حمص مدينة الموت تحولت الى رمز المقاومة

حجم الخط
0

بول وودلف أبو سليمان جثمان طفلة ابنة سبع سنوات عندما كانت قذائف الهاون تسقط في شارع مجاور. لم يعرق. هذا الرجل، الذي يعد قتلى الاشهر الاخيرة للدفن، كان مشغولا جدا الاسبوع الماضي، الاسبوع الاكثر ضغطا بالنسبة له حتى الان. بحذر شديد غطى شعرها المتموج والغارق بدماء الطفلة. لم ينظفه. ‘اذا كانوا يقتلون بانفجار أو بالرصاص فنحن لا نغسل الدم’، قال. وبعد ذلك سجل اسم الطفلة: نهى المنال. وهمس قائلا: ‘هذا بالتأكيد عمل صعب جدا. بين الناس الذين اعددتهم للدفن كان ايضا ابني، زوج ابنتي، ابن اخي، جيراني واصدقائي، ولكن احدا ما يجب أن يقوم بهذا العمل. أشعر اني مدين بهذا لهؤلاء الناس. هذا هو القليل الذي يمكنني أن افعله من أجلهم’. قوائم طويلة كهذه من الموتى منتشرة جدا في حي بابا عمرو في حمص. وصلنا الى مستشفى ميداني اقيم في الحي. معظم المصابين الذين رأيناهم كانوا مدنيين، الكثير منهم اطفال. طفل ابن 11 جيء به الى المكان ووجهه ممزق. في الخارج تواصل سقوط القذائف وكان الناس يصرخون في الاروقة. الطفل كان ولا يزال في وعيه. قررنا محاولة العثور على طبيب جراح من خارج سوريا ليعيد بناء وجهه، ولكن الطفل توفي متأثرا بجراحه في الغداة. عندما بدأت القذائف الاولى تسقط على المدينة خرج الرجال يهتفون ‘الله اكبر’. نحن سافرنا مع جادي، مصور محلي كان يعمل بائع خضار قبل الثورة. وقد أوقف سيارته التجارية في احد المفترقات كي يرينا الحفرة التي فتحتها القذيفة التي سقطت قرب المسجد المجاور. وقلت له: ‘هذا مثير جدا للاهتمام، ولكننا ملزمون بالمغادرة الان’. فقال: ‘لا، نحن آمنون’. فقلت مرة اخرى ‘ولكن مع ذلك ربما يجب ان نجد مأوى’. فأجاب: ‘لا، لا يمكنهم أن يضربونا نحن هنا’. تجادلنا على مدى دقيقة طويلة قبل ان يقوم جادي بالالتفاف، ايقاف السيارة والتوجه معي الى مأوى. وعندها سقطت قذيفة اخرى في المفترق وغطته بالدخان الاسود. يبدو أن جادي غير آبه بالخطر تماما، ولكن ما كان يمكن اتهامه. فسكان بابا عمرو معتادون على الحصار منذ اشهر. في اليوم الثالث من الهجوم انكسر جادي وصرخ: ‘الجيش سيستخدم ضدنا السلاح الكيماوي. فهم يبعثون منذ الان بالقوات البرية ضدنا’. لم يحصل أي من هذين الامرين، ولكن تحت وابل دائم من القنابل والقذائف، صار الناس هستيريين. التلفزيون الرسمي نفى أن تكون المدينة تتعرض للقصف. وزعم في التقرير ان السكان يحرقون القمامة على أسطح منازلهم لخلق انطباع بالهجوم. التقرير الرسمي قال ايضا ان العنف في الغالب مسؤولة عنه بؤر من الجيش السوري الحر ‘الارهابيين’، ‘عصابات الاجرام’ او ‘عملاء اسرائيل’، على حد قول الناطقين. قبل ذلك هاجم مقاتلو الجيش السوري الحر في بابا عمرو مواقع قناصة للنظام وفقدوا اثنين من رجالهم. احد ضباط الثوار، الذي فر قبل اسبوع من ذلك فقط، قال ان المعنويات في جهاز الامن هبطت. ‘هم يعرفون بانهم يقتلون المدنيين وهم يريدون لسفك الدماء هذا ان يتوقف’، قال الضابط، الذي لا يزال يرتدي بزة الجيش مع رتبة عقيد. كل ما تبقى الان للثوار ان يأملوا به هو ان يتفتت الجيش من الداخل. ليس لديهم أي أمل آخر في الوقت الذي تكون لديهم بنادق كلاشينكوف، بينما لدى الجيش الدبابات.

تسللنا نحن الى سوريا وبعد ذلك الى حمص بمعونة جيش الثوار. ومع ان لديه مجلسا عسكريا بل وناطقا في تركيا الا ان ‘الجيش الحر’ ليس جهازا موحدا مع قيادة منظمة. والادق القول ان هذه هي مجموعات مختلفة من الميليشيات المحلية التي تتقاسم الاسم فقط. حين اجتزنا الحدود من لبنان اكتشفنا مجموعتين متخاصمتين من الجيش الحر، لا تحب قياداتهما الواحدة الاخرى. انضممنا الى احدى المجموعتين في اثناء هجوم على قاعدة عسكرية. 60 مقاتلا شاركوا في الهجوم، كلهم من الفارين من الجيش السوري. خلافا للوضع في ليبيا، فان هؤلاء المقاتلين كانوا مدربين جيدا، منضبطين ونفذوا الاوامر. ولكنهم بالطبع فشلوا. فبعد ساعة اطلقوا في اثنائها النار على القاعدة فتح حراس القاعدة النار عليهم بالرشاشات ففروا للنجاة بارواحهم. وفي اثناء الفرار عندما مروا باحدى القرى المجاورة، توجه اليهم احد السكان ووبخهم. ‘انا أؤيد الثورة، ولكن عندما تتوجهون الى محاكمة القاعدة، فعلى الاقل افعلوا ذلك كما ينبغي، دمروها. الان، الجنود سيأتون وأنا وعائلتي سنعاني’. بعد ذلك أراني احد الثوار فيلم فيديو صوره في كانون الاول. بدت فيه مجموعة من الجنود السوريين يقفون امام الحائط رافعين ايديهم. احدهم يلتفت نحو الكاميرا، ونظرة خوف على وجهه. آخرون يبدون ينزفون. ورغم البزات كانت هذه مجموعة من الوحدات العسكرية للنظام باسم الشبيحة، مثل البسيج في ايران. ‘قتلناهم’، روى الثائر، ‘هذه هي سياستنا تجاه الشبيحة’. فحصت الامر مع أحد الضباط. في الوقت الذي درجوا على تحرير الجنود الاسرى، الا أنهم كانوا يعدمون افراد الميليشيا بعد محاكمة ميدانية. ولشرح الامر أخرجوا مقطع فيديو صور بهاتف خلوي حمله احد اعضاء الشبيحة الذين امسكوا بهم. وظهر في المقطع رجال مستلقون على الارض مقيدي الايدي وتقطع رؤوسهم الواحد تلو الاخر. الرجل الذي يمسك السكين بدا يقول بهزء ‘هذا من أجل الحرية’. وبينما كان يذبح ضحاياه كان يضيف: ‘وهذا من أجل شهدائنا، وهذا من أجل تعاونكم مع اسرائيل’. بعد أن غادرنا حمص تلقينا تقارير من نشطاء حقوق الانسان، بموجبها رجال الشبيحة الذين يتنقلون من بيت الى بيت قتلوا ثلاث عائلات بمن فيهم من نساء وأطفال.

هذه الامور يجب ان تقدم مادة للتفكير للحكومات الغربية التي يتعين عليها ان تقرر اذا ما وكيف ستساعد الثوار، او على الاقل لوقف القتل. في حمص فقد الناس الامل منذ الان. اما نحن، على أي حال، فقد غادرنا المدينة في أثناء احدى فترات الهدوء. مصورنا فرد سكوت صور دفن الطفلة نهى المنال. واجريت الجنازة في الليل وذلك لان الجنازات على حد قول السكان تتعرض للاعتداء. وعلى الرغم من ذلك كان خطيرا جدا بالنسبة لاقرباء الطفلة المشاركة في الجنازة. متطوع واحد حمل الجثة الصغيرة بين يديه. لم يكن وقت للصلاة. حفر المشاركون حفرة على وجه السرعة، وفجأة سمعت صلية باتجاههم فألقوا بالجثة في الحفرة. ‘ مبعوث الـ بي.

بي.

سي في حمصمعاريف 12/2/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية