حماية القراءة

منذ سنوات، وأنا أشير في كل سانحة، إلى ضرورة تشجيع القراءة، وذلك باستخدام كل وسيلة ممكنة، لأن القراءة كما هو معروف، هي وسيلتنا لاكتساب المعرفة، والخروج من ظلام قد نكون نصنعه بأنفسنا، بسبب عدم إدراكنا لكثير من الأمور.
ومن متابعة موضوع مثل التطرف الديني، الذي لاحظناه عند كثير من الشباب، في السنوات الماضية، واستعدادهم المطلق للموت بلا معنى حقيقي لذلك الاستعداد، ندرك أكثر ضرورة محاربة الجهل بالمعرفة، أي بالقراءة الجيدة.
بالطبع لا أعني قراءة الروايات والقصص والأعمال الإبداعية عموما، لكن كل ما يقود إلى المعرفة الحقيقية، التي تنظف المخ من الشوائب، وتكسب الروح نشاطا جيدا، نعم فالقراءة الجيدة، رياضة جيدة للذهن والروح ومكسب حقيقي لا بد من السعي إليه.
من المبادرات الجيدة لتشجيع القراءة، الانخراط في مجموعات شبابية، بدأت تنتشر مؤخرا، حيث يتفق الأعضاء على قراءة كتاب معين، ومناقشته بعد ذلك، وأحيانا يستضيفون المؤلف نفسه، ليرى ويسمع ما استخلصه الآخرون من مؤلفه، ويدلي برأيه معهم. إنه نشاط مميز لم يكن متوفرا قديما، حيث كانت مناقشة الكتب أكثر غرورا، حين يأتي المؤلف ومعه نقاد يعرفهم، ليجلس على منصة وسط حضور معين، قد لا يكون معظمهم قرأ الكتاب موضوع المناقشة، تتلى الدراسات النقدية، ويتحدث المؤلف قليلا عن كتابه، كيف استوحاه، وكيف كتبه، وإن كان يرى أنه مهم في تجربته أم لا؟ وينتهي كل شيء.

من المبادرات المهمة أيضا لتشجيع القراءة، إنشاء مكتبات في الأحياء، والأماكن العامة، والمقاهي التي يرتادها الشباب، وهذه مبادرة موجودة، لكن بصوت خافت.

أرى أن مناقشة القراء للكتاب، أكثر جدوى من وجود نقاد يتحدثون ومستمعين، ربما كان فيهم قراء، لكن في الغالب، مجرد متابعين سطحيين للثقافة، يقضون بالوجود في تلك الندوات، بعض الوقت، هذا بالطبع لا يعني أن نترك تلك المنصات، ونتبعثر في مجموعات القراءة، لكن نحاول تقريبها من واقع اليوم، حيث لا بد من مشاركة القارئ بصورة أكثر جدية في الحياة الإبداعية، ولن أبالغ إن قلت لا بد من وجود القارئ حتى في لجان الجوائز، التي انتشرت أيضا في السنوات الأخيرة.
أذكر في الثمانينيات، أن حضرت ندوة في «أتيليه القاهرة» لكاتب عربي كبير، كان يزور القاهرة في تلك الفترة، كنت في البدايات، وحضرت الأمسية مصادفة حين أقيمت، وأنا موجود في الأتيليه، وكانت مصادفة أيضا أنني قرأت الرواية التي تمت مناقشتها، وللحقيقة لم أحس بأنها كانت ندوة مثمرة، جاء الكاتب بصحبة ثلاثة نقاد، جلسوا على المنصة، وتحدثوا حوالي الساعة ونصف الساعة، وانتهت الندوة وكانت في حلقي أسئلة كثيرة بشأن الرواية، لم أستطع طرحها، وأصلا لم تكن ثمة فرصة لطرحها، بعد سنوات من ذلك التقيت بالكاتب في أحد المهرجانات العربية، وطرحت أسئلتي عليه، وكان أن رد عليّ بأنه تجاوز ذلك الطرح كثيرا، وعليّ أن أقرأ نصوصه الجديدة.
من المبادرات المهمة أيضا لتشجيع القراءة، إنشاء مكتبات في الأحياء، والأماكن العامة، والمقاهي التي يرتادها الشباب، وهذه مبادرة موجودة، لكن بصوت خافت، حيث نجد بعض المقاهي الحديثة، في عدد من الدول، تضم مكتبة في أحد الأركان، يمكن للجالس أن يستعير منها كتابا، ويرده بعد نهاية جلوسه، هنا ليس ثمة عمق كبير في تناول القراءة أو المعرفة، بسبب قصر الوقت الذي قد يقضيه الشخص مع الكتب، لكن مجرد تعويد اليد على تناول كتاب، والعين على تسلق الصفحات، مهم جدا للاستمرار، ومشجع لاقتناء الكتب في ما بعد، وقد عمل بعض المثقفين على ربط مقاه افتتحوها خاصة، بالإبداع، حيث توجد القهوة، وتوجد المكتبة، وتوجد قاعة للندوات، مثلما فعل الزميل جمال فايز في الدوحة، بإنشاء مقهى كهذا، سماه «المقهى الثقافي» لكن مثل تلك المشاريع، تحتاج بلا شك إلى دعم كبير من أجل الاستمرارية، خاصة أن أصحاب المباني التي تؤجر لتلك الأغراض، لا يفرقون بين استثمار تجاري، واستثمار ثقافي.
أعتقد، وبعد أن أزعجنا كوفيد 19، كل هذا الإزعاج، وزرع في النفوس التي يتحاوم حولها، ويتغلغل فيها، إما الموت، وإما كل أنواع الإحباط، لا بد أن ننتبه إلى ضرورة حماية القراءة، وحماية منابع المعرفة من الجفاف، هناك كثيرون ماتوا، كثيرون فقدوا وظائفهم، وكثيرون انخفض دخلهم، بحيث أصبح وجود كتاب جديد في البيت، نوعا من الترف الذي لن يقدر عليه كثيرون.
وحتى في أكثر الدول احتراما للكتاب، انخفضت المبيعات، وانخفض عدد الراغبين في قراءة الكتب، وشخصيا ألاحظ ذلك من الأسئلة التي ترد للكاتب بمجرد أن يعلن عن قرب صدور كتاب، أو صدور كتاب بالفعل، حيث أن معظم الناس يسألون إن كانت توجد نسخة مجانية في الإنترنت؟
هذا السؤال يلغي مجهود الكاتب ومجهود الناشر، الذي تكفل بطباعة الكتاب، ويؤكد عدم الرغبة في اقتناء الكتاب في ظل هذه الظروف، ما لم يكن مجانيا، وحقيقة لا تستطيع أن تلوم أحدا على تفكير كهذا، هو صادق على الأقل في سؤاله.
الشيء المطلوب في رأيي للرد على سؤال كهذا، هو توفير نسخة ورقية شعبية بسعر زهيد، يتناسب مع الجميع في أي بلد غزته حمى الشظف، وتعثرت موارده الاقتصادية إما بسبب الجائحة، وإما بسبب الحكومات الفاسدة، كما حدث في السودان قبل الثورة المجيدة، نسخة لا تحتاج إلى ورق فاخر، ولا غلاف مزركش، ولا ملمس حريري، نسخة تحوي نصا فقط، يقرأ للمتعة أو المعرفة، وأظن أن هذا ممكن، وتوجد دور نشر أعرفها مثل «دار البشير» في مصر، و»دار الفرجاني» في لندن، مستعدة للتعاون في هذا الشأن.
نريد حماية القراءة، وأتمنى أن ننجح.

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية