حماس والمأزق المخابراتي

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الافندي

(1)أبسط تفسير للغز الاتهام الذي وجهته السلطات الاردنية لحركة حماس بأنها هربت اسلحة للاردن وخططت لاستهداف مسؤولين هناك هو ان الامر لا يعدو ان يكون من فبركة اجهزة المخابرات التي لا يستغرب عليها مثل هذه الامور. ولكن الامر قد لا يكون بهذه البساطة. فكما ان حماس لا مصلحة لها في مؤامرة من هذا النوع، وليست من الغباء بحيث تتورط فيها، فان اجهزة المخابرات الاردنية ليست ايضا بالقدر من الغباء الذي يورطها في سيناريو من هذا النوع الذي لا يصدقه عقل، او هكذا نحسن الظن بهم.(2)ليس من المستبعد ان تكون الوقائع التي تحدثت عنها السلطات الاردنية صحيحة، وان يكون بعض الافراد استدرجوا للتورط في العمليات التي وصفت، ولكن هذا قد يطرح من الاسئلة اكثر مما يجب. السلطات الاردنية فيما يبدو ترجح ان بعض العناصر المارقة في حماس كانت وراء العملية، او لعلها تري فيها اصابع المخابرات السورية، ذلك ان المخابرات في البلدين لهما تاريخ طويل من الكيد المتبادل.(3)قد تكون اجابة الطرف الآخر هي الرد بالمثل، والتشكيك في وجود عناصر مارقة في المخابرات الاردنية هي التي استدرجت الشباب تحت ستار دعم حماس، وهذه فرضية قد يؤيدها ما زعم انه تم العثور عليه من كميات هائلة من الاسلحة يصعب تصديقه. انها دخلت الي البلاد وتم تخزينها بهذه الطريقة والسلطات لا تسمع ولا تري، كما ان الاعلان الدرامي للعملية عوضا عن مناقشتها مباشرة مع السلطة الفلسطينية هو أمر مثير للشكوك.(4)كلمة الاستدراج هي المفتاح لهذا اللغز. فمن المرجح ان جهة ما استدرجت هؤلاء الشباب باستخدام غطاء حماس التي يعلم الجميع مدي التعاطف الذي تحظي به في الاردن، ذلك ان حماس التي تتمتع بقاعدة عريضة من الانصار وشبكة واسعة من العلاقات مع الحركات الاسلامية لا يمكن ان تتبع مثل طريقة الهواة هذه في تجنيد الانصار من الشارع ان صح التعبير. فاذا قبلنا الرواية الاردنية فانه لا مناص من القبول بفرضية ان جهة ما قد استدرجت المتهمين، وان هذه الجهة ليست بـ حماس. يبقي السؤال هو ما هي هذه الجهة اذن؟(5)المخابرات السورية قد تكون موضع اتهام في هذا الامر، ومثلها المخابرات الاردنية. ولكن صاحب المصلحة الأكثر في أزمة من هذا النوع هو بلا شك المخابرات الاسرائيلية، وهذا بدوره يطرح اسئلة حول مدي اختراق المخابرات الاسرائيلية للاردن، وما اذا كان هناك من يتواطأ معها في دوائر السلطة.

يجب ألا نغفل ايضا عامل تخبط اجهزة المخابرات واخطائها الكبيرة. فاذا كانت اجهزة مخابرات متطورة مثل المخابرات الامريكية والبريطانية وقعت وتقع في اخطاء كبيرة كما حدث في العراق، فما بالك بمخابراتنا اياها؟(7)سائق تاكسي بريطاني كان يأخذني مرة الي دار هيئة الاذاعة البريطانية ايام تفجر فضائح المخابرات علق ساخرا بالدعوة الي مقاضاة اجهزة المخابرات تحت قانون اوصاف البضائع، وهو يقصد بالطبع ان تسمية المخابرات بالانكليزية (انتيلجنس) والتي تعني ايضا الذكاء لا تنطبق عليها، وتعتبر من قبيل الغش والتزوير.(8)المشكلة في عالمنا العربي ان المخابرات ليست متورطة في مثل هذا الغش والتزوير لأنها لم تدع ذكاء، ولكنها بالمقابل تهيمن علي كل شيء، وهي خاصية صدرناها للأسف لبقية دول العالم التي تتسابق الآن للاقتداء بسنتنا الحسنة، فيصبح لنا اجرها واجر من عمل بها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية