حملة شعواء لقمع التظاهرات وإسكات الإعلام المعارض في العراق

حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: تصعيد غير مسبوق تتعرض له وسائل الإعلام والصحافيين ونشطاء الرأي والتظاهرات، في مدن العراق منذ بدء الانتفاضة الشعبية المطالبة بالإصلاحات بداية تشرين الأول/اكتوبر الحالي، في حملة شعواء، لإسكات أصحاب الرأي والمطالبين بالحقوق، دفعت العشرات منهم للفرار من مناطق سكنهم، وذلك بالتزامن مع صدور تقرير غير منصف للجنة التحقيق الحكومية حول أحداث العنف في التظاهرات.

وتميزت حملة استهداف الإعلاميين والناشطين والمدونين المشاركين في التظاهرات المطالبة بالإصلاحات، بأنها واسعة ومتعددة الوجوه بين القتل والاعتقال والخطف.

فقد استشهد الناشط صفاء السراي أثناء مشاركته في التظاهرات الجارية في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية، وذلك جراء إصابته بقنبلة صوتية في رأسه أطلقتها القوات الأمنية لتفريق المتظاهرين.

وفي مدينة البصرة جنوب العراق شيع الأهالي الناشطين حسين عادل المدني وزوجته سارة، اللذان وجدا مقتولين بطريقة بشعة في منزلهما بمنطقة الجنينة وسط المدينة. وقد تم العثور على الضحيتين في منزلهما مقتولين بإطلاق النار. ناشطون مدنيون أكدوا أن حسين المدني وزوجته سارة، كانا يقومان بإسعاف المصابين في التظاهرات جراء الغازات المسيلة للدموع.

الخطف والاعتقال

أما عن حالات الخطف والاعتقال للناشطين، فكانت واسعة وشملت عدة مدن أبرزها قيام قوة عسكرية مسلحة باقتحام منزل الناشط والمدون شجاع فارس الخفاجي في بغداد، بالقوة ومصادرة جميع هواتف وكمبيوترات العائلة والاستيلاء على تسجيلات كاميرات المراقبة المنزلية واقتياد الخفاجي تحت تهديد السلاح ونقله إلى جهة مجهولة أمام أنظار القوات الأمنية، حسب صفحة “الخوة النظيفة” على فيسبوك التي يشرف عليها. وهو ما جعل الخبير الأمني هشام الهاشمي، يكتب على صفحته في موقع فيسبوك تعليقا على اعتقال الخفاجي قائلا “عيب الكذب يا رئيس الوزراء أعطيت وعدا بإنهاء الملاحقة والمتابعة للإعلاميين والمدونين”.

وفي مدينة العمارة جنوب العراق، جرى خطف الناشط والمحامي علي جاسب حطاب بعد مشاركته في التظاهرات الأخيرة، من قبل مجموعة مجهولة الهوية قامت بمحاصرة سيارته الخاصة وإنزاله منها بالقوة واقتياده إلى جهة مجهولة منذ الرابع من تشرين الأول/اكتوبر الماضي. وقد دعا نقيب المحامين العراقيين ضياء السعدي، السلطات الحكومية المختصة، إلى الكشف العاجل عن مصير المحامي حطاب.

وكشف الكاتب والصحافي سرمد الطائي، عن تعرضه لتهديدات بتصفيته جسديا، من (أصدقاء إيران) مبديا رفضه لوصفهم له بـ”العميل”.

وخاطب الطائي في منشور على صفحته في فيسبوك، اطلعت عليه الصحيفة، الجهة التي هددته بالقول إن “العراق لقمة أكبر من سليماني (الجنرال الإيراني) وأكبر من تهديدكم لنا بالسحل” مضيفا ان “جماعة سليماني في العراق.. يهددون بالسحل ليش؟ معقولة نقص عندكم المنطق وضعفت أدلتكم وانخرستوا بالنقاش.. عندكم فقط سحل؟”. وذكر أيضا أن “العراقي حين يعترض على سليماني يكون عميلا فورا ويجب سحله.. والإيراني أو العراقي اللي يخلي صورة خميني .. حين يعترض على حكومة العراق يصير بطلا وفلسطينيا ومقاوما”.

دولة بوليسية

وطالب النائب هوشيار عبد الله رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالكشف عن مصير الناشط الطبيب ميثم الحلو وبقية الناشطين الذين تم تغييبهم، مبيناً ان العراق أصبح وللأسف دولة بوليسية ومن يطالب بمحاسبة الفاسدين يختفي ولا أحد يعرف مصيره.

وأكد “أن هناك العديد من الناشطين الذين تم تغييبهم ولا أحد يعرف مصيرهم حتى الآن، وكل ذنبهم أنهم طالبوا بحقوق شعبهم المشروعة وبمحاسبة الفاسدين وسراق المال العام”.

وتحدث الصحافي سمير عبيد في لقاء تلفزيوني عن أن قوة أمنية اعتقلته من بيته بعد التظاهرات، وقامت بتحطيم أثاث بيته وأخذت أرشيفه الصحافي الخاص واصطحبته إلى جهة مجهولة. وذكر ان الجهات الأمنية وجهت له اتهامات تؤدي عقوبتها إلى الموت، إلا ان القضاء أطلق سراحه لعدم ارتكابه أي مخالفة للقانون.

وكشف الناشط والقيادي في الحزب الشيوعي جاسم الحلفي، في لقاء تلفزيوني عن “وجود قائمة اعتقالات تشمل المدونين والناشطين على خلفية التظاهرات الأخيرة ” داعيا الحكومة إلى توفير الحماية اللازمة لهم، مشيرا إلى ان “الحكومة تتحمل مسؤولية الأحداث الأخيرة، وأن حملة التهديد والاعتقالات طالت العديد من الناشطين، من دون أوامر قضائية”.

وأكدت منظمات حقوق الإنسان أن 185 ناشطا في التظاهرات تم اعتقالهم في البصرة و14 ناشطا في الناصرية، إضافة إلى عشرات الناشطين في مدن أخرى.

قوائم الموت للصحافيين

ولم يكن إقليم كردستان العراق بعيدا عن استهداف الإعلاميين، حيث اهتزت الأوساط الإعلامية والحقوقية في الإقليم لجريمة بشعة طالت عائلة صحافية وسط السليمانية. لتضيف رقما جديدا لضحايا الصحافيين المعارضين في الإقليم. وقد قامت مجموعة مسلحة بإطلاق النار على الصحافي امانج باباني وزوجته الإعلامية وطفلهما ذي الثلاث أعوام، حيث تمت الجريمة أمام مول تسوق وسط السليمانية. ويعمل بابان مقدم برامج تحقيقات يتناول المشاكل وينتقد السلبيات السائدة في الإقليم على قناة “NRT” التي تعود لحركة الجيل الجديد المعارضة في كردستان.

ورغم ادعاء الشرطة ان الحادث هو عملية انتحار، إلا أن سياسيين ومنظمات حقوقية أكدوا أنها عملية اغتيال تمت بعد مطاردة مسلحين لسيارته. وتعليقا على الجريمة، قالت النائبة السابقة والقيادية في حراك الجيل الجديد، سروة عبد الواحد، في تغريدة لها على “تويتر” إن “استتباب الأمن في الإقليم كذبة يصدقها فقط من يجهل حقيقة الأمر” مبينة أن “اغتيال إعلامي مع طفله وزوجته أمام احدى المولات في السليمانية دليل هشاشة الوضع الأمني” وأوضحت ان “آمانج كان صحافيا جريئا وناقش المواضيع الحساسة في كردستان”.

وفي ظاهرة خطيرة تكررت خلال الشهر الماضي، أصدر مجهولون على مواقع التواصل الاجتماعي، قوائم تدعو لقتل الإعلاميين والنشطاء “المطلوبين” بحجة دعمهم للاحتجاجات الحالية، ضمت أسماء منها أحمد البشير وهيوا عثمان وستيفن نبيل وغيث التميمي وأنور الحمداني وسهير القيسي.

