محمد عبد الحكم دياب
كان هدف حل الحزب الوطني أو بمعنى أصح حزب عائلة مبارك؛ الأب والابن والأم. كان هدفا من أهداف ثورة 25 يناير العظيمة، ومطلبا من مطالب الشعب الملحة، فذلك الحزب كان مطية الفاسدين والطغاة والجلادين والبلطجية وأداتهم في إفساد الحياة السياسية. صدر حكم المحكمة الإدارية العليا بحله وتصفية أصوله وأملاكه وإعادتها إلى الدولة يوم السبت الماضي، ومن الطبيعي أن يستقبل المصريون هذا الحكم بالترحاب والرضا التام. فمنهم من عاصر نشأة هذا الحزب، وتابع أطواره؛ النافية لصفته السياسية أو الحزبية. وكان لتاريخ التأسيس في 1978مغزى ومبنى؛ حيث كان ذلك العام هو العام التالي لزيارة السادات للقدس المحتلة، التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر 1977، والعام السابق على توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وحرص أنور السادات مؤسس الحزب على أن يكون كيانا تطبيعيا انعزاليا من البداية؛ يقر بالصلح المنفرد مع الدولة الصهيونية، ويبارك التنازل الكامل عن أوراق القوة التي كانت في يد مصر قبل حرب 1973. اختلفت تركيبة الحزب المنحل عما سبقه من تنظيمات سياسية وجماهيرية؛ مهما كانت الملاحظات والمآخذ عليها. وضمت تلك التركيبة من غلاة المقاولين، وحيتان الأراضي الزراعية، وملاك العقارات، وكبار المسؤولين في الحكومة والقطاع العام. وكان السادات واعيا لما يفعل، فربط نفسه بالمصاهرة بتلك التركيبة؛ زوج بناته الثلاث من أبناء رموزها الجدد؛ فالأولى زوجها لابن المقاول الكبير عثمان أحمد عثمان.. صاحب شركة ‘المقاولون العرب’؛ وكان صديقه وصفيه ونديمه، والثانية تزوجت من ابن سيد مرعي؛ وهومن ملاك الأراضي وخبير في الزراعة وكان صاحب منصب وزاري وحزبي كبير، واقترنت الثالثة بابن أحمد عبد الغفار؛ سليل عائلة غنية معروفة؛ حائزة الأراضي، وصاحبة النشاط الواسع في أْعمال التجارة والزراعة.
وأثرت المصاهرة في بنيان الحزب، وفصمت أي علاقة بالشعب. وإن بدا الحديث على المستوى الدعائي يدعي أنه كان استمرارا لتنظيمات ثورة يوليو 1952 الجماهيرية، مع أن الحزب الوطني هو الذي عمل على تصفيتها والاجهاز عليها والقضاء على منجزاتها؛ بصورة وإن بدت هادئة وناعمة لكنها كانت مباشرة وواضحة؛ بدعاوى كثيرة ما زالت دليل المخربين حتى هذه اللحظة، وكان آخرها ما قام به وكيل وزارة الثقافة لقطاع الفنون التشكيلية من أجل إلغاء حقبة من التاريخ الحديث، وتصفية متحف ثورة 1952 وتحويله إلى متحف عام، ووكيل الوزارة هذا من رجال الأعمال، ومالك لشركة إعلانات كبرى، فتأهل ليكون عضوا بلجنة جمال مبارك، التي كانت معروفة باسم لجنة السياسات، وهو الآن من أنشط عناصر الثورة المضادة؛ الساعية إلى إجهاض ثورة 25 يناير.
ذلك الحزب المنحل أفسد العمل السياسي، وربطه بحملة واسعة مهمتها تشويه التاريخ الوطني وطمس معالمه، وإعلاء شأن التطبيع والمطبعين. ونشر ثقافة التدليس والتضليل، وإدانة التنمية والتخلي عنها؛ واستبدلها باقتصاد أسود ومشوه، وانفتاح وصفه الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين بـ’السداح مداح’؛ وسوق عشوائي بلا ضابط ولا رابط.
في زمن الحزب الوطني أضحت الدولة عدوا واضحا للنخب الحاكمة، وقام بإضعافها حتى تلاشت. وسارت خطى الإضعاف على هدى نصائح عثمان أحمد عثمان، ودعوته لمنع ضوابط الدولة في مجالات المال والأعمال، وقد شقت مقولته: ‘الدولة تاجر فاشل’ طريقها إلى قلب وعقل السادات وبطانته في ذلك الوقت، وبين يوم وليلة تحولت الدولة إلى شيطان يستوجب الرجم، وكان ذلك هدفا يفسح الطريق أمام المغامرين العائدين من الكهوف والمخابئ، وأمام الذين تعاملوا مع الدولة على أسس أيديولوجية، وكأنها حزب أو نظام سياسي عابر؛ إذا ما اختلفنا معه نعمل على التخلص منه. والسبب هو عقدة مستحكمة لدى هؤلاء من دورها الذي لعبته في التنمية المستقلة وإعادة توزيع الثروة بشكل أكثر عدلا وتوازنا ووقوفها مع الطبقات المتوسطة والفقيرة.
تولى هؤلاء تعميق الموقف السلبي من الدولة لدى أتباعهم، وكانوا معروفين بجهلهم وضيق أفقهم ولا يعنيهم في الحياة إلا أمر مصالحهم وأطماعهم؛ صوّر لهم وكأن الدولة المصرية ولدت في 1952، وما دام الأمر كذلك فلا بد من هدمها مع ما يتم هدمه من إنجازات تحققت في خمسينات وستينات القرن الماضي. ولم تتم التفرقة بين الدولة والحكم أو النظام السياسي. ومثال الدولة المصرية هو على العكس من ذلك، فقد أقامتها الضرورة الإنسانية والحاجة الاجتماعية لتنظيم الحياة على ضفاف النيل وفي الدلتا، والإشرف على توزيع المياه، وضبط مواسم الزراعة الأقدم في التاريخ. وتغيرت النظم السياسية على مدى الاف السنين وبقيت الدولة، ومع ذلك اختزلت الدولة في حجم القرية، وبعد أن كانت القاهرة عاصمة رسمية لمصر أضحت ميت أبو الكوم القرية الأم لقرية مصر الكبرى الممتدة من حلفا في الجنوب حتى الاسكندرية في الشمال، ومن وقتها رُيفت المدن (من الريف)، وابتعد شيئا فشيئا عن الحياة الحضرية، فهجرت التصنيع والانتاج بأشكاله وأنواعه. وقلصت رقعة الخدمات العامة.
وسادت مفردات مشايخ القرى وعمدها مثل وصف الحاكم بـ’كبير العيلة’، وحلت لغة التمييز عند تأنيب المواطنين والغضب منهم، وترجمت إلى قوانين وإجراءات؛ أبطلها القضاء فيما بعد، مثل قانون ‘العيب’ وإنشاء محكمة ‘القيم’، وتغيرت لغة الخطاب فبعد أن كان موجها إلى المواطن بالعبارة الشهيرة ‘أيها المواطنون’، وجدنا من يقول لهم شعبي وجيشي وأولادي، وتراجعت مفردات السياسة واللغة الوطنية الجامعة، وتداعت الدولة وتراجعت.
بعد مبارك جاء السادات لينقل الدولة من القرية إلى المخفر، وإن كان مجتمع القرية موزعا بين ملاك ومزارعين، فإن المخفر يقوم على قسمة الغرماء؛ بين جبابرة أشداء وجلادين غلاظ في مقام السادة، ورعايا بسطاء وضعفاء في مقام الأقنان والعبيد، وسقطت بذلك حواجز كانت بين أصول الدولة وممتلكاتها وذمة السادة المهيمنين، واختزلت الدولة في عائلة الحاكم المكونة من أربعة أفراد وحاشيتها، وتحولت إلى مخفر مسكون بالخوف بفعل البلطجة وترويع لا يتوقف تقوم به الشرطة بتحريض من ذلك الحزب المنحل. وتحولت الدولة المخفر إلى سجن كبير يدار لصالح تشكيل عصابي؛ يرتدي ثوب حزب يمارس كل ما هو ممنوع ومحرم ومجرم، وبدل أن يعمل على التخفيف من وطأة المشاكل أصبح عبئا على المجتمع؛ أفرادا وجماعات. خاصة بعد أن جعل من اللصوصية والسمسرة نشاطا أساسيا له، وبعد قيامه بأكبر عملية سطو على المال العام وسرقة لأراضي الدولة، وإشاعة قيم اللصوصية والنهب بين المسؤولين والحكام، كان أخطرها تلك التي زكت اللصوص والفاسدين والعملاء لحكم البلاد، وسرت قناعة داخل ذلك الحزب بأن ثراء اللص وجامع المال الحرام هو الطريق للحكم والتحكم في القرار السياسي، وأن السارق أو النهاب هو الأصلح من أي شريف لتقلد المناصب الحكومية والحزبية.
من رحم ذلك الحزب ولدت البلطجة لتصبح رديفه الجاهز للعدوان الدائم على الشعب، وزادت وطأتها مع ظهور جمال مبارك في تسعينات القرن الماضي، وبروز دوره كوريث لوالده، وجعل الوريث من مصر مشروعه الاستثماري الأكبر، ومن الحزب شركته العملاقة للسمسرة وجمع المال الحرام، ومن الفتن الطائفية والاجتماعية والسياسية أساسا للبقاء والاستمرار، ولم يترك شيئا في مصر ليس له أو لعائلته؛ الثروة والحكم والجبروت.
وترتفع أصوات ضد حل الحزب، وتصف الحكم بأنه عمل غير ديمقراطي، فتدعي أن الديمقراطية تسمح لكل الجماعات والأحزاب بالعمل؛ حتى لو كانت فاسدة وخارجة على القانون، وهذا ليس صحيحا فقوانين الدول الديمقراطية لا تسمح بنشاط أو قيام أحزاب فاشية أو عنصرية أو طائفية أو ذات تتبنى أيديولوجية تفسد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وكلها أوصاف متوفرة في ذلك الحزب، ولو كان الحزب الوطني حزبا في بلد ديمقراطي ما استطاع الحياة يوما؛ يمنع فورا من ممارسة العمل السياسي، فالخروج على القانون يجرّم النشاط ويحرّم الوجود من قبل الدولة، ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وقيمها الأخلاقية وأعرافها الاجتماعية. حل الحزب الوطني عمل ديمقراطي بالدرجة الأولى، ومواجهة ذلك بحملة تضليل واسعة بدعوى الديمقراطية؛ عمل بائس ويائس تمارسه الثورة المضادة للعودة مرة أخرى إلى ما كانت فيه، وهذا هو المستحيل بعينه رغم ضراوة المعركة الدائرة الآن بين قوى الثورة وجمهورها العريض وبين تحالف شيطاني يحركه ذلك الحزب المنحل؛ فما زال تحريضه مستمرا لرجال الشرطة والأمن العام بعدم العودة، والمراهنة على استمرار الفراغ الأمني، كي يستأنف اللعب على وتر الخوف، ويشعل نار الفتن الطائفية في وجه المجتمع كي لا يستقر، ويدفع بجحافل البلطجة ويغدق عليها لتغرق البلاد في بحر من الفوضى والدمار، ويحرض على تعطيل العمل ووقف عجلة الانتاج، ويمول كثيرا من الوقفات والمظاهرات الفئوية. لا يبقى إلا الانتصار على ذلك التشكيل العصابي المسمى بالحزب الوطني واستمرار ملاحقته على جرائمه التي ارتكبها طوال العقود الماضية، لذا فإن المصريين يترقبون صدور الحكم في القضية المرفوعة أمام المحاكم بعزل كل من أفسد الحياة السياسية، وحرمانه من العمل العام، وهو ما قام به ذلك الحزب منذ تأسيسه.
ويتوالى صدور الأحكام القضائية؛ كان آخرها حكما صدر أثناء كتابة هذه السطور برفع اسم حسني مبارك وزوجته من كافة المنشآت العامة والميادين والشوارع تلبية لمطلب الشعب والثورة.’ كاتب من مصر يقيم في لندن