حملة معايرة سورية ليست بريئة
عبدالسلام بنعيسيحملة معايرة سورية ليست بريئة انطلقت في العديد من المنابر الاعلامية العربية الرسمية حملة من المعايرة لسورية. النقطة التي يقع التركيز عليها في حملة المعايرة هذه، تتلخص في كون سورية فشلت في استرداد هضبة الجولان من الكيان الصهيوني، وانها لم تُشغل آلية المقاومة المسلحة لاسترجاع هذا الجزء المحتل من أرضها، رغم انها تساند المقاومة اللبنانية وتمدها بالسلاح، وبالمال، وبالخبرة، والتوجيه، والارشاد..قبل مناقشة الحاملين لراية الحملة الدعائية المضادة لدمشق في قولهم هذا، لا بد من الاشارة الي انه لو كان الذين يقومون بهذه الحملة مواطنين سوريين يعارضون النظام الحاكم في دمشق، وكان حافزهم لتنظيم الحملة اياها، الضغط الشعبي المشروع علي النظام لحثه علي اقرار الديمقراطية، والانفتاح علي جميع طاقات مجتمعهم، من أجل حشدها، وتوظيفها لتحرير جزء من وطنهم من وطأة الاحتلال.. لو كان مثل هؤلاء هم الذين يقودون الحملة، فان المرء لا يملك الا ان يحترم رأيهم، ويتفهم مطالبهم، ويساندهم في مسعاهم هذا، لان المطالب الوطنية والمشروعة الصادرة عن المواطن الغيور علي وطنه، تظل مطالب مشروعة ووطنية، ولا يجوز أخلاقيا السعي لمصادرتها من أصحابها، مهما كانت المسوغات والمبررات..انما المشكل في هذه الحملة المشنونة علي سورية يأتي من كونها صادرة في أغلبيتها المطلقة عن النظام الرسمي العربي. فالي عهد قريب، كان الذين أضحوا اليوم ينظمون الحملات الاعلامية ضد النظام السوري، حلفاءه الاستراتيجيين، لقد كانت القرارات الرسمية العربية تتخذ في القاهرة، والرياض، ودمشق، وكانت تملي علي باقي العواصم العربية. فكيف حدث، وأصبح النظام الذي كان حليفا للقاهرة والرياض، علي امتداد العقود الماضية، وكان يوصف من طرف اعلامهما بصفات، الحكمة، والتبصر، وبعد النظر.. كيف أصبح، بين عشية وضحاها، يُنظر اليه من جانبهما نظرة دونية، وصار يوصف بأقبح النعوت، ويُتهم بالعجز عن تحرير أرضه؟القول ان النظام السوري لم يطلق رصاصة واحدة في الجولان، وانه لم يقم بأي شيء من أجل استرداد أرضه المحتلة، قول حق، ولكن يبدو انه تنطبق عليه مقولة علي بن أبي طالب: الحق الذي يراد به الباطل، لان الذين يدلون به، لا يهدفون من ورائه الي رؤية الجيش السوري يتحرك صوب هضبة الجولان ليحررها من الاحتلال الصهيوني.فالواضح ان الهدف من كلامهم هذا، الضغط علي سورية واجبارها علي التخلي عن الدعم الذي تقدمه لحركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولحزب الله في لبنان، والتخلي عن العلاقات المتميزة التي لديها مع ايران. فهذا هو المراد من الحملة، والا لماذا كانت دمشق محبوبة ومفضلة في حرب اخراج القوات العراقية من الكويت، ولماذا كانت بالأمس، موضع ترحيب من طرف القاهرة، والرياض، وواشنطن، وباريس، وفجأة صارت اليوم، مرفوضة، وموضوعا للمعايرة؟ المتغير الوحيد الذي جري، هو ان دمشق لم توافق علي غزو العراق، وعارضت احتلاله من طرف الأمريكان، وتساند المقاومتين اللبنانية والفلسطينية. الذين يعايرون سورية بانها لم تحرر الجولان، عليهم ان يتذكروا أولا ان الجولان قد تم احتلالها في حرب خاضتها سورية الي جانب أشقائها العرب من أجل تحرير فلسطين سنة 67، فالاحتلال لم يقع لان القوات الاسرائيلية ضلت الطريق خلال حربها مع العرب سنة 67، لقد حدث احتلال الجولان بسبب دخول سورية الحرب دفاعا عن الشعب الفلسطيني، الذي كان العرب يعتبرون ان قضيته تشكل قضيتهم المركزية. وللحقيقة