حمزة يونس “الزئبق”… مهندس وملهم عمليات الهروب الفدائية الفلسطينية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة: “القدس العربي”: جاءت عملية هروب الأسرى الستة من حصن الجلبوع حلقة في مسلسل فلسطيني طويل بدأ مع اندلاع الصراع مع الصهيونية والاستعمار البريطاني ومن قبل نكبة 1948 تحدى فيه الأسرى القابعين بالزنازين خلف جدران وأسلاك عالية وشائكة السجانين المدججيّن بالسلاح.

وقبل نكبة 1948 تمكن الشهيد يوسف جرادات المكنى “أبو درة” قائد منطقة الروحة ومرج بن عامر والكرمل في الثورة الفلسطينية الكبرى مع 200 من جنوده من اقتحام سجن عتليت البريطاني الحصين في تموز 1938 وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين فيه.

وبعد الاحتلال شهدت البلاد عام 1958 عملية الهروب الكبير من سجن شطة المجاور لسجن الجلبوع  بعد تمرد الأسرى على السجانين وخطف أسلحة بعضهم وقتل اثنين منهم وهرب العشرات من الأسرى للضفة الغربية عبر جبل فقوعة. من وقتها توالت عمليات التمرد والهروب من داخل الحصون الإسرائيلية، ومن أبرز قادتها المناضل حمزة يونس (80 عاما) ابن بلدة عارة المقيم في السويد اليوم، والذي روى لـ”القدس العربي” في حديث هاتفي ملامح العمليات الثلاث التي قام بها مع زملائه.

شجار مع مستوطنين

وتحوّل مسار حياة حمزة يونس منذ أن نشب شجارٌ بينه مع ابن عمه مكرم وبين موظفٍ أهانه في محطةٍ للوقود عام 1964 فما كان من يونس ومكرم إلا أن ردّا عليه وعلى عدد من المستوطنين الذين تجمهروا حولهما، وما أن لبثا أن انتقلا إلى غزة وقابلا مسؤولين في المخابرات المصرية التي دفعتهم إلى العودة للأراضي المحتلة لأنهم لم يثقوا بهما. وفي إسرائيل تم اعتقالهما داخل سجن عسقلان بعد إدانتهما بمغادرة البلاد والعودة إليها دون تصريح وبالتخابر مع العدو، وتزويده بمعلومات تمس أمن الدولة، وخيانة الدولة.

الهروب من سجن الرملة

حمزة الذي وثّق تجربته في كتاب “الهروب من سجن الرملة”، وعرف لاحقا بـ”الزئبق” لقدرته على المناورة والفرار، يوضح أنه كثيرا ما كان يفكر عن سؤال يدور في ذهنه حول سبب تفكيره بالهروب، فيقول “كلما خليت إلى نفسي سألتها: هل أستطيع أن أنتصر على إسرائيل منفرداً؟ لست مسلحاً ولا حتى مدرباً على السلاح، فهل يمكن أن أحرز نصراً على ترسانة السلاح والطائرات ودولة الجيش والشرطة والأمن وكلاب الأثر؟”. ولكنه كما يؤكد كان يمتلك القوة والجرأة الكافية لأن يفعل ذلك حقًا، وكان قد طلب من محاميه الذي وكلته العائلة له ولابن عمه، بألا يعود إليهم وألا يطالب بزيارة الأهل لهما، وحين سئل عن السبب أجاب، “لا أود انتظار حكم المحكمة الذي لن يقل عن 15 عامًا، وأنا لست مستعدًا للمكوث عامًا واحدًا في السجن”.

وداخل السجن في عسقلان تعرفا حمزة ومكرم على حافظ مصالحة وهو أسير من قرية دبورية داخل أراضي 48، ومعا أعدوا خطتهم التي تعتمد على عنصري المباغتة والجري السريع. وعن هذه الخطة يتابع “في ليلة السبت 17 أبريل/ نيسان 1964 تم الفرار. عادة كان ثلاثة سجانين يدخلون علينا أحدهم مسلح يبقى في المدخل. كنا نخطّط للهرب قبل الساعة ثمانية مساء قبل أن يزداد عدد السجناء. قبل عشر دقائق من موعد بدء العملية حضر ثلاثة سجانين وبقي المسلح خلف الباب. وقفنا خلف باب غرفتنا داخل السجن وما أن فتحوا الباب حتى اندفعنا نحوهم واشتبكنا بالأيدي وبحوزة أحدهم مسدس وصاروا يصرخون واستمر الاشتباك معهم حتى تمكنا من الهرب من الخروج من السجن والقفز عن الجدران والهرب. حصل إطلاق نار وصرخنا على السجان وهربنا إلى بيارة مجاورة ووصلت إلى غزة تحت الحكم المصري إلى غزة مجددا”.

الهرب الثاني

في غزة حط حمزة رحاله بعد رحلة الهرب الناجحة، التحق حمزة يونس في صفوف القوات الشعبية وعقب اندلاع حرب 1967 واحتلال قطاع غزة استمر في القتال وأصيب ووقع في الأسر للمرة الثانية وهو مصابٌ في قدميه”. وعما حصل في الأسر الثاني قال يونس “في العام 1967 أصبت بقدمي في الحرب ووضعوا أصفاد وأخدوني للمستشفى المعمداني في غزة رغم أنني كنت مصابًا إلا أن الحراسة كانت مكثفةً حولي، ومع ذلك فكّرت في الهروب. وفعلا تمكنت من الهرب في 26 حزيران إلى الأردن. لم أكن أقوى على التحرّك ولكن ساعدني زوار خلال الزيارة وبقيت مدة شهر بين بيارات البرتقال غزة مختبئا داخل حفرة وأضع علي عشبة خضراء كل يوم من جديد وكان صالح الغول وكايد الغول وزياد الشوبكي وشكري الخالدي وآخرون من أصدقائي يساعدونني في البقاء متخفيا.

الاعتقال الثالث

مرورًا بالضفة الغربية والعاصمة الأردنية عمّان انتقل حمزة يونس إلى بيروت حيث انضم إلى صفوف حركة فتح وشارك إلى جانب مقاتليها في العمل الميداني وتشكيل الخلايا المقاتلة في الجليل المحتل، والتجهيز للعديد من عمليات الثورة الفلسطينية. التحقت في العمل الفدائي بعدما فقدت ثقتي بالدول العربية وأوقفت علاقاتي بالمخابرات المصرية والتحقت بالعمل الفدائي في لبنان واعتقلت ونحن على متن زورق محمل بالسلاح في عرض البحر مع فدائيين آخرين أمام شواطئ حيفا المحتلة.

تحت التعذيب

تعرض حمزة لتعذيب شديد، لم يدفعه للاعتراف عن أيٍ من رفاقه الثوار، وعن ذلك يقول: “أثناء التحقيق سخر مني المحققون، وقالوا لي إسرائيل دولة أمنية وقد هربتَ منها مرتين، فكيف ستهرب منّا الآن. ولاحقا أنزلت المحكمة به حكم بالسجن 7 مؤبدات ما يعادل 365 عامًا، وحينها سألني بلهجة تشفي أحد الصحافيين الإسرائيليين الذين حضروا الجلسة: كيف كنت بطل المكالمة والآن ستموت خلف القضبان دون أن ترى الشمس بعد اليوم؟

فقلت: سأبقى هنا سنة وسنتين فقط وفي اليوم التالي قال الإعلام العبري: “حمزة يونس يحلم”. موضحا أنه انتظر استكشاف نقطة الضعف خلال سنة سنتين لأخطط الهرب الثالث وقلت لهم متحديا بحال لم أهرب بعد سنتين سأعطيكم علبة سجائر كل يوم. يستذكر حمزة الليالي التي كان يقضيها في سجن الرملة وهو يفكر في طريقةٍ للهرب، فيقول “كان رفاقي في السجن يروني مستيقظًا في الثانية عشرًا ليلًا، ونتحدث عن محاولات الهرب، إذ كانوا يقولون لي دائمًا: نحن أقوى منك وأقدم منك في هذا السجن لكن أحدًا منّا لم يستطع الهرب، فهل ستتمكن أنت؟

وردا على سؤال يوضح حمزة يونس أنه كان يجيبهم بالقول “لا بد من وجود نقاط ضعف في السجن، وأنا سأكتشف هذه النقطة خلال عامين، وكل من حاول الهرب ولم يفلح، لم يكن يفكر كما يجب”. ولم يكن تعهده بالهروب أمام رفاقه الأسرى فحسب، فقد صرّح بذلك أمام مدير سجنه قائلًا له “سأخرج من السجن خلال عامين ودون موافقتك”، وهو ما حصل فعلًا في العام 1974.

كيف هربت؟

“كنا في الدور الثاني وكان زميلي سمير درويش في الدور الأرضي مع ابن بلدي وقريبي مكرم يونس وكنا نروح على المغسلة وعل العيادة. هربنا بقص 18 قضيب حديد بعدما هربنا المنشار لداخل السجن: تراهنت أنا وسجان يهودي مقاس حذائه يحمل رقم 44 حول السؤال: هل ستمطر السماء أم لا وإذا خسرت الرهان سأشتري حذاء و”خسرت” الحذاء وخيرته: هل أعطيه هنا أم أرسله لبيته وكنت طلبت الحذاء وفيه خبأنا المنشار وعندما جاء ليشكرني ويستلم الحذاء قمنا بحركة مسرحية: سكب أحد الأسرى قهوة على الحذاء الجديد وصرخنا عليه وطلبنا أن نغسله في الحمام وهناك قمنا باستخراج المناشير من الحذاء وأرجعنا الحذاء للسجان وهو لم يعرف أي شيء وكنا نعرف أنه جشع وطماع”.

وقال يونس إنه خارج السجن كان من تعاون معه في تأمين الحذاء والمناشير الفولاذية وكانت هذه كافية لقص الحديد. وتابع “كان ذلك شباكا في الطابق الأرضي وليس شباك زنزانتنا واستغرقت عملية قص الحديد 45 يوما وبعدها كان علينا أن نواجه تحديات أخرى فالسجن محاط بجدران وأسلاك شائكة مع جهاز إنذار ويّصفر عند اقتراب أي شيء منه وهناك أسلاك شائكة أخرى مع سور خارجي بارتفاع خمسة أمتار.

ارتدى حمزة ورفيقاه محمد قاسم وسمير درويش (ابن عم الشاعر الراحل محمود دويش) من عكا ملابس خضراء اللون تتناسب مع ساحة السجن التي كانت معشبةً ومزروعة، ليسهل عليهم الاختفاء فيها أثناء الهروب، تخطى ثلاثتهم نقطةً أمنيةً وبرجًا للمراقبة على يمين طريق السجن وأخريين على يساره، واجتازوا جدار السجن البالغ خمسة أمتار من الخرسانة ومترين من الأسلاك الشائكة يعلوها 20 سم جهاز الإنذار، بعد أن تمكنوا من قطع التيار الكهربائي والمولد الاحتياطي، ولم يكن لديهم سوى 7 ثوانٍ هي الفاصلة قبل انطلاق جهاز الإنذار، ودقيقتين لتجاوز الإضاءة الخارجية الكاشفة حول سور السجن”.

الاعتقال في السعودية

لكن ما لم يكن بحسبانهم هو تعثر رفيقهم سمير درويش بالسياج، وعدم تمكنه من اللحاق بحمزة ومحمد اللذان أكملا مسيرهما عبورًا بالأراضي الزراعية المحيطة بالسجن، والتي وفقًا لما يقوله حمزة لم يكن سهلًا إخفاء الآثار فيها خاصةً وأن الاحتلال يستخدم قصّاصي الأثر لملاحقة الهاربين. ورغم وجود مستوطنات يهودية وموقعًا عسكريًا في محيط السجن، إلا أنهما أكملا السير لمسافة مئتي متر على الأقدام وتحت المطر لإزالة آثارهما، واستمرا حتى وصلا إلى الغابات القريبة من تل أبيب المحتلة حيث مكثا هناك يومين قبل أن يتسللا إلى قرية الشيخ مونس شمال تل أبيب.

ولم تتوقف رحلته مع الاعتقال عند سجون الاحتلال، فخلال حرب الخليج الأولى عام 1980 اعتقلته السعودية هو ورفيقه عفيف جهاد وحكمت عليهما بالإعدام بتهمة إطلاق النار على باصٍ لجنود أمريكيين في جدة، قبل أن تتدخل قيادة منظمة التحرير لتخفيض الحكم إلى سبع سنوات، وما أن لبثا في السجن عامين ونصف حتى خرجا بعفوٍ ملكي. أبعدته السعودية إلى سوريا حيث أقام ثلاث سنوات مع أسرته، وغادرها عام 1997 إلى الأردن، وانتقل عام 1999 إلى الجزائر حيث حصل على وظيفة في سفارة فلسطين فيها، وظل هناك إلى أن تقاعد في عام 2010 وعاد إلى سوريا.

ولد حمزة يونس في قرية عارة الفلسطينية التي تقع في منطقة المثلث التي منحها الأردن لإسرائيل ضمن اتفاقية الهدنة في رودوس عام 1949، عمل مزارعاً في الكيبوتسات، وتدرب على الملاكمة، وحصل في عام 1962 على بطولة إسرائيل للناشئين في مباريات نظمت في بئر السبع، وفي عام 1963 حصل على بطولة الدولة للملاكمة.

الهجرة إلى السويد

مع اندلاع  الثورة السورية في 2011 انتقل إلى مصر، وبعد الانقلاب على حكومة مرسي غادرها وأسرته في تشرين أول 2013 بقارب تهريب عبر البحر المتوسط وتمكنوا من بلوغ الجزر الإيطالية، ومن إيطاليا توجهوا إلى ألمانيا فالسويد حيث يقيمون الآن ومنها يتابع تفاعلات القضية الفلسطينية ويتتبع أخبار زملائه الأسرى باهتمام كبير.

وعن فرار الأسرى الأخير من سجن الجلبوع يقول حمزة يونس إنها عملية بطولية تضاف لسجل أعمال الفداء والبطولة الفلسطينية منوها إلى أن بعض الأوساط تحذر من احتمال قيام السلطة الفلسطينية بتسليم الاخوان الفارين من سجون الاحتلال، وعن ذلك يضيف “هذا كلام ليس مطلوبا. إن وصل الاخوان إلى رام الله وعرف أين تواجدهم تكون نهاية الهروب والعودة إلى السجن لان إسرائيل تستطيع اعتقالهم رغم أنف السلطة وتستطيع اعتقال كل من يدافع عنهم. عندما كنت أهرب من السجن كنت أرفض أن التقي أو يعرف مكاني أي قريب أو صديق دون فما بالك اليوم وكاميرات الحراسة منتشرة في كل مكان وسلطات الاحتلال تراقب الاتصالات الهاتفية وتنتظر أي خطأ يرتكبه الأسرى الفارون”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية