لندن ـ «القدس العربي»: علق البرفيسور توبي دودج، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط، بمدرسة لندن للإقتصاد ومؤلف كتاب عن الديكتاتورية الجديدة في العراق على الأوضاع الحالية فيه. وفي مقال نشرته صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية حمل فيه نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي مسؤولية صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
وقال دودج إن المالكي منذ وصوله للسلطة كانت له علاقة متناقضة مع غالبية سكان العراق الذين يشاركونه في المعتقد، فقد فشل ولثماني سنوات لتحقيق الآمال للسكان الذين حلموا بتحققها بعد الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين. فالحياة اليومية للسكان في مدينة بغداد أيا كان معتقدهم ظلت تعاني من العنف وغياب الأمن، وحكومة فاسدة لا تستطيع تقديم الكهرباء أو مياه الشرب الصحية النظيفة.
ويشير الكاتب إلى أنه عندما تراجع الأمن في بغداد وزاد تهديد الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»على العاصمة ترك المالكي المنطقة الخضراء المحصنة وانتقل إلى سامراء حيث تولى مهمة العمليات العسكرية.
وكما يقول فالمفارقة الساخرة في موقف المالكي الذي يدير دولة فاشلة وفي الوقت نفسه يقوم بتحشيد جيشه ودفعه للدفاع عن العاصمة مع أن سياساته ومحاولاته لتعزيز مسيرته السياسية أنها كانت السبب الرئيسي وراء صعود داعش، والذي أدى لحالة من الخوف العميق بين الشيعة.
8 سنوات عجاف
ويقول الكاتب إن اختيار المالكي للحكم جاء على خلفية كون هذا السياسي لا يمثل تهديدا على النخبة السياسية العراقية. لكنه تحرك بسرعة بعد تعيينه ليركز كل السلطات بيده.
وكانت سيطرته على الجيش والأمن السبب وراء انهيار واستسلام الجيش في الموصل. فمنذ عام 2007 قام المالكي بتجاوز قيادة الجيش وتعيين قيادات فيه بناء على معيار الولاء له- وليس الكفاءة أو التأثير على رجالهم. ثم قام بتطهير مؤسسة المخابرات من الأشخاص الذين لا يوالون حزبه.
وكانت النتيجة جيشا بدون معلومات، ولا دافعية للقتال يقوده أشخاص معينون هربوا من المعركة في الموصل مخلفين وراءهم الجنود للدفاع عن أنفسهم. وفي الوقت نفسه لم يقم المالكي بأي جهد كي يوقف موجة الفساد التي استشرت داخل النخبة السياسية في مرحلة ما بعد عام 2003. وعوضا عن هذا أصبحت ثروات الدولة وسيلة لبناء الولاء السياسي. وظهر الحنق على سياسات الدولة وفسادها في انتخابات عام 2010 حيث استطاعت قائمة إياد علاوي الفوز على كتلة القانون التي يتزعمها المالكي.
وخلال الحملة الإنتخابية أظهر المالكي نزعة طائفية انقسامية في محاولة منه لتحشيد الشيعة وراءه. فمن خلال شجب منافسيه السياسيين واتهامهم بالإنتماء لحزب البعث أولا وبانهم إرهابيون ثانيا، كان المالكي يشيطن القيادات السياسية السنية ويتهمها بدعم جماعة ظل إرهابية تقوم بترويع العراق.
ويشير الكاتب الى إن الحملة لكسر سلطة البرلمان التي ترافقت مع حشد الشيعة وراءه وصلت ذروتها عام 2012. فقد تمت مداهمة بيت أحد مسؤولي قائمة العراقية البارزين، ووزير المالية رافع العيساوي واتهم كذبا بالإرهاب.
وأجبر العيساوي على ترك منزله ومن ثم البلاد، مما أدى إلى موجة من التظاهرات التي قمعها المالكي باستخدا الجيش وهو ما زاد السنة تهميشا.
ويقول الكاتب إن المالكي وضع نفسه في مركز الحملة لسحق الثورة التي يقودها تنظيم داعش وهي الثورة التي أسهم هو نفسه في نموها. وخلال العامين الماضيين دعا كل من عمار الحكيم ومقتدى الصدر وبشكل مستمر لتنحية المالكي، ولكن تهديد داعش أسكت هذه الدعوات والجميع اصطفوا وراء رئيس الوزراء، ومرة أخرى يقدم المالكي نفسه بكونه الحل رغم أنه سبب المشكلة.
