حمرة في عين الصرَّاف اليمنى

حجم الخط
0

في حديقة وسط مدينة براغ
كانت الطيور تتغنى
باللغة نفسها
وبالألحان الجميلة نفسها
التي تتغنى بها عصافير قريتي الصغيرة
والأم ترضع طفلها تحت شمس حارَّة
عند قدم لوحة الإشهار العملاقة.

المشردون الشُّقر بعيونهم الزرقاء
يدهم ممدودة في الهواء
من أجل سيجارة أو قطعة نقدية
تماما مثلما في البولفار بطنجة
أو شارع محمد الخامس قرب البرلمان
في مترو باريس
أو عند مدخل محطة الجنوب ببروكسل.

الهواء عليل وشفيف
تتخلَّلُهُ رائحة الصيف
ذكرني بجلسة المساء على قارعة «وِطَاءِ الحمام»
وإن غابت كأس الشاي،
لا أعرف لغة أهل المدينة
لكني وأنا أمرُّ سريعا بين رسائل كافكا
في بيته، غير بعيد عن جسر تشارلز
حيث العشاق يقبِّلون بعضهم بعضا أمام عدسات هواتفهم
أسرَّ لي من تحت قبعته المائلة، أنَّ الإنسان مهما مسخ الزمن ألسُنَهُ
تبقى لغة الحب لحمته التي لا تتمزَّق.

كريستيانو – لا يحب كرة القدم إطلاقاً
استجمع أمتعته إلى جهة مجهولة
تنقصه قيثارته كي يفتح صدر هذا الليل بالنشيد:
أنا نبي الميطال فوق هذه الأرض» ـ
سرقوا قيثارتي
بينما كنت أستمتع بهجعة خفيفة في ساحة المدينة،
عند قدم الساعة الفلكية
سرقوها وهم لا يعرفون أن روحي قُصَّت
من نغماتها،
أنَّها حبيبتي التي لا أضْجر في صحبتها
ودليلي في ليالي براغ الحالمة
أنا عازف القيثارة
ومجنون الميطال، يقول معتذرا
عن إنكليزيته الشحيحة
جئت من رومانيا مثلما تأتي الطيور المهاجرة
من الجهات الأربع
أنا ملك هذا الصمت، وفارِعُه عندما يداهمني الجوع
لست صرَّافَ عملة يتحيَّن سهو السياح
وارتباك لغاتهم الملونة
أعزف للطيور وهي تلتقط بقايا الحلوى قرب محطة المدينة
للمشرَّدين
للسياح
للجائعين
للعرسان الصينيينَ في فساتينهم البيضاء وقد حط بهم طائر الحب فوق نهر الفالتافا
لسماسرة البيوت الرخيصة، يمرون بحزمة المفاتيح مثل سجانين
لسائق الترام العتيق يجري وراء مساءه البعيد
لبائع التذكارات الذي جاء من ”الوليدية”
ينظر بحنين إلى لكنتي ويحتسي غربته في كأس وهمية
يمسد لحيته الكثيفة
ويبكي وطنا انتشرت في عروقه
حشرات بربطات عنق أنيقة
تفطر وتتعشى دما
تستلذ أنين الأطفال القادمين من المستقبل
وتخنق كل خيط ضوء لاح في الأفق.

الفرنسية وهي ترتعش أمام شباك صرف العملات
استقْرَأَت شيئا ما في لغتي المغتصبة،
فنبهتني لحمرَةٍ في عين الصرَّاف اليمنى…
أينما يمَّمْنَا وجوهنا
ثمة صرَّاف بشهية لا تفتر
وقلب من صوان
عطره من نفط
وربطة عنقه المعدنية تقطر دما
يشرب حليب الأطفال في جماجم من ذهب
ويشير لطائر الخراب
كلما هبت نسائم الحب وتململت زهرة الياسمين في حديقة البورصة الخلفية.
وأنا الذي جلست على ضفة نهر فالتافا
مشجوج الرأس أنظر إلى الماء يجري إلى غير وجهة
حنجرتي جفت من فعل فتاوٍ وأحاديث ليس لحبرها الحامض طريق في دمي
أفقأ عين غربتي
بأسئلة رعيت نَصْلَها فوق سندان القلب
ومشيت غير آبه بالأجوبة الملقاة في الطريق
غاضبا من زمني
من رنين الساعة الرتيب في الساحة الفسيحة
حيث وجوه توحدت على كأس ملؤها السؤال
غير آبه بالكتب التي أثقلت ممشاي ورمت ظهر حقيقتي وهي تعدو في البرية برماح الشك.
مقهى كافرنا أبكني دوم، براغ

٭ المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية