق في أن يضرب “المجتمع الدولي”، أو اللجنة الرباعية الدولية، بحجر “لا للاعتراف بإسرائيل”؛ ولكن عليه قبل ذلك، ومن أجل ذلك، أن يترك، فورا، “البيت الزجاجي” الذي يستمسك بالبقاء فيه، فالسلطة الفلسطينية مع حكومتها ليست بـ “الموقع” الذي يحمي “الموقف”. كلام هنية لن يقع علي أسماع فلسطينية تشبه سمعه، فكلامه يمكن أن يقع موقعا حسنا في نفوس عشرات الآلاف من الفلسطينيين؛ ولكن هذا الجمهور سيتضاءل حجما مع استمرار واشتداد المعاناة الإنسانية ـ الاقتصادية، ومع تزايد مخاطر الاقتتال والحرب الأهلية. لو اقترن هذا الكلام بنجاح حكومة “حماس” في حل مشكلة “الراتب الحكومي” بمنأي عن ضغوط الحصار المالي والاقتصادي الدولي لكان له وزن وأهمية الواقع، ولنظرنا إليه علي أنه السياسة التي لا تعلوها سياسة لجهة صوابها وواقعيتها.
وإذا كان الفلسطينيون الآن، حيث يُظهرون عجزا متزايدا عن الحل الذاتي، أو العربي ـ الإسلامي، لمشكلة “الراتب الحكومي”، يقولون لإسرائيل: “لن نعترف بك؛ ولكننا نقبل هدنة معك، إذا ما أعدتِ إلينا كل الأراضي الفلسطينية التي احتللتها في حرب 1967″، فماذا سيقولون لها إذا ما نجحوا في أن يبتنوا اقتصادا يستطيعون أن يدرأوا عنه مخاطر كل حصار مالي واقتصادي خارجي، ومخاطر آلة الحرب الإسرائيلية؟!
إن كل فلسطيني، وليس هنية فحسب، يتمني أن يكون الفلسطينيون ممتلكين للأسباب والشروط الواقعية لحل مرحلي كهذا؛ ولكن متي كان نيل المطالب بالتمني؟!
هنية نجح، في خطابه، في شيء واحد فحسب هو إظهار روح التحدي، الذي، في أهميته الموضوعية، يشبه صلوات كاهن في مواجهة صاعقة توشك أن تنقض عليه. الخطاب خلا من نجاح حقيقي لحكومة “حماس” في تجارب كان ينبغي لها أن تنجح فيها. إننا لم نرَ نجاحا حقيقيا في التأسيس لمقاومة عسكرية من نمط تلك التي أسس لها “حزب الله”، ولا في التأسيس لنمط جديد ومثمر من التفاوض السياسي مع العدو، ولا في إنهاء للمعاناة الإنسانية للفلسطينيين يقوم علي رفض الاستخذاء لشروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية، ولا في تعزيز الوحدة القومية للفلسطينيين، والنأي بهم عن مخاطر الاقتتال والحرب الأهلية. قد يقال في دحض هذا الذي قلناه إن حكومة “حماس” لم تفشل؛ ولكن ثمة قوي لا قبل لها بها تسعي في منع التجربة الجديدة من النجاح. إن الفشل الذي أتحدث عنه، وأراه، هو فشل حكومة “حماس” في إحباط مسعي القوي تلك، فمتي كان النجاح في الصراع ثمرة امتناع الخصم عن الزج بكل قواه في الصراع؟!
علي أن فشل “حماس” لا يعني، ويجب ألا يعني، أن “فتح” ناجحة لا محالة، فـ “فتح” يمكنها أن تنجح في حل مشكلة فشلت في حلها “حماس” وهي مشكلة “الراتب الحكومي”؛ ولكنها لن تنجح هنا إلا لتفشل في جعل التفاوض السياسي مع إسرائيل طريقا إلي حل نهائي للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني.”حماس” مدعوة إلي أن تظل مستمسكة برفضها الاعتراف بإسرائيل، وبرفضها تلبية شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية؛ ولكن بما يعود بالنفع علي الشعب الفلسطيني. وهذه الـ “لكن” إنما تعني أن تغادر “حماس” كل مواقع السلطة التنفيذية، وان تظل معتصمة بحبل المعارضة البرلمانية. و”فتح” مدعوة إلي بذل الجهد في سبيل إقامة حكومة جديدة تستطيع إنهاء الحصار المالي والاقتصادي والسياسي الدولي الذي تتعرض له السلطة الفلسطينية. إن السياسة الناجحة لـ “حماس” و”فتح” هي السياسة التي في مقدورها أن تنهي المعاناة الإنسانية للفلسطينيين، وتقيهم شر الاقتتال والحرب الأهلية. وهذه السياسة لن تقوم لها قائمة إذا لم يخضع كلا الطرفين مصالحه الفئوية الضيقة للمصلحة الفلسطينية العامة الواقعية. وإذا كان من خيار يمكن وينبغي للرئيس عباس الأخذ به في حال بقاء السياسة خاضعة لمنطق المصالح الفئوية الضيقة فهذا الخيار إنما هو الاحتكام إلي الشعب عبر استفتاء شعبي، يقرِّر فيه الفلسطينيون الحل وسُبله. إن الرئيس عباس يستطيع أن يقترح برنامجا سياسيا لحكومة فلسطينية جديدة، وأن يدعو، من ثم، الشعب إلي الإدلاء برأيه في هذا البرنامج المقترَح، عبر استفتاء شعبي، فإذا أقرَّته الغالبية الشعبية، يكلِّف هنية، مثلا، بصفة كونه ممثِّلا لحزب الغالبية البرلمانية تأليف الحكومة الجديدة، فإذا هو رفض عُمِل بالجزء الآخر من المقُتَرَح الذي أُقر في الاستفتاء الشعبي وهو إجراء انتخابات تشريعية جديدة (أو تشريعية ورئاسية) فالبرنامج المقترَح، والمُقر شعبيا، يجب أن يجد له غالبية برلمانية تتبناه وتلتزمه. ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8