ومهما يكن فالمالكي الحل لا يمكنه التحلل من مسؤولية الكارثة ومنصبه مرتبط بوقف تقدم داعش والتحالف المرتبط معها نحو بغداد، واستعادة المناطق التي خسرها. وتنقل مجلة «نيوزويك» عن سمير الصميدعي، الوزير والسفير السابق في واشنطن «كل الإشارات، تشير عمليا إلى تراجع الأمن، والشفافية والفساد، وحربة التعبير وحقوق الإنسان والخدمات الصحية والتعليم العالي»، فقد قام المالكي وبشكل مستمر «بمركزة كل السلطات بيده وعمل على محو وقمع من لم يؤيدوه، وأشعل الحقد الطائفي لتعزيز قاعدة السلطة الشيعية الإسلامية، وهمش الكثيرين بمن فيهم حلفاءه باستثناء إيران وسوريا جارتي العراق».
دور النظام السوري
وإن كانت سياسات المالكي سببا في صعود «داعش»، فالنظام السوري متهم هو الآخر بتفريخ هذا التنظيم، وطالما اتهم الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوري، نظام بشار الأسد بالوقوف وراء صعود «داعش» الذي اختطف الثورة السورية. وفي تقرير أعده سايمون سبيكمان كوردال لمجلة «نيوزويك» حيث ينقل عن معارض في الإئتلاف السوري الذي «لا شك لديه أن معظم أن غالبية قيادة داعش اطلق سراحها بشار الأسد عام 2011»، مضيفا «لا أحد في النظام اعترف بهذا او شرح السبب».
وينقل عن طارق الغوراني وهو مدون سجنه النظام لمدة سبعة أعوام عام 2006 لنشاطاته المعارضة، ويتذكر الغوراني من كانوا معه في السجن، 10 مدونين و 100 من الأكراد والبقية من السوريين العاديين «كان هناك حوالي 1500 في السجن».
ويتذكر الوضع في السجن بأنه «يشبه العصور الوسطى، كان هناك عدد كبير من الأشخاص حشروا في مكان صغير، ولم يكن هناك ماء كاف للشرب، ولا طعام كاف للأكل، وما كان متوفرا منه، كانت كلاب الشوارع تعافه، وكان التعذيب واقعا يوميا، وبعد سنوات في السجن أصبح السجناء سلفيين ولكن بطريقة سيئة جدا» كما يقول.
وكان معه في السجن «أبو محمد الجولاني- زعيم جبهة النصرة لاحقا، قيل إنه كان في السجن، ومحمد حيدر الزمار (أحد مخططي هجمات 9/11) وفي هذا المكان ولد جزء من داعش».
والغوراني متأكد أن النظام أفرج عن أعضاء «داعش» لغرض استراتيجي «منذ بداية الثورة (في آذار/ مارس) 2011) شجب الأسد الإنتفاضة باعتبارها من تنظيم السلفيين المتشددين، ولهذا قام بإطلاق سراح السلفيين الذين صنعهم في السجن كي يبرر زعمه.. وعندما لا يكون لديك عدو تقوم بخلق عدو».
ويتفق سوريون مع هذا الرأي «لم يقم النظام فقط بفتح باب السجون لهؤلاء المتشددين، ولكنه قام بتسهيل عملهم وتشكيل الكتائب المسلحة» حسب مسؤول سابق في الإستخبارات السورية الذي نقلت عنه صحيفة إماراتية.
ويتذكر «في السجن، هناك قادة، ثم يصبح لديك قادة للقادة». فعندما يتم الإفراج عن هؤلاء الأشخاص يقوم كل واحد منهم بتشكيل شبكته من الأتباع، ويرى أن السجن الذي اعتقل فيه كان «أكاديمية للمقاتلين السلفيين».
وقدر عدد المقاتلين السلفيين في عام 2012 بحوالي 2500 مقاتل. ويرى السعود أن الفرق بين مقاتلي داعش والقاعدة هو أن أتباع أيمن الظواهري، زعيم التنظيم يقاتلون من أجل عقيدة مركزية أما اتباع داعش فقد تعرضوا لغسيل دماغ.
وينقل التقرير عن جي أم بيرغر، الباحث في القاعدة أن داعش ينافس القاعدة من أجل الحصول على الدعم، خاصة بين الشباب الغاضب. وفي الوقت الحالي لا يوجد منتصر في معركة العقول والقلوب لكن داعش يستفيد من حملته في العراق هذا إن حافظ على التحالف مع القوى التي تقف إلى جانبه.
وأشارت تقارير لاندلاع عنف بين الجماعات المقاتلة وداعش في بلدة الحويجة حيث قتل 17 مقاتلا في مناوشة مع جنود جيش الطريقة النقشبندنية بسبب خلاف حول الغنائم، كما ذكر مراسل صحيفة «صنداي تلغراف» البريطانية.
وقالت تقارير أخرى أن الخلاف جاء لرفض البعثيين تقديم الولاء لداعش. وما جمع الطرفان حتى الآن هو كراهيتهما للمالكي.
تنظيم قوي
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» هي أول من أشار لهذا الحادث نقلا عن مصدر أمني عراقي. وقال شاهد عيان إن الطرفين اختلفا حول شاحنات للغاز والنفط. ولكن المسؤول العراقي أشار لمحاولة داعش نزع أسلحة البعثيين قبل أن يقتل 8 بعثيين و7 من داعش. والحديث عن اقتتال داخلي سيكون مفيدا للحكومة العراقية التي من مصلحتها الحديث عن الخلاف الذي قد يزعزع التحالف بين داعش والجماعات السنية الأخرى.
والغريب ان يتم الخلاف على شاحنات غاز ونفط في الوقت الذي حصل فيه داعش على خمس مروحيات جديدة، وأخذ ملايين من فرع البنك المركزي في الموصل.
وتشير «نيويورك تايمز» إلى طبيعة التنظيم المنضبط الذي يخفي وراء صورة الوحشية والقتل تنظيما قادرا على استخدام وسائل التواصل الإجتماعي ولديه استراتيجية مالية ناجحة. فقد أخذ المقاتلون 400 مليون دولار من الموصل حسب أثيل النجيفي، محافظ نينوى، فيما يقدم مسؤولون أرقاما أقل عندما يتحدثون عن السطو على البنك المركزي.
ويقول الجنرال مهدي الغراوي إن داعش بالإضافة لغنائم الحرب يحصل 8 ملايين دولار شهريا من أهل الموصل عن طريق الإبتزاز أو الضرائب «ضريبة الطرق. وتزعم الحكومة العراقية أن داعش يأخذ الأن جزية من المسيحيين في الموصل.
ونقلت الصحيفة عن عضو في البرلمان العراقي، أمين هادي وعضو اللجنة المالية «لا نعرف حجم المال الذي سرق من الموصل» و»لكنه كاف لاحتلال بلد آخر».
وبحسب عضو في مجلس محافظي البنك المركزي قدر المال المسروق من فرع الموصل بـ 85 مليون دولار، ويقول مسؤول أمريكي في مكافحة الإرهاب أن «داعش يحصل على أموال داعمين في الخارج ولكنه يتقاصر مع ما يحصل عليه التنظيم من مال بطرقه الخاصة»، مشيرا إلى أن النسبة الكبرى من المال تأتي عن طريق النشاطات الإجرامية، الخطف، التهريب والسرقة. ويضيف المسؤول إن «داعش يعتبر من أغنى الجماعات الإرهابية على وجه البسيطة لكن لديه ميزانية نفقات عالية فما يدخل خزانة التنظيم يخرج من الباب سريعا».
ونقل عن محلل إقتصادي لبناني، كامل الوزان ، «لم نعد بحاجة لتخيل دولة إرهاب لأن لدينا واحدة».
وبدأ داعش ببناء مملكة مالية له في سوريا بعد احتلاله الرقة العام الماضي، حيث يقوم بإدارة مصاف للنفط بدائية ويدير مصنعا للإسمنت في منبج. ومع توسع التنظيم في العراق توسعت مصادر التمويل، وبحسب بيتر نيومان من «كينغز كوليج» في لندن «كلما احتلوا اراض كلما زاد اعتمادهم على انفسهم »، مشيرا لخطورة هذا وضرورة العمل على وقفهم «ففي حالة صارت لديهم القدرة للاعتماد على النفس ودفع الرواتب يصعب التخلص منهم».
وضع الحرب السورية
ومن هنا فالحملة العسكرية المحدودة التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما لتوجيه ضربات جوية محددة لداعش، ستترك أثرا على مسيرة التنظيم نحو العاصمة بغداد، وقد يؤثر على وضعه في سوريا من ناحية إيجابية وسلبية حسبما كتب المحلل العسكري في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى جيفري وايت، خاصة في الرقة، فقد تستثمر المعارضة من انشغال «داعش» في الحملة داخل العراق وتتحرك نحو مدينة الرقة، وربما استفادت من سحب الميليشيات الشيعية العراقية التي تقاتل إلى جانب النظام.
ويرى الكاتب أن الوضع يحتاج من النظام جهودا متزايدة واعتمادا على قواته وحزب الله لملء الفراغ الذي تركه رحيل المقاتلين الشيعة.
ويعتقد أنه في حالة استمر القتال في العراق ووصل لوقت طويل فسيترك أثرا ملحوظا على سوريا، وستترك التطورات في ساحات المعارك في البلدين إشارة واضحة حول الجهة المستفيدة من الوضع.
ولكن داعش بتقدمه السريع في العراق خلق واقعا جديدا، ولكنه سيترك أثرا على وضع داعش في سوريا، فمن ناحية سيكون التقدم دفعة معنوية وسياسية للتنظيم في سوريا، حيث سينظر لقدراته التنظيمية واللوجيستية، وسيتم تعزيز قدرة الجماعة كواحدة لا تقاوم، وسينتفع التنظيم في سوريا من نجاحات العراق من ناحية المال الذي راكمته من المغامرة العراقية وكذا الأسلحة والمعدات التي نقلت من معسكرات الجيش العراقي.
وسيكون بمقدور التنظيم عبر الأسلحة والذخائر هذه تدريب وتسليح مقاتلين جدد. هذا من ناحية الإيجابيات، أما من الناحية السلبية فمتعلقة بالقدرات العسكرية التي سحبها «داعش» من سوريا، ولكن يعتقد أن نصف الـ 10.000 مقاتل جاءوا من سوريا.
وقد يضطر داعش لنشر قوات اخرى في العراق لدعم وحماية المناطق التي سيطر عليها التنظيم على الأقل اسميا، أما الأمر الآخر فقد زاد نظام الأسد من هجماته على داعش، في رد على ما يبدو لحصول التنظيم على معدات عسكرية من العراق.
ثلاث جبهات
يواجه داعش اليوم معركة على ثلاث جبهات: ضد الجماعات السورية المختلفة المعارضة للنظام، ونظام الأسد وضد النظام العراقي. فمن ناحية جماعات المعارضة فقد ترددت حتى وقت قريب من فتح جبهة ضد داعش. ومن هنا فسيجد التنظيم نفسه في وضع غير قادر على تخصيص المصادر لمواجهتها.
وظهرت ملامح ضعف لدى داعش للدفاع عن مواقعه في الرقة وحلب، كما تباطأت حملة داعش في دير الزور للتقدم مما أعطى فرصة لمنافسيه كي يتقدموا.
كما وتمثل عودة المقاتلين العراقيين فرصة لقوى المعارضة السورية للتركيز على النظام، فقد أضعفت عودتهم تحالفا مكونا من حزب الله والحرس الثوري وهو ما أعطى النظام القدرة على تحقيق انتصارات.
ويتكهن الكاتب بحرب استنزاف مماثلة في العراق مشابهة لما يجري في سوريا، مما يعني فرصة جيدة للمعارضة. فيما يعتبر الوضع في العراق تحد للنظام السوري الذي سيفتش عن طريق لتعويض ما خسره من مصادر الدعم.
وقد يدفع الوضع النظام السوري لتكثيف الضربات على داعش مما سيمنح المعارضة السورية فرصة جيدة ويقويها ضد النظام نفسه.
ويرى الكاتب في النهاية أن التعقيد الذي أضفاه العراق يقدم فرصة للولايات المتحدة وحلفاءها كي تزيد من دعم المعارضة السورية وتتقدم ضد العدو المشترك وهو داعش والعدو المعظم هو النظام السوري.
إبراهيم درويش