«حميدتي» في موسكو… وقيادي في «الحرية والتغيير»: روسيا دعمت الانقلاب لتتمدد في السودان

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي» : وصل قائد الدعم السريع، ونائب رئيس المجلس السيادي في السودان، محمد حمدان دقلو «حميدتي» إلى موسكو، الأربعاء، في زيارة رسمية برفقة عدد من الوزراء والمسؤولين، في وقت جدد فيه قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تأكيده على عدم تسليم السلطة إلا لحكومة وفاق وطني أو عبر الانتخابات.
وخلال مخاطبته سلاح المدرعات في منطقة الشجرة جنوبي الخرطوم، دعا البرهان القوى السياسية للتوافق الوطني من أجل العبور بالبلاد إلى بر الأمان، واصفا المرحلة الراهنة في البلاد بـ«الحرجة» مشيراً إلى «تحديات وتهديدات تحدق بالبلاد».

«تشتيت وحدتهم»

وقال إن «القوات المسلحة تواجه حملات تشويه ممنهجة ضدها وضد القوات النظامية، تهدف إلى تشتيت وحدتهم وزعزعة إيمانهم بالوطن» على حد قوله.
في الموازاة تتواصل الجولات الخارجية لـ«حميدتي» والتي شملت أديس أبابا وجوبا وأبو ظبي، وصولا إلى موسكو، التي وصلها أمس الأربعاء.
وحسب إعلام المجلس السيادي، فإن زيارة «حميدتي» لروسيا جاءت بـ«دعوة رسمية من حكومتها، في إطار تبادل الرؤى والتباحث حول سُبل تطوير وتعزيز أوجه التعاون في مختلف المجالات، فضلاً عن التشاور حول القضايا الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، ويرافقه خلال الزيارة الرسمية الأولى له إلى موسكو وزراء المالية والزراعة، بالإضافة إلى الطاقة والنفط والمعادن».

تفاهمات

وفي ظل النظام السابق، بدأت الخرطوم وموسكو تفاهمات بخصوص إنشاء قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر، وتواصلت مع العسكريين بعد إسقاط نظام عمر البشير، إلا أنهم أعلنوا لاحقا تجميدها إلى حين تكوين المجلس التشريعي، المسؤول عن اتخاذ القرارات في هذا الصدد، وذلك بعد ضغط داخلي وخارجي واسع.
ويرى مراقبون أن زيارة قائد الدعم السريع لروسيا إشارة واضحة لمضيه نحو الاستيلاء على السلطة، في حين تؤكد «الحرية والتغيير» عدم شرعية أي اتفاقات يبرمها العسكريون مع المجتمع الدولي.
القيادي في «الحرية والتغيير» والمتحدث الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، عادل خلف الله، قال لـ«القدس العربي» إن «تمدد العسكريين في ملفات عديدة ليست من اختصاصهم، من ضمنها ملف العلاقات الخارجية، من العوامل الأساسية التي أعاقت الانتقال الديمقراطي في السودان» مرجعا ذلك لنزوعهم للاستيلاء على السلطة وتوظيفها لمصالحهم الخاصة حتى لو كانت لا تتوافق مع مصالح البلاد.
وبيّن أن «روسيا واحدة من الدول التي ساندت انقلاب العسكريين في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لجهة تحقيق ما تطمح له من تمدد في السودان والإقليم عموما، ولدفع مصالحها المشتركة مع الجيش وقوات الدعم السريع».
ولفت إلى أن «توقيت الزيارة لا يمكن عزله عن الواقع والأزمة الخانقة التي تحاصر الانقلاب، والتي زادها استمرار الرفض الشعبي ولجوء العسكريين لاستخدام العنف المفرط في مواجهة التظاهرات، مما أدى إلى مقتل أكثر من 80 شخصا واصابة الآلاف، فضلا عن استمرار الاعتقالات التعسفية». وأشار إلى أن «قائد الدعم السريع، فضلا عن محاولة رعاية مصالحة مع روسيا، يحاول من خلال الزيارة إخراج الانقلاب من العزلة الدولية» مشيرا إلى أن «توقيت الزيارة يكشف عن عدم قيام قوى الانقلاب بالقراءة الصحيحة للتطورات الداخلية والخارجية، في ظل مواجهة روسيا لاتهامات بتهديد السلم والأمن الدولي بسبب عدوانها على أوكرانيا، وتلويح الولايات المتحدة والغرب بفرض عقوبات على موسكو».
واستبعد أن يعود «حميدتي» بنتائج ذات أثر، تخرج الانقلاب من الحصار والعزلة الراهنة.
وقال إن قوى الحرية والتغيير أكدت لكل المبعوثين الدوليين أنها كقوى سياسية غير مسؤولة عن أي اتفاقات يبرمها قادة الانقلاب مع المجتمع الدولي.