والتاريخ، يتعين علينا الاقرار بان الشعب السوري قدم التضحيات الجسام دفاعا عن قضايا أمته العربية، فليس في سورية عائلة واحدة، لم تقدم شهيدا، أو أسيرا، أو معاقا، من أجل فلسطين ولبنان. وحتي المحنة الاقتصادية التي تعاني منها دمشق، فانها في جزء مهم منها، ناجمة عن مخلفات الحروب والصراع الذي تواجهت فيها سورية مع اسرائيل. والموقف السليم الذي تنتظره الشعوب العربية من الانظمة التي تحكمها، هو، توفير الظروف الملائمة لسورية، ودعمها بالمال لرفع الضائقة الاقتصادية عنها، وتزويدها بالسلاح، واسنادها بالسياسة، والاعلام، لكي تتمكن من استرجاع أرضها، سواء بالسلم أو الحرب، وليس معايرتها بالدونية والعجز.المعايرة لا تعني سوي ان العقل السياسي الذي يحلل بهدوء، ويستخلص الدروس والعبر من الوقائع قد تعطل، وان الرزانة قد ولت، وان الانفعال قد استحوذ علي النفوس، وان التفكير أخذ طابع السطحية والابتذال. وعلي مستوي آخر، تبدو المعايرة العربية لسورية، خصوصا في هذه الظرفية الدقيقة، غير بريئة، بل وكانها حث لأعدائها للاستفراد بها، وتشديد الخناق عليها، واجبارها علي القبول بما لا ترضاه.لا يمكن لأي عربي النظر نظرة المطمئن الي هذه الحملة الموجهة ضد سورية، والتجاوب معها، حتي وان كان من المختلفين مع الكيفية التي يدير بها النظام الحاكم في دمشق شؤون سورية، فهذه حملة مشبوهة وتثير الشكوك والريبة، وتذكر الجمهور العربي بالحملة التي كانت موجهة ضد العراق خلال مدة الحصار، وقبل شن الحرب عليه لتغيير نظامه، واشعال فتيل نار الحرب الأهلية والطائفية بين مواطنيه، لتفتيته وتقسيمه الي دويلات. الجولان المحتلة أرض عربية، والحكام العرب ملزمون باسترجاع هذه الأرض، كما هم ملزمون باسترداد الضفة الغربية وقطاع غزة، وانشاء الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس. معايرة الحكام العرب لسورية بسبب الجولان، تبين المستوي الذي تردي اليه الوضع العربي الرسمي، فأنظمتنا أصبحت تتباهي بالعجز، وتتنصل جهارا من أي مسؤولية فيما يخص العمل من أجل استرداد أرض عربية تحتلها اسرائيل، بل ان هذه الانظمة باتت تتشفي في نظام شقيق، وتشمت فيه باعلامها، لانه لم يتمكن من استرجاع أرضه المحتلة.لا تجوز معايرة سورية بالجولان المحتل، فاذا كانت هذه المعايرة مقبولة بخصوص سورية، فانها ستكون كذلك بخصوص المغرب الذي ما زالت مدينتان من مدنه محتلتين، وهما سبتة ومليلية، ونفس الأمر ينطبق علي دولة الامارات العربية التي تحتل ايران جزرها الثلاث، طنب الصغري، وطنب الكبري وأبو موسي، وعلي الشعب الفلسطيني الذي ترفض اسرائيل الانسحاب من أراضيه. فوفقا لمنطق الحملة، كما تجوز معايرة سورية بأرضها المحتلة، يجوز الأمر ذاته مع المغرب، والامارات العربية المتحدة، والشعب الفلسطيني لان أراضي لهم ما زالت تحت الاحتلال الأجنبي. وبطبيعة الحال، هذا أمر لن يقبل به المغاربة، وكذلك الاماراتيون، والفلسطينيون، وكل انسان عربي شريف ونزيه.. أي شبر من أي أرض عربية ما زال محتلا، يشكل دليلا قاطعا علي انتقاص من السيادة العربية، ويتحمل المسؤولية في وجود هذا الانتقاص من السيادة العربية النظام الرسمي العربي برمته. نقول هذا بغض النظر، عن المضمون الحقيقي للسيادة، وهل تمارسها كاملة، جميع الانظمة العربية في الأوطان التي تحكمها، أم ان استقلال الدول العربية ما زال ناقصا، ان لم نقل ان العديد من أقطارنا ما زالت ترزح تحت الوصاية الأجنبية، رغم وجود العلم، والجيش، والنشيد الوطني لديها؟ ہ صحافي من المغرب8