حماس… الوضعان الدولي والعربي… والقضية الوطنية
د. بشير موسي نافعحماس… الوضعان الدولي والعربي… والقضية الوطنيةكما كان متوقعاً، بدأ الموقف الغربي من انتصار حماس الانتخابي في التشقق. بدأ التشقق حتي قبل إعلان النتائج؛ فقد سبقت الدعوة الروسية الرسمية (بإعلان من الرئيس بوتين نفسه) قيادة حماس لزيارة موسكو ذهاب وفد من مستوي أقل إلي العاصمة الروسية والتباحث مع المسؤولين الروس. وما ان بدأت موجة التصريحات الأمريكية والإسرائيلية الناقدة للدعوة الروسية، حتي بادرت باريس إلي تأييد موقف موسكو في تمايز فرنسي واضح عن واشنطن وتل أبيب. لم نسمع كثيراً من الحكومة البريطانية في هذا الشأن، ولكن أحداً يجب ان لا يستغرب إن كشف مستقبلاً عن اتصالات بريطانية، رسمية وغير رسمية، بحماس. بل ان بريطانيا كانت هي المبادر أصلاً في الاتصال بالحركة الفلسطينية الإسلامية، وقوي إسلامية أخري، عن طريق مركز بحث أسسه مسؤول سابق في الاستخبارات البريطانية. أما الموقف الألماني، الذي بدا الأكثر تشدداً بين دول المجموعة الأوروبية، فقد تبدل في شكل واضح بين لقاء المستشارة ميركل بالمسؤولين الإسرائيليين ومؤتمرها الصحافي المشترك مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في اليوم التالي. الأرجح، أن المجموعة الأوروبية لن تقبل استفراداً روسياً بالتعامل مع الحكومة الفلسطينية المقبلة، وأنها ستسعي، علي هذا النحو او ذاك، وبهذه الدرجة أوتلك، إلي التعامل الطبيعي مع الحكومة الفلسطينية الجديدة. ليس ثمة من يشعر بالسعادة بين الدول الأوروبية لفوز حماس، بل أن من المؤكد أن هذا الفوز جاء صدمة للدوائر الأوروبية السياسية والاستخباراتية. ولكن هذا شيء وحسابات المصالح والمخاطر شيء آخر.بيد أن ما ينطبق علي الأوروبيين لن ينطبق بالضرورة علي الموقف الأمريكي. بفوز حماس تدخل سياسة الإدارة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط حلقة أخري من حلقات الارتباك والتعثر، تضاف إلي حلقات التأزم الأمريكي في العراق وإيران وسورية. إدارة الرئيس بوش الإبن، وجرياً علي تقاليد عدم التراجع، والتصميم علي المواقف المسبقة حتي وإن ثبت خطؤها، لن تقوم بتغيير موقفها المعلن من حماس. السياسة الأمريكية في فلسطين والمشرق العربي هي في جوهرها سياسة إسرائيلية، كما ان الموقف الأمريكي الرسمي من حماس قد اقترن باستراتيجية مكافحة الإرهاب، التي تشكل راية سياسات إدارة الرئيس بوش الخارجية. ولكن واشنطن لن تعدم وسيلة مباشرة أو غير مباشرة للتعامل مع الحكومة الفلسطينية القادمة، سواء عن طريق الرئيس محمود عباس أو عبر الوسطاء الأوروبيين. هذا الاتصال لن يصب في هدف مساعدة الحكومة والشعب الفلسطيني. الهدف الأمريكي المركزي خلال الأشهر (وربما السنوات) القليلة القادمة سيكون إسقاط الحكومة وحل المجلس التشريعي الفلسطيني ذي الأكثرية الحماسية. ولا يمكن أن يفهم قيام المجلس التشريعي المنتهية ولايته تعديل القانون الخاص بتشكيل وأعمال المحكمة الدستورية العليا، إلا في هذا الإطار. إسقاط حكومة حماس وحل المجلس التشريعي لن تكون أهدافاً سهلة التحقق، وكلما ازدادت المساعي الخارجية للتخلص من حكومة حماس سيزداد تشبث الفلسطينيين بها والدفاع عنها. ولكن هذا التشبث قد لا يمنع تورط أطراف فلسطينية وعربية في محاولة إفشال الحكومة الجديدة.الموقف العربي هو الآخر ليس موقفاً واحداً. وقد اتضح التباين في ردود الفعل العربية منذ الأسبوع الأول لفوز حماس. والواضح ان عدداً من الدول العربية رحب ترحيباً حاراً بنتائج الانتخابات الفلسطينية، ربما بدرجة لا تقل عن ترحيب أنصار حماس أنفسهم. هذا ما ينطبق علي الموقف السوري، الذي رأي في انتصار حماس انتصاراً لخطه ومعسكره، ومسوغاً لا يرتقي إليه مسوغ لسياسة الدفاع عن الوجود الفلسطيني الإسلامي والمعارض في سورية. دمشق اليوم أصبحت حاضنة للشرعية الفلسطينية بعد ان اتهمت طويلاً بدعم المعارضة والمشاغبة علي عملية السلام. والترحيب القطري هو الآخر ترحيب حقيقي، خاصة ان علاقات دافئة ربطت بين حماس والحكم القطري طوال سنوات. أما السودان، الذي كان ثالث دولة عربية تستقبل قيادة حماس، فليس من السهل علي حكومته تجاهل جذورها الإسلامية. مشكلة حماس العربية تقع علي وجه الحصر في القاهرة وعمان، وبدرجة أقل في الرياض. أولاً لأن هذه الدول العربية الثلاث ترتبط بعلاقات استراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ وهي إضافة إلي ذلك، تلعب أدواراً فعالة ومباشرة في الشأن الفلسطيني، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً.بعد زيارة قام بها وفد كبير من حماس إلي القاهرة استمرت عدة أيام، ومباحثات مطولة مع المسؤولين المصريين، ظل الموقف المصري من المتغير الفلسطيني الكبير غامضاً. مصر لا تستطيع التخلي عن انشغالاتها الفلسطينية الكثيفة والواسعة، ولا هي تستطيع فرض رؤيتها للتسوية علي قيادة حماس. علي مستوي التفاصيل، أخفقت القاهرة في تحويل الهدنة الفلسطينية إلي هدنة متبادلة؛ وعلي المستوي العام، تشترك القاهرة ومحمود عباس في عدم وجود انجازات ملموسة تقدمها إلي الشعب الفلسطيني لإقناعه بجدوي مواصلة نهج التسوية السابق. إن لم تنجح حماس، لأسباب عديدة تتعلق بتعقيدات الموقف المصري الداخلي والخارجي، في إقناع القاهرة بأن الحكومة الفلسطينية الجديدة هي إضافة كبري للموقف العربي، ومناسبة لإجراء مراجعة حقيقية للسياسة العربية، فليس أمام الطرفين إلا التعايش. ليس من السهل علي القيادة المصرية الشعور بالارتياح لحكومة حماس (الإخوانية)، ولكن المسألة الفلسطينية أكبر من عقدة الموقف من الإخوان المسلمين. ولأن من المستحيل علي أية قيادة فلسطينية تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والاستراتيجيا في العلاقة مع مصر، فعلي حماس أن لا تتوقف لحظة عن محاولة تحسين الموقف المصري. العلاقة مع السعودية ستكون أقل إشكالية، وإن لن تخلو رغم ذلك من التعقيد. فالسعودية لا ترتبط بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة وحسب، بل ان مبادرة السلام العربية المعلنة في مؤتمر قمة بيروت هي أصلاً مبادرة سعودية. وهناك تنسيق مصري ـ سعودي شبه دائم فيما يتعلق بمختلف الشؤون العربية. السعودية، حكومة وشعباً، هي فوق ذلك، مصدر دعم رئيسي للسلطة الفلسطينية. ولكن الحكومة السعودية، التي لا تعترف بالدولة العبرية ولا تربطها بها أي مستوي من العلاقات، لا تستطيع الضغط علي حماس لتلبية الشروط الأمريكية ـ الإسرائيلية، كما ستجد نفسها في موقف بالغ الصعوبة أمام الرأي العام السعودي إن بادرت إلي قطع المساعدات الرسمية أو الشعبية عن الحكومة الفلسطينية استجابة لمطالب أمريكية، خاصة والبلاد تموج بحراك إسلامي كبير. وبالنظر إلي سياق متكرر من استقلال القرار السعودي عن السياسة الأمريكية (بما في ذلك الموقف من سورية، مثلاً)، فربما سيكون التعامل مع الرياض أسلس من التعامل مع دول خليجية أخري. أما الأردن، الذي يجد نفسه اليوم في موقف حرج بعد سنوات من طرد قيادة حماس، فهو أكثر الدول العربية عرضة لتقلبات القضية الفلسطينية، وللضغوط الإسرائيلية والأمريكية، خاصة بعد أن ضاقت المسافة بين القرار الأردني والتصور الأمريكي للأمور. ولكن السياسة الأردنية تعكس في أغلب الأحوال ميزان القوي في المنطقة العربية، وفي حال وجدت عمان ان الموقف المصري ـ السعودي ـ السوري قد