حمص وجامعتنا العربية: الضحية المنكوبة والغاطس في عسل إجازة العيد عمار البرادعي لا أحد يستطيع الجزم بما يمكن أن يخرج عن اجتماع مجلس الوزراء العرب يوم السبت المقبل. فمعظم أنظمتنا لا تختلف كثيرا عن نظام الأسد من حيث التقلّب والمراوغة وحتى تناقض الأقوال مع الأفعال. قد يتم الإتفاق على فرض عقوبات أو تجميد عضوية سورية الأسد في الجامعة على غرار ما حصل مع ليبيا القذافي، في الوقت الذي يُرجّح استبعاد اتخاذ قرار يدعم التدخل الأجنبي بعد درس تجربة حلف الناتو الذي بدأ بحماية المدنيين ثم انتهى إلى أبعد من ذلك بكثير. وليس غريبا وسط تردد الجامعة وخيبة أمينها العام الجديد أن تفاجئنا بالعودة الى حالة التراخي المعتادة، مبررة ذلك بدواعي ليس اسهل من استنباطها، كالحديث عن خصوصية سورية وجغرافيتها وما شابه، أو رفض البعض قطع صلة الجامعة بالنظام لئلا يُقفل باب الأمل بإيجاد حل سلمي، عدا عن رفض آخرين فكرة التدخل الأجنبي من أساسها. لا يغيب عن الذهن هنا أنه منذ ما قبل الإعلان عن مبادرة الجامعة العربية، سارعت المعارضة السورية بمختلف هيئاتها الى التحذير من قدرة النظام على المراوغة بدهاء، ومن خبرته الطويلة في الكذب والتسويف منذ أيام حافظ الأب الذي كان ‘أستاذا’ في اللعب على الحبال المتناقضة، ودعت القائمين على ‘بيت العرب’ الى عدم السماح بإضاعة الوقت في الأخذ والرد معه، وإفساح المجال له بمواصلة لعبة الدم سعيا وراء إجهاض الثورة. ولما كان مؤكدا أن هذا النظام ـ أو أي نظام آخر ـ لا يمكنه الإستمرار طويلا في مسلسل صارخ التناقض يتمثل بإغداق الوعود والتعهدات الشفوية والتحريرية المخادعة من جهة، على طريقة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، إلى جانب تصعيد مسلسل القتل وهجمات الشبّيحة ضد أبناء بلده من جهة أخرى. لذلك وجد نفسه مضطرا إلى توقيف هذا المشهد ولو لساعات معدودة، كي يُهُيأ للبعض أنه راجع حساباته فتراجع، عندما وافق على كامل بنود المبادرة العربية وأوحى بعزمه على تنفيذ ما حدّدته بالنسبة لوقف كافة أعمال العنف، والإفراج عن المعتقلين، وإخلاء المدن والأحياء السكنية من جميع المظاهر المسلّحة، بالإضافة إلى فتح المجال أمام مؤسسات الجامعة ووسائل الإعلام المختلفة للتنقل الحر في جميع الأراضي السورية للإطلاع على حقيقية الأوضاع فيها.
وحتى يوحي بصدقية عزمه على التنفيذ الجدّي، أدلى معاون وزير خارجيته عبد الفتاح عمورة بتصريح لصحيفة ديلي تلغراف البريطانية / نُشر السبت 5 نوفمبر الجاري، قال فيه ‘إن سورية تعني ما تقول وسننفذ كل بند من بنود إتفاق الجامعة وسنعمل على سحب الجيش اعتبارا من غد الأحد أول أيام عيد الأضحى’ . وكان قد سبق هذا الكلام تسريب خبر صيغ بأسلوب الأجهزة الى صحيفة لبنانية، يؤكد البدء بعملية التنفيذ التي لم تبدأ على الأرض، وقد نُشر يوم الجمعة 4 الجاري، يقـــــول بالنص: ‘أن القيادة السورية أبلغت وحدات الجيش بضــــرورة تطبيق انسحاب تدريجي من المناطق المأهــــولة الى قواعــــدها أو مداخل المدن وأنه سوف يُستعاض عنها بوحدات من قوات حفـــظ النظام…’. ولمزيد من الإيحاء بالتجاوب مع المبادرة وتنفيذ بنودها جـــاء في نفس الخبر أن القيادة السورية نفت نيتها تسمية لجنة للحوار، نظرا إلى أن الظروف قد تغيّرت ولم تعد هناك حاجة لمثل هذه اللجنة، بعد أن تمت الموافقة على الحوار مع المعارضة بترتيب من قبل الجامعة العربية. ونظرا لما كان يمكن أن يُفضي إليه هذا القبول من تغيّر جذري في صورة النظام وحزبه القائد وقوات أمنه ومخابراته وشبّيحته، كان لافتا مسارعة رئيس الوزراء القطري / وزير الخارجية حمد بن جاسم إلى التعقيب على ذلك قائلا: ‘المهم التزام الجانب السوري بتنفيذ هذا الإتفاق، وإذا لم يلتزم فإن الجامعة ستجتمع مجددا لاتخاذ القرارات المناسبة في حينه. أغلب الظن هنا أن بن جاسم لم يكن يتصوّر أن عدم الإلتزام بهذه المبادرة سيظهر صارخا للعيان قبل مرور أسبوع أو اثنين، وليس في اليوم ذاته حيث بقي كل شيء على حاله، بدليل قوله ‘إن الإتفاق واضح ونحن سعداء بالوصول الى هذا الإتفاق، وسنكون سعداء أكثر عندما يُطبّق فورا. ثم استدراكه: ‘كلمة فورا ليست أمرا وإنما من باب الأخوة’. ولهذا لم يكد ينتهي من كلامه حتى فوجىء، كما فوجئت الجامعة النائمة بكاملها مع قدوم عيد الأضحى (صباح الأحد 6 تشرين الثاني/نوفمبر ) بأن شيئا لم يتغير، وأن عملــــيات القتل الجماعي بقيت متواصلة وبلغ عدد الشهداء الذين سقطــوا في اليوم الذي أعلنت فيه الموافقة على المبادرة ـ مساء الأربعاء 2 تشرين الثاني/نوفمبرـ 25 شهيدا. ثم استفحلت بعد ذلك الى حدّ لا يمكن تصوّره في مدينة حمص التي خرجت بكاملها مطالبة بإسقاط النظام، فتمت استباحتها من قبل قواته بوحشية تفوق الوصف، تحت ذريعة التصدي لمؤامرة خارجية يقوم بها مسلحون إرهابيون. وفاق عدد الذين سقطوا منها وحدها في اليوم التالي لإعلان الموافقة على المبادرة ـ أي الخميس 4 نوفمبر ـ العشرين شهيدا، الأمر الذي فرض إعلانها كمدينة منكوبة.
إن أبرز ما يلفت الإنتباه والإستغراب في آن، أنه رغم كل ما تركته هذه الممارسات الإجرامية من ردود أفعال مستنكرة في سائر أرجاء العالم، ورغم قيام الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي ـ ولأول مرة ـ بالتحذير من عواقب كارثية على سورية والمنطقة إن لم يتم تنفيذ المبادرة بشقيها: إنهاء أعمال العنف وبدء حوار مع المعارضة، إلا أن النظام يُظهِر قمة المكابرة ويحاول الإيحاء وكأنه لا يعبأ كثيرا بما يدور حوله، إلى حد ظهور بشار الأسد على شاشة التلفزيون وهو يصطنع ابتسامة أثناء تأديته صلاة عيد الأضحى التي أقيمت بمسجد النور في مدينة الرقّة، مع أن حبل آخرته بدأ يطوّق عنقه.
أما وقد ماتت المبادرة منذ ولادتها وعدنا الى نقطة الصفر بالنسبة لتعامل الجامعة مع نظام بشار، هل سيقف وزراء الخارجية العرب مرة أخرى بعد عطلتهم السعيدة طوال أيام العيد، أمام حقائق كانوا يدركونها جيدا حول طبيعة هذا النظام المجبولة بالعنف، واستبعاد جنوحه للسلم، وهل ستؤدي هذه الوقفة ـ إن حصلت ـ إلى حسم الموقف المختَلف عليه فيما بينهم حتى الآن؟. ذلك لأنه إذا كانت الجامعة غير مهيّأة للتدويل الذي سيجلب نتائج كارثية ‘على حد تعبير نبيل العربي، فليس أقل من توافق أعضائها على وقفة جماعية جادة تضع حدا لتوحّش النظام ضد شعبه، وتُخرِج القضية من دائرة التلاعب الى دائرة الحل بعد أن تأكد للعالم أن هذا النظام لا يؤمن بالحوار والديمقراطية، وأنه لن يُنفّذ هذا الإتفاق وسوف ينقلب عليه، مع أنه يمثل الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامه لتجنّب ما هو أسوأ. في ضوء هذا الواقع المُر، كان على الجامعة أن تحسب حسابها فتعمد إلى إعلان حالة طوارئ داخل أجهزتها، بدل تمويت القضية وترك الحبل على غارب شبيحة النظام وقواته، حيث لم نسمع لها صوتا أثناء الغوص في عسل الإجازة غير اضطرار أمينها العام إلى استقبال عدد من وفود القوى المعارضة التي أتت لشرح موقفها والإعراب عمّا تتأمله من اجتماع المجلس الوزاري العتيد، لاسيما وأن أسلوب المماطلة بالأخذ والرد من قبل النظام لم يعد يجدي، بعد أن وصلنا إلى وضع لم يعد يسمح لبشار الأسد بغير التخلي السريع عن السلطة، كما فعل زين العابدين وحسني مبارك، بدل أن يلقى مصيره المحتوم كالقذافي.’ كاتب سوري معارض يقيم في باريس