وكانت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مجهولة المصدر، نشرت مؤخرا “قائمة موت” أخرى لمدونين وكتاب وإعلاميين بتهمة “العمالة لأمريكا وإسرائيل” ضد النظام السياسي في العراق. وأدرجت في القائمة أسماء عدد من الصحافيين والإعلاميين البارزين منهم عمر الشاهر، والباحث والكاتب هشام الهاشمي، والصحافي والكاتب علي وجيه، ورسام الكاريكاتير أحمد فلاح، ومقدمة البرامج جمانة ممتاز، والمدون البارز شجاع فارس، والصحافي رضا الشمري، والناشطون صقر آل زكريا، وحسين علي، وعمر محمد، وآخرين.

ونتيجة لحملة الملاحقات والتهديدات، فقد كان طبيعيا حصول موجة هجرة للصحافيين والناشطين من بغداد ومدن الجنوب نحو إقليم كردستان أو خارج البلاد، وهو ما أشار له استطلاع لـ”بيت الإعلام العراقي” نشر في تشرين الأول/اكتوبر الماضي عن ظاهرة فرار العشرات من الصحافيين على خلفية التظاهرات التي شهدتها البلاد والتهديدات التي تعرضوا لها.

لجنة التحقيقات عن العنف

وبهدف امتصاص الانتقادات المحلية والدولية لاستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، شكلت حكومة عادل عبد المهدي لجنة للتحقيق في أعمال العنف التي صاحبت التظاهرات، حيث أصدرت تقريرا أقرت فيه أن “الاستخدام المفرط للقوة كان سببا في سقوط ضحايا من المتظاهرين” مؤكدة مقتل 149 مدنيا وثمانية عسكريين خلال ستة أيام من التظاهرات التي بدأت في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وأكدت اللجنة في تقريرها وجود حالات قنص بين المتظاهرين، وأنها أحالت إلى القضاء تسجيلات لمسؤولين حرضوا على قتل المتظاهرين.

وكما هو متوقع، فقد قوبل تقرير لجنة التحقيق الحكومية بانتقادات حادة من معظم القوى السياسية والحقوقية، والتي اتفقت على أن التقرير أغفل دور القيادات العليا واكتفى بمعاقبة ضباط صغار، كما أهمل الإشارة إلى الجهات التي تقف وراء مهاجمة القنوات الفضائية أو قنص المتظاهرين.

وفيما اعتبرت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية، نتائج التحقيق الحكومي بأحداث التظاهرات مخيبة للآمال، ولم تكشف للرأي العام من أصدر أوامر بقتل المدنيين والأمنيين داعية إلى تشكيل لجنة تحقيق أخرى محايدة، فإن الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت “أدانت العنف الذي أدى إلى سقوط مدنيين ودعت إلى إنهاء الحلقة المفرغة من العنف”. وذكر بيان بلاسخارت انها “تدين بأشدّ العبارات ارتفاع عدد الوفيات والإصابات خلال المظاهرات التي اجتاحت أنحاء كثيرة من العراق”. وذكرت البعثة أن “هناك أدلة على أن قوات الأمن أفرطت في استخدام القوة في مواجهة المحتجين ونفذت عمليات اعتقال جماعية، كما أن قوات الأمن حرمت المحتجين من الرعاية الطبية”.

وفي كل الأحوال، فإن القمع والبطش في استهداف الناشطين والمدونين والإعلاميين في العراق، جدد انتقادات القوى والمنظمات الحقوقية والسياسية والإعلامية، للحكومة العراقية وتحميلها مسؤولية وقوع انتهاكات واسعة في ملف حقوق الإنسان وحرية الرأي في البلاد، داعين الحكومة لإيقاف كافة الملاحقات لأصحاب الفكر الحر والنشطاء، وإطلاق سراح المعتقلين منهم، إضافة إلى محاسبة جدية للمعتدين على المتظاهرين وضمان عدم تكرارها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية