حماس ومواجهة الحقائق
محمد كريشانحماس ومواجهة الحقائقبمجرد نيل ثقة المجلس التشريعي ستجد حكومة حركة حماس نفسها في اليوم الموالي مباشرة أمام مسؤوليات جسيمة لا يمكن للمرء إلا أن يتمني لها التوفيق في تحمل أعبائها سواء اتفق معها أو اختلف لأن نجاح حماس سيستفيد منه الجميع في الساحة الفلسطينية ، مناصروها وخصومها علي حد سواء، تماما كما الفشل سينوء بوزره الجميع أيضا، لكن ذلك لا يعني أن تعفي الحركة من بعض الملاحظات سواء قيلت في سياق الحرص علي نجاحها أو التنكيد المبكر عليها.الحكم سيكون منذ اليوم فصاعدا علي حماس كحكومة وليس كحركة ، علي الممارسة وليس علي المواقف رغم أهميتها فحتي البرنامج السياسي للحكومة الذي نشرت خطوطه الكبري لم يتم التوقف عنده طويلا بالقدر الذي سيتم فيه التوقف عند كل كبيرة وصغيرة عند التطبيق. ومع أن هذا البرنامج قد يكون تضمن من الأمنيات أكثر مما تضمن شيئا آخر إلا أن عديدين، متربصين كانوا أو غيورين أو مراقبين محايدين، سيعودون لهذا البرنامج بالتأكيد في محطات مختلفة من عمل حكومة إسماعيل هنية. لنأخذ علي سبيل المثال لا الحصر نقطتين : الأولي الحق في مقاومة الاحتلال الوارد في البرنامج والذي أكد قادة الحركة أن لا تراجع عنه أو مساومة ، هو بلا شك حق لا أحد منصفا يجادل فيه ولكن مربط الفرس الآن عمليا هو كيف سينفذ، بمعني هل يمكن لحماس أن تكون حكومة مسؤولة تبحث عن مكانة دولية بل ولا تمانع في إجراء حوار مع اللجنة الرباعية للبحث في إنهاء النزاع كما جاء في خطاب رئيس الوزراء المكلف أمام المجلس التشريعي الاثنين أن تترك لجناحها العسكري كتائب القسام حرية القيام بعمليات في العمق الاسرائيلي وتتبناها ؟! والأهم تتحمل تبعاتها التي جربت سابقا؟! وإن لم تفعل فكيف ستبرر ذلك لأنصارها خاصة إذا ما تصاعد العدوان الاسرائيلي في مرحلة من المراحل؟! وماذا لو أنها التزمت التهدئة وخرقتها فصائل أخري، هل ستدينهم وتلاحقهم أم لا ؟! إن فعلت فهي تعيد تجربة الأغلبية السابقة التي شهرت بها حماس وإن هي تغاضت أضاعت سيطرتها أو صورتها أو كليهما . قد يقول قائل ولكن الزعيم الراحل ياسر عرفات فعلها من قبل فكان يضع رجلا هنا ورجلا هناك. صحيح ولكن ذاك كان عرفات بكل تاريخه و فهلوته في تخريج الأمور ومع ذلك انظر كيف انتهي به المطاف بعد أن قاطعه من ظنوا أنه خدعهم ، بل وصار الأقربون يتحرجون حتي من مجرد الاتصال به هاتفيا، هذا عرفات بكل ما مثله طوال أربعين عاما فكيف بحركة ينظر إليها من الآن بريبة وصنفها الأوروبيون والأمريكيون ك ارهابية ! فضلا عن أن ضرورة بسط الحكومة لسلطتها يفترض إنهاء ما يعرف بفوضي السلاح وربما حتي جمعه علي الأقل من جهات مصرة علي إرباك عمل حماس، هل ستجد الحكومة نفسها في نفس موقع من شهرت بهم من قبل وشككت في نواياهم؟!النقطة الثانية هي التعاطي مع مشاريع التسوية سواء المطروحة حاليا أو التي سبق أن اتفق بشأنها. ماذا ستفعل حكومة هنية؟ إن ما ورد في البرنامج من أن هذه الحكومة ستتعامل معها بقدر كبير من المسؤولية وهي ذات العبارة التي كررها رئيس الوزراء المكلف في خطاب الاثنين لا تعني في الحقيقة شيئا للأسف. القدر الكبير من المسؤولية في عرف المجتمع الدولي الحالي أن توافق عليها دون لف ودوران لكن هذا القدر الكبير من المسؤولية تعني من منظور مناصري حماس والمؤيدين لها العمل علي اسقاطها لما فيها من حيف !! حكومة حماس مدعوة للانصراف للنهوض بكثير من نواحي المعيشة اليومية المتدهورة للفلسطينيين في الضفة والقطاع وهذا أمر يتطلب بالضرورة فترة تهدئة مع الاحتلال الاسرائيلي سواء باتفاق واضح أو ضمني، كما أن حكومة حماس مدعوة لمحاربة أوجه الفساد المختلفة وانهاء مظاهر استغلال النفوذ وغيره من مظاهر العبث بالقانون وهذا كله جيد ولكنه في المحصلة سيجعل حكومة حماس تتوجه في النهاية إلي أن تكون حكومة اصلاح داخلي مطلوب بإلحاح مما قد يدفعها إلي أخذ إجازة في موضوع المقاومة. هذا التوجه قد تدعمه غالبية الشعب الفلسطيني وقد يجد فيه آخرون مادة لتسجيل النقاط علي الحركة التي بتموقعها الجديد قد تجد نفسها في النهاية أقرب إلي الرئيس محمود عباس من الغاضبين الذين صوتوا لها. هذه المعادلة قد لا تكون سيئة في النهاية ولكنها بالتأكيد ستنزع الكثير من الهالة النضالية التي تريدها حماس لنفسها أو يريدها لها كثيرون.9