أظهر تماسكاً في وجه الضغوط الأمريكية، فمن الصعب ان يخرج الأردن في سياسة منفردة. وسيلعب الموقف الإسلامي داخل الأردن دوراً بارزاً في حماية الحكومة والموقف الفلسطينيين الجديدين. بكلمة أخري، سيرتبط الموقف العربي بعوامل متداخلة من الرأي العام العربي الشعبي (الذي لابد من إعادته بقوة إلي قلب المسألة الفلسطينية)، صلابة موقف حماس والدعم الشعبي الفلسطيني لسياساتها في الداخل والخارج، وحجم الضغوط الأمريكية والتباين بين الموقف الأمريكي والمواقف الأوروبية. في حده الأعلي، لابد ان يستهدف العمل في الساحة العربية استعادة الارتباط بين فلسطين والمجال العربي، بحيث تصبح القضية الفلسطينية مسؤولية عربية كما كانت دائماً، لا مسؤولية فلسطينية فقط. وفي حده الأدني، لابد ان يستهدف هذا العمل رفع سقف الموقف العربي الرسمي، بحيث تري الدول العربية المعنية أن الموقف الفلسطيني الجديد يصب في صالح السياسة العربية لا التناقض معها.في النهاية، ما يؤشر إليه الانقلاب الفلسطيني السياسي هو انقلاب في التعامل مع الملف الوطني، قبل ان يتعلق بقضايا الفساد والإدارة والبناء الاقتصادي، علي أهمية الأخيرة. وفي المسألة الوطنية، وبالرغم من التباين بين تصور حماس للأمور ونهج الرئيس أبي مازن، فليس ثمة من مبرر لإثارة قلق الحكومة الجديدة. فإن وضعنا في الاعتبار الطريقة التي تعاملت بها الحكومة الإسرائيلية مع الرئيسين عرفات ومحمود عباس، فليس من المتوقع أن تبدي الدولة العبرية رغبة جادة في استئناف التفاوض مع الجانب الفلسطيني. أقامت حكومة شارون سياستها علي دعوي عدم وجود شريك فلسطيني في عملية السلام؛ وبالرغم من الإشادة الأورو – أمريكية بخطوة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، فقد جاء الانسحاب بسبب ضغوط المقاومة الفلسطينية، وضمن إطار تصور إسرائيلي منفرد لعملية السلام والانفصال الإسرائيلي عن مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية، وما يعنيه هذا التصور من قيام الدولة العبرية بضم مناطق واسعة من الضفة الغربية. هذه السياسة ستتواصل في حال أحرز حزب كاديما نصراً كافياً في الانتخابات الإسرائيلية البرلمانية المقبلة وعاد أولمرت رئيساً للوزراء. أما إن تحسنت حظوظ الليكود، ودخل الحكومة القادمة شريكاً أو رئيساً، فتزداد نزعة التفرد الإسرائيلي، وستتضاءل فرص وحجم الانسحاب الإسرائيلي من الضفة. مهما كان مستقبل الحكومة الإسرائيلية، فإن كان تحرير قطاع غزة تطلب عقوداً من المقاومة، فليس من المتوقع تحرير الضفة الغربية والقدس قبل عقود أخري من النضـــال والمقاومة.يتلخص الخطاب الذي أطلقته حماس خلال الأسابيع القليلة الماضية في رفض الاعتراف بالدولة العبرية والإحجام عن تقديم مبادرات جديدة للسلام. ما ستقوله الحكومة الفلسطينية الجديدة للأوروبيين والأمريكيين والدول العربية ذات العلاقة أن المحتل هو المطالب بالاعتراف بحقوق من هم تحت الاحتلال، وأن الانخراط في عملية السلام يتطلب تحديداً إسرائيلياً واضحاً لما يمكن أن تقدمه الدولة العبرية للفلسطينيين قبل العودة إلي عملية التفاوض. فقد مضت عملية التفاوض والسلام طويلاً في مسلسل عبثي لم يحصد منه الفلسطينيون إلا الدمار والموت، وجدارا تطهيريا عرقيا، واتساع نطاق الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. في مقابل هذا الموقف، يمكن التوقع بأن الأطراف الغربية والعربية المهتمة بعملية السلام لن تجد ما ستقدمه للطرف الفلسطيني، لا علي مستوي موضعة الموقف الإسرائيلي ضمن إطار القرارات والشرعية الدولية، ولا علي مستوي أفق السلام. لانتزاع ولو جزء آخر من الحقوق الفلسطينية، لابد ان يكون هناك طريق مختلف.9