صحف عبريةجاءتنا بدعة جديدة هي الحديث عن ارسال مساعدة انسانية من اسرائيل الى سوريا. ومما يثير الاهتمام ان الذين يقترحون هذا كانوا هم الذين طلبوا إلينا ان ننقل هضبة الجولان الى عائلة الاسد وان نورط اسرائيل بذلك في الصعيد الوجودي. ويطلب اولئك الاشخاص الآن ان نساعد سوريا. ويجب علينا كما كانت حال كلب بافلوف ان ندس أنوفنا في كل شيء سواء أتعلق بنا أم لا. وهذا رد فعل مشروط من غير ان ندرك ان الحديث في مرات كثيرة جدا عن شرك لا نستطيع الخروج منه. اعتمد اولئك الناس على الاسد في صنع الأوهام وهم يعتمدون الآن على المتمردين. فـ ‘الشريك’ يتغير، والأوهام تبقى.
ان جزءا من الاسرائيليين هم ناس ساذجون. وتدلنا التجربة التاريخية على أنه لم توجد هوة أو بئر لم نقع فيهما، في أوهام ‘السلام’ التي بيعت لكل طالب هنا. وتبدو الآن الهوة التالية: لا يجوز لاسرائيل ألبتة ان تتدخل بأي صورة بحمام الدم في سوريا، فليس هذا صراعنا وليس هؤلاء اصدقاءنا ولن يكونوا اصدقاءنا ايضا.
أولا، لا نرى ان الدول العربية الشقيقة لسوريا تسارع مع مساعدة انسانية، بالعكس، انها تخشى هذا الصراع وتبتعد عنه لأنها تدرك مبلغ قابليته للانفجار. فلماذا تكون اسرائيل الاولى؟ هل أرسل السوريون الى اسرائيل مساعدة انسانية حينما هوجمت اسرائيل في الماضي على يد صدام حسين مثلا؟. وثانيا، وهذا هو الأساس، الحديث عن منزلق دحض. فالامر يبدأ بمساعدة انسانية وينتهي الى 18 سنة حرب كما حدث في لبنان مع ألف جندي قتيل. وقد بدأنا في لبنان ايضا بمساعدة بريئة بسيطة عن طريق ‘الجدار الحسن’، لدولة كانت في حرب أهلية. واستمر ذلك الى طلب مساعدة عسكرية من المسيحيين الموارنة في لبنان ونقل سلاح وتدريبات وبلغ الى احتلال كامل لجنوب لبنان ووسطها على أيدي عشرات آلاف جنود الجيش الاسرائيلي. ونجحنا بجهد كبير في التسامي والخلاص من ذلك المستنقع الدامي. ويريد طالبو مساعدة سوريا الآن إدخالنا في مستنقع أشد دموية.
وهناك مفارقة اخرى ايضا وهي ان الذين يتحدثون الآن عن مساعدة لسوريا كانوا هم الذين طلبوا الخروج من لبنان. ولا يهم ايضا ان تكون المساعدة بتوسط طرف ثالث فستنشأ علاقة ويكون من يحاول أن يجرنا الى هناك.
تملك اسرائيل ذخرا كبيرا جدا من السنة الاخيرة، فقد نجحت في ان تبرهن على ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني أو الاسرائيلي العربي ليس مركزيا ألبتة في الشرق الاوسط. فسواء وجدت دولة فلسطينية أم لا فان ذلك لا يهم الاسد بتاتا ولا احمدي نجاد ولا اردوغان ولا اليمن التي تغلي أو ليبيا التي تنحل. ان العالم العربي قد استعمل اسرائيل مدة 100 سنة وصرف اليها الاهتمام الشعبي والغضب وهكذا غطى على مشكلاته الحقيقية.
يجب الحفاظ على هذا الذخر. وإشراك اسرائيل في هذه الازمة هو اعادة لها الى دائرة مواجهة وصراعات اقليمية مريرة ليست لها صلة بها. وهذا يعني ان تُدفع مرة اخرى الى صراعات خطيرة. ولهذا ينبغي الامتناع عن التدخل حتى للاعتبار المصلحي لأنه ليس واضحا ألبتة من سينتصر هناك، ومن المنطقي ان نفترض ان تنشأ في سوريا في المستقبل نتيجة الفوضى قوى جديدة ايضا وان مساعدة طرف واحد ستُغضب الطرف الثاني دائما، فلماذا نتدخل أصلا؟ ولماذا نحدد موقفا وأي ربح سننال من ذلك؟.
علينا ان نفهم هذا وان نزن كل تدخل فيما يجري هناك حتى لو كان كلاميا. يجب ألا نراهن على سقوط الاسد أو خسارة المتمردين. ويجب على الجيش الاسرائيلي ان يتابع هذا الصراع ليلا ونهارا وهو غير المتعلق باسرائيل لكن من بعيد. ان الشرق الاوسط تابع اسرائيل في الماضي واليوم تتابع اسرائيل الشرق الاوسط ولا حاجة الى هذا لأنه سيرتب أموره وحده.
يديعوت 8/3/2012