‘حماة’ بحروفها الأربعة

حجم الخط
0

خولة دنياحماة بحروفها الأربعة متعبة بحائها التي تصدح من صماصيم القلب وكأنها تنهيدة أبدية وميمها وألفها الخفيفة وكأنها تنقلك من القلب إلى الخلود وتائها التي تبقي فمك مفتوحاً بدهشة على مجهول ما قد تجلبه الأيام من جديد.

حماة الخفيفة الوطأة في الكلامالثقيلة الهم في القلبوجع العقل الأبدي.. بداية الأحزانونهاية الآلامحماة التي تتوسط القلب كما توسطت سوريةبريفها المتشعب في تاريخ يتلوى بين الجبل والسهل والنهر والصحراء.. تجدها تجمع الخلق وكأنها من صنعته.. وتتوسط العقد وكأنها جوهرته.. حماة التي في الذاكرة لها طعم العرقسوس الذي يشربه أبي من يد ويمسك بيدي الطفلة بيده الأخرى وأنا أتلوى من قسوة الطعم الغريب وأتلفت أحاول النظر فيما تركته فوهات البنادق والمدافع على الجدران.

حماة التي في الذاكرة ببقايا ابنيتها المهدمة.. بحكايا بناتها المرعبة… وببقايا أحزانها التي صادفتها المرة تلو الأخرى في فروع الأمن العسكري عند مراجعتي لها… هي حماة اليوم…’حماة بحي حاضرها وكأنها ترمي الماضي وتبني يومها من جديد… بجوامعها وكنائسهابحديقتها الجميلة التي بنيت على بقايا المقبرة القديمة التي هدمتها الدبابات فوق رؤوس ابنائها الذين اختبأوا فيها منذ ثلاثين سنة.. فازهرت بسرعة عجيبة وتطاول الشجر فيها وكأن اجسادهم ابت إلا معانقة السماء… هي حماةوأيضاً حماةبداية هي… ونهاية النهايات’من قال ان ثورتنا كانت لتزهر لولا المشهد الرائع الذي سطره ابناؤها في ساحة العاصي بمئات الآلاف.. ذاك المشهد’الذي انعش الروح.. فأحسسنا بفرحة نصر مؤقت…. خلده في الذاكرة بلبلها الصادح وغناؤه الرائع ‘الذي أصبح رمزاً من رموز ثورتنا العاصية هذه!! تنتابني حماة كذاكرة قريبة بعيدة… أخجل من نفسي لأني غضضت الطرف عنها لسنوات طويلة.. استطاع خلالها البرابرة بث الذعر فينا منها’هم البرابرة أولاد البرابرة من قام بالتدميرفي الماضي كان العاصي يعج بالدماء والأجساد، واليوم عاد ليصطبغ بلون الدم من جديدحماة التي اختاروها هدية رمضان المباركة، فتركوها لليلة الأخيرة من شعبان، ليزفوا ابناءها بالجملة وجبة لإفطار الأسد… ملك الغابة لا يستريح فكيف إن اختار وجبته بعناية فائقة من البلد الأقرب للغابة تلك الغابة التي جففوها وحولوها لمزارع لابناء المدن الشتى التي تتكور في وسط سهول حنطتها… وتتحول إلى أكداس اسمنت ومزارع خصوبة دائمة تنتشر من حماة إلى جسر الشغور وتتوسط الجبل والهضاب وكأن الامتداد الجغرافي لحماة اصبح اليوم امتدادا بؤريا لعشرات القرى المتراكمة على ضفتي العاصي تنهل منه ولا تستريح.

هي حماة إذاً من جديدجوهرة العقد السوريوجوهرة ثورته المتوهجة بالدم والإصرار والعنادهي الجوهرة التي أرادوا النيل منها لينفرط العقد، فتركوها لوجبة السحور الأولى هدية’لماذا علينا أن نقدم القرابين تلو القرابين للأب والابن من بعده؟

لماذا علينا تحمل تكرار المشهد كل ثلاثين سنة؟

هل كتب علينا الشقاء لهذه الدرجة؟

فتوقف زمن توليد الديكتاتوريين حتى نبتلى بالأب والعم واليوم بالابن والأخ وأولاد العمومة والأحفاد والسلسلة التي لا تنتهي من توالد الديكتاتوريين الصغار وأحفادهم؟

ولماذا حماة مرة أخرى ايها القتلة المحاصرون بجرائمكم المرة تلو الأخرى… الدخان يعلو أسطح منازلها.. يعشس في القلب… ويتوزع دموعاً سوداء على حيطان مساكنها المزروعة بالخوف.. كم لهذا القلب أن يتحمل من تنقلات لا نستطيع القيام بها في الحقيقة.. فنتوزع على أبواب المدن المحاصرة لنزور دير الزور وجسر الشغور والبوكمال والقامشلي واللاذقية…. أصوات المدافع ترافقنا.. واجتياح المدن يحاصرنا من جميع الجهات.. نتنقل علنا نوزع مشاعرنا مع جميع الأمهات الثكالى..’وأين منا أحزانهن أو حتى فرحة الشعور بالحرية في عيون شبانهن الغاضبين والتواقين لغد بدون أصوات رصاص ومدافع.. أين نحن من كل مايجري على بقاع الروح التي اسمها سوريةنحن المتكورين على أبواب زنازين المدن نناشد الرب يوماً بدون دماءتحترق الدروب الذاهبة إلى الدمار.. فنرافق الدبابات توجساً.. والخوف يحاصر العيون من وجهتها التالية.. أين نحن من كل ما يجري وجرى.. تسكننا المدن والبلدات ونحن نتنقل بينها كحمامات عافت العش واحتارت أين تخبئ صغارها.. حماة وجع القلب والروحأنا البدوية الريفية ابنة حماة، تغزوني الذاكرة كما لم ‘تفعل كل عواصم الأرض… أحن لأشرب العرقسوس من جديد في ساحة العاصي، وأركب باص الهوب هوب من كراجاتها القديمة.. أتوجه إلى حاضرها علّي أساعد في بناء ما تهدم من مستقبلهالا نريد حدائق بعد اليوم تبنى فوق المقابرلابنائنا استطالاتهم وأشجارهم الوارفةزهور هم في القلب.. وسيسطعون وهم يغنون نشيد حريتنا التي يريدون، ونريد…. كاتبة من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية