من دونها لن تكون هناك أية لعبة سياسية سواء في غزة أو في الضفة
حكومة اسرائيل برئاسة ايهود اولمرت والسلطة الفلسطينية في الضفة برئاسة محمود عباس تمران الآن في ذروة النشاط السياسي المتجدد. كل ذلك يحدث بتشجيع امريكي مكثف. لقاءات متعاقبة ومداولات حول اتفاق المباديء وتخطيط للقمة الاقليمية.
التقدم ملموس رغم وجود مشاكل كثيرة علي الارض مثل اتفاق العفو عن المطلوبين الذي لا ينجح الجانبان في استكماله. لجان التنسيق بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية عادت الي أداء دورها، وحكومة سلام فياض تحصل علي دعم مالي ملموس واجهزة الأمن في الضفة تستعيد قدراتها.
في وسائل الاعلام الفلسطينية تنشر أنباء حول بناء مدينة فلسطينية جديدة بين نابلس ورام الله. كُتب في احدي الصحف انه مشروع وطني من الدرجة الاولي: مدينة عربية جديدة تُقام لاول مرة منذ أن بني المحتلون العرب الرملة قبل 1500 عام. الامريكيون والسعوديون سيمولون البناء الذي سيوفر فرص العمل لآلاف العاطلين.
علي هذه الخلفية كان الجدل الهامشي كما يبدو للوهلة الاولي الذي نشب بعد نبأ مفاده أن اسرائيل ستسمح بعودة بضع عشرات من اللاجئين الفلسطينيين الفارين من العراق الي الضفة الغربية.
هؤلاء اللاجئون ينحدرون من عائلات يعود أصلها للقري العربية التي كانت منتشرة في السابق جنوب شرق الكرمل. الجيش العراقي الذي جاء الي شمالي السامرة في حرب عام 1948 استعان بعدد من سكان هذه القري. بعد الهزيمة العربية حصلوا علي تصريح للتوجه الي العراق، وسكنوا هناك الي أن اضطروا للفرار مؤخرا. بعضهم كان في مخيمات مؤقتة علي حدود الاردن وسورية، والآن سمحت اسرائيل، كما أسلفنا، لبضع عشرات منهم بالمجيء الي الضفة والحصول علي المواطنة في السلطة الفلسطينية.
المشكلة، كما يوضح بعض الصحافيين الفلسطينيين هي انه مع الحصول علي حق المواطنة في الضفة يتوجب علي هؤلاء القادمين التنازل عن بطاقات اللاجئين التي يمتلكونها. هذا التنازل هو أشبه بخطوة خيانية من وجهة النظر القومية الفلسطينية لانه يعني تنازلهم عن حق العودة. ليس هناك خلال الستين عاما الأخيرة أية دعوات أو مقالات سياسية فلسطينية لا ترفض بصورة قطعية عملية التوطين، أي اعادة توطين اللاجئين خارج المكان الذي خرجوا منه في فلسطين.
الناطقون بلسان حماس هاجموا بشدة امكانية تنازل اللاجئين القادمين من العراق عن بطاقة الامم المتحدة وألا يُعتبروا لاجئين. كثيرون من حركة فتح ومن التيارات الفلسطينية الاخري انضموا للتنديد بحماس.
هذه مسألة رمزية من حيث الجوهر، ولكن الناطقين بلسان حماس أوضحوا في الايام الأخيرة في مسائل اخري سياسية وعملية، وعلي رأسهم المستشار السياسي لاسماعيل هنية، احمد يوسف، بأنهم سيُفشلون كل تحرك فلسطيني يتعارض مع موقفهم. فمثلا في قضية الانتخابات، صرح أبو مازن بأنه ينوي تقديم موعد الانتخابات العامة للرئاسة وللمجلس التشريعي. حماس تعارض، ومن الواضح انها لن تسمح باجراء الانتخابات في غزة. كما انه اذا وجهت حماس الدعوة لمقاطعة الانتخابات فلن يكون من الممكن اجراؤها في الضفة ايضا. لحماس قوة تدميرية كبيرة في مسائل اخري ايضا.
هناك اجماع شبه كامل في السياسة الفلسطينية بصدد شروط كل تسوية مهما كانت: فقط في حدود حزيران (يونيو) 1967 مع شرقي القدس كعاصمة لفلسطين ومع حل معين لمشكلة اللاجئين. ليس هناك لهذه التسوية اعتراف رسمي، ولكن حماس ايضا مستعدة للموافقة بالتأكيد مع وقف اطلاق نار دائم وعملية تعاون. حكومة حماس في غزة تبذل كل جهودها الآن للبرهنة علي انها قادرة علي ادارة القطاع بصورة سليمة علي أساس القانون والنظام. في الاسبوع الماضي دعوا الصحافيين الاجانب لمشاهدة ما يجري في غزة، فعاد اغلبيتهم مع انطباع ايجابي بالتأكيد.
ولكن ما من شك في أن قدرة حماس علي عرقلة سياسة أبو مازن أكبر من قدرتها علي الحكم والسيطرة. طالما كان لدي قيادة حماس أمل بالصمود في غزة والتأثير علي المستقبل في الضفة ايضا، سيكون هناك هدوء نسبي. ولكن عندما يفقدون الأمل ويتضح أن أبو مازن أبعد من أن يحقق الحد الأدني الذي يطلبه الفلسطينيون، فسيُستأنف الارهاب والعنف بالتأكيد. بكلمات اخري، قريبا جدا قد يتبين بأن كل التحركات السياسية الحالية ما هي إلا ذر للرماد في العيون. في نهاية المطاف سيتبين ما يقوله الكثيرون في الجمهور الفلسطيني: اذا لم تكن حماس في اللعبة، فليست هناك لعبة.
داني روبنشتاينمحلل خبير للشؤون الفلسطينية(هآرتس 5/8/2007)