الحكومة الجديدة تتحدث عن الانطواء.. ولكننا نسير في الاتجاه المعاكس
تعتبر العملية الارهابية التي وقعت يوم أمس في تل ابيب محطة اضافية في مسيرة انجذابنا للعودة مجددا الي داخل المناطق، الي الفوضي، الي الثقب الاسود الذي تشكل هناك منذ أن وصلت حماس الي السلطة. ونحن بدورنا، ننجذب الي هذا البؤس بعيون مفتوحة.
هذا سيناريو معروف سلفا، فعملية ارهابية جماعية اخري، وسقوط صاروخ قسام اضافي يوقع ضحايا، فنري أننا أصبحنا في الداخل. في الجيش يدعون ذلك باسم الجولة الثالثة و مواجهة لا يمكن منع حدوثها، وبعبرية سهلة: نحن في طريق العودة الي السيطرة الكاملة علي المدن الفلسطينية.
الحكومة الجديدة ستتحدث عن الانطواء، والكنيست التي أقسمت يمين الولاء أمس الاول، ستتحدث وتناقش من الصباح حتي المساء مكان الحدود الدائمة الجديدة، لكننا نسير في الاتجاه المعاكس. فنحن لا نسير باتجاه الانطواء بل باتجاه التوسع، وليس التوسع بمعني تحقيق انجازات جديدة علي الصعيد السياسي، بل توسيع العمليات العسكرية داخل المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان، سواء في الضفة أو في القطاع. والسؤال هو: اذا لم ندخل الآن الي جنين ونابلس وغزة، فمتي سنفعل ذلك؟.
تحليليا، العملية الارهابية التي وقعت يوم أمس، كانت الاولي التي ينجح أحد بارتكابها داخل منطقة الخط الاخضر منذ أن وصلت حركة حماس الي السلطة. وباستثناء هذه الحقيقة التاريخية، فلم يحدث أي شيء لم يكن متوقعا حدوثه، فلا يوجد أي فرق بين العملية التي حدثت يوم أمس الاول وبين تلك التي وقعت قبل بضعة اسابيع عند مدخل مستوطنة كدوميم. ومع وجود كم كبير من الانذارات محددة عن امكانية وقوع عمليات، فان أحدها تمكن من اجتياز هذا الطوق المحكم دفاعيا واستخباراتيا. فالجهاد الاسلامي، وبالاشتراك مع فتح يحاولان جر حماس الي مواجهة مسلحة مع الجيش الاسرائيلي. وحماس لا تريد، ولا تحاول منعهما. وفي النهاية فانهما ستنجحان في جر المنطقة للاشتعال، وهذا ايضا لا يعتبر جديدا.
التجديد الوحيد ـ وهذا ايضا يجب أن لا يفاجيء أحد ـ هو أن هذه العملية قد وقعت في الوقت الذي لا يوجد فيه أحد نتحدث معه في الجانب الآخر. حتي الوقت الذي وصلت فيه حماس، كان يمكن التحدث مع أبو مازن ومع أقسام محددة، من الاجهزة الأمنية، ومع قيادات رفيعة في السلطة، أما الآن فليس هناك سوي الانقطاع التام والقطيعة التامة. فالأسوار الأمنية وما خلفها: أعداء.
نحن لا نستطيع الاستعانة بالاوروبيين ولا الامريكيين، لان كليهما قد أدار ظهره في هذه اللعبة، لانه يوجد في الجانب الآخر ثقب اسود تُقلع صواريخ القسام منه باتجاهنا، ومنه يخرج منفذو العمليات الارهابية. لا يوجد أمامنا من نهدده ولا من نردعه. وعندما نقوم بارسال رسائل تهديد فانها ليست أكثر من مجرد طلقة نطلقها بالأساس لكي نُطمئن أنفسنا. فالسلطة نفسها سلطة حمساوية، ولا تسيطر علي أي شيء، فوضي عارمة، لا أحد يعرف اذا كانت لها سلطة علي رجال الشرطة، ولمن تخضع كل الاجهزة الأمنية. لا توجد اموال، لا توجد رواتب لموظفي الدولة، يوجد تدهور بكل المعايير الممكنة.
هكذا، في محاولة لايجاد وضع يمكن من خلاله السيطرة علي الاوضاع، فان اسرائيل تنجذب الي الداخل. الي البوتقة. في الاوساط العسكرية يفضلون التحدث بمصطلحات مثل تحديد الثمن و تحديد قواعد اللعب إزاء هذه السلطة الجديدة. هذه هي العبارات والمصطلحات التي سُمعت يوم أمس في مكتب وزير الدفاع ايضا. والكلام بهذه الطريقة لم يعد مُجديا، لأنه من الناحية النظرية والفعلية، فان انجذابنا نحو الداخل (المناطق) يشكل خشبة انقاذ لحركة حماس. حماس لم تنجح حتي الآن في تحمل وتثبيت المسؤولية التي أُلقيت عليها، وكلما مر وقت اطول تجد هذه الحركة صعوبة أكبر في تنفيذ التزاماتها التي قطعتها للجمهور الفلسطيني. وهو الأمر الذي قد يؤدي الي تقوضها في نظر الجمهور والشارع الفلسطيني. فهم متشوقون جدا لتحديد الثمن الباهظ، لانهم بذلك يعودون الي التمسك بتلك الصيغ الناجحة عندهم والتي تقول كلما كان الوضع اسوأ للفلسطينيين، فانه يكون الأفضل لحماس.
من هنا تتضح الاستراتيجية التي تتبناها بالنسبة لعدم وقف ومنع العمليات ضد اسرائيل، بل انها تشجعها لكي تعيد الجيش الاسرائيلي الي المناطق. وبذلك يعود الفلسطينيون ليكونوا المساكين، وسنظهر نحن الاسرائيليين ليس مجرد مضطهِدين بل ايضا مُخلين بالاتفاقات، والشارع الفلسطيني سيري مجددا أن حماس هي الضوء، وبقية العالم المتنور سيقف الي جانبهم.
لم يكن من الضروري اجراء المداولات يوم أمس في مكتب وزير الدفاع علي أساس التكتيكات العسكرية والخطوات العسكرية اللازمة لاحباط العمليات، ولا لتشغيل الرافعات، ولا حول زيادة عدد المتعاونين مع الشاباك، وعلي تحديد مجدد لقواعد اللعب مع حماس. فالمداولات كان يجب أن تدور حول كيفية سلوكنا في اليوم الذي يلي انجذابنا الي الداخل، دون أن نقع فريسة بأيدي حماس. هذا بلا شك، سيكون الامتحان الكبير الأول للحكومة الجديدة.
اليكس فيشمانالمراسل العسكري للصحيفة(يديعوت احرونوت) 18/4/2006