البرهان وصف وضع البلاد بـ«الحرج» واشتكى من «حملات تشويه» تطال الجيش

وأضاف: لا أعتقد أن تقوم أي دولة بإبرام أي اتفاقيات مع سلطة انقلابية تشير كل المؤشرات إلى أنها آيلة للسقوط والزوال، مشددا على ضرورة احترام الدول لخيار الشعب الرافض للانقلاب والتفكير بترو في مصالحها مع السودان التي تستلزم رعايتها التعاون مع نظام يحظى بالمشروعية الشعبية.
ووفق أستاذ العلاقات الدولية في الجامعات السودانية صلاح الدومة، فإن «حميدتي ماض قدما في برنامجه للاستيلاء على السلطة» مشيرا إلى أن زياراته الخارجية الأخيرة بما فيها زيارته لروسيا تأتي في هذا الإطار، مشيرا إلى أن قائد الدعم السريع يسعى من خلال هذه الجولة الخارجية إلى تدعيم موقفه في الميزان العسكري.

«مصالح الدعم السريع»

وحسب ما قال الدومة لـ«القدس العربي» فإن الزيارة لم تكن بتوافق بين العسكريين، ولكن في إطار مصالح الدعم السريع، الذي يسيطر قائده على إرادة قيادة الجيش، معتبرا إياه القائد الأول للسلطة الانقلابية الراهنة في البلاد.
ولفت إلى أن «حميدتي» بزيارته لروسيا في ظل الصراع الأمريكي الروسي في أوكرانيا، يرفع راية التحدي للولايات المتحدة الأمريكية والغرب، ولا يبدو عابئا بتحذيراتهم، لافتا إلى أنه مقدم على مخاطرة كبيرة، ستهدد مستقبل السودان ووحدته، وتحجيم دوره في المجتمع الدولي.
وأضاف: زيارة «حميدتي» لروسيا لن تكون كذلك في مصلحته، لجهة اتباعه سياسة المحاور ـ المحور الشرقي (روسيا والصين) ومحور (إسرائيل والإمارات وإثيوبيا) – الأمر الذي سيؤدي إلى تهديد مستقبل قائد الدعم السريع.
وأضاف: «قائد الدعم السريع يبحث من خلال الزيارة عن الدعم السياسي والدبلوماسي والاستخباراتي على حساب الجيش. في المقابل، تريد روسيا التمدد في أفريقيا مقابل تحجيم الوجود الأمريكي والغربي، خاصة في المنطقة الغنية بالمعادن والموانئ التي تمنح روسيا فضاء جديدا على حساب المعسكر الآخر، وترى أن حميدتي قادر على تحقيق هذه الأهداف وتعول عليه أكثر من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان».
ولا يستبعد الدومة أن توقع روسيا اتفاقات مع «حميدتي» رغم فقدان السلطة الانقلابية للمشروعية، مشيرا إلى أنه «سبق ووقع اتفاقات مع إسرائيل بخصوص التعاون في مجالات الأمن والزراعة وغيرها دون الرجوع للسلطات في الخرطوم».

تواصل قديم

وجاء الترتيب لزيارة «حميدتي» إلى موسكو مبكرا، وقبل التطورات الأخيرة في أوكرانيا، تبعاً للصحافي والمحلل السياسي، عبد الله رزق، الذي أضاف لـ«القدس العربي» أن «الزيارة مؤشر لتواصل قديم بين العسكريين وروسيا، تعود جذوره إلى فترة النظام السابق، والتفاهمات التي تمت بخصوص إنشاء قاعدة عسكرية لروسيا على البحر الأحمر، والتي تعطلت في ظل الحكومة الانتقالية، حيث أكد العسكريون وقتها أن الأمر مرهون بتكوين المجلس التشريعي المسؤول عن اتخاذ القرار في هذا الصدد».
ولفت إلى أن «الاتصالات ظلت مستمرة بين روسيا والعسكريين، رغم إعلان تجميد التفاهمات بخصوص القاعدة العسكرية» مشيرا إلى أن العلاقات بين قادة الانقلاب وموسكو تطورت على خلفية استمرار الرفض الأمريكي والغربي لهم واستمرار ضغوطها لتسليم السلطة للمدنيين، مشيرا إلى أنها ستمضي لاحقا نحو الصين، بعد توقف الإعانات والدعم من أمريكا والغرب وتفاقم الوضع الاقتصادي والحصار الذي يواجهه الانقلاب في ظل المقاطعة الدولية والمعارضة الداخلية. ويأتي ذلك في إطار التماس العسكريين لمخرج من خلال طرق خارجية تمر عبر روسيا والصين».
وأشار إلى أن السلطة الانقلابية في الخرطوم لم تعلن عن أي موقف تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية، وتهديد روسيا لدولة مستقلة ذات سيادة معترف بها دوليا، لافتا إلى أن صمت السلطات في السودان تجاه التطورات في أوكرانيا، وزيارة حميدتي لروسيا في التوقيت ذاته قد يحملان دلالات سلبية لواشنطن وشركائها حول موقف السلطات في الخرطوم.
وأكد أن التجربة أثبتت أن روسيا والصين لا يمكن أن تكونا بديلا من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.
ورأى رزق أن الغموض يكتنف الجهات صانعة القرار في السودان منذ انقلاب العسكريين، لافتا إلى عدم وجود هياكل سلطة واضحة، والى تداخل الأدوار والسلطات بين مكونات الانقلاب، الأمر الذي يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان العسكريون لديهم رؤية واضحة حول ملف العلاقات الخارجية، أم أن كل مكون يمضي نحو تثبيت نفسه من خلال تحركات يرى أنها تخدم مصالحه.
ولفت إلى أن التغول على ملف العلاقات الخارجية من قبل العسكريين بدأ منذ بواكير الفترة الانتقالية، رغم إلزام الوثيقة الدستورية العسكريين بمناصب تشريفية في المجلس السيادي، وأن الغموض في مركز السياسة الخارجية مستمر منذ ذلك الوقت.
وبخصوص العوائد التي تنتظرها روسيا من خلال علاقتها مع العسكريين، بيّن رزق أن روسيا تسعى لتوسيع نفوذها في عدد من الدول الأفريقية من خلال اتفاقات أمنية تتضمن المجموعة الأمنية الروسية الخاصة «فاغنر» والتي يعتبر الغرب نشاطها غير مشروع، مشيرا إلى أن «فاغنر» تقوم بتأمين عدد من المشاريع الروسية في القارة الأفريقية وتعمل على حماية حلفائها، من قادة الدول، حيث تقوم بتأمين رئيسي أفريقيا الوسطى ومالي، وربما القادة العسكريين في السودان لاحقا.
ولفت إلى وجود شركات روسية في السودان منذ عهد نظام عمر البشير، تنشط في التعدين في غرب وشمال السودان وتسعى لاحتكار الاستثمار في قطاع المعادن عبر شراكات مع نافذين في البلاد، ضمنها شركة «الجنيد» التي تمتلكها قيادة الدعم السريع، وتنشط في مجال التعدين.
وأضاف: «روسيا تطمح لإنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، وربما تقدم في المقابل للعسكريين السلاح والعون العاجل في شكل قمح» مشيرا إلى أن التجربة أثبتت أن العسكريين يمضون نحو إبرام اتفاقات وعقد لقاءات دون تفويض شرعي أو صلاحية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية