لعلّها المرة الأولى في حياتي التي أزور فيها معرضاً فنياً لأربع مرات متتالية. في المرة الأولى صمتُّ، وفي الثانية بكيت، وفي الثالثة استرجعت كل ذكريات الأعوام الاثني عشر الماضية، وفي الرابعة قررت أن أكتب.
وبكل الأحوال، فإن زيارة واحدة للمعرض الذي يحمل اسم «كان يا ما كان… شباك» وتستضيفه صالة «قزح» للفنون في دمشق القديمة والأزقة حولها منذ نهاية آذار/مارس الفائت، قد لا تكون كافية. فالغوص في تفاصيل خمسة عشر عمل تجهيز فني، تعتمد على عنصر أساسي هو الحمام المصنوع من «الريزين» وسماع حكاياتها من فنانين وفنانات شباب نفّذوها، ومن ثم التعرف لقصة المعرض بأكملها، وهو حلم قديم لبثينة علي الأستاذة في كلية الفنون الجميلة، يحتاج لأكثر من مجرد مرور عابر.
تبدأ الرحلة من مدخل زقاق «طالع القضة». عشرات الحمامات البيضاء والسوداء تتدلى من السماء، وقد يحتار الناظر إليها أي اللونين يرى، فمع اهتزاز المجسمات المتقاربة المعلقة على حوامل معدنية، يتداخل الأبيض والأسود بشكل قد يصعب الفصل بينهما، ربما على غرار كثير من تفاصيل حياتنا خلال العقد الأخير. يحمل العمل عنوان «دحض» وهو للفنان جوان شعبو. على بعد خطوات، عُلقت طاولة خشبية كبيرة، وفوقها حمامات تحت كل واحدة منها «صينية» معدنية صغيرة. العمل هو «العشاء السرّي» للفنان بيير حاماتي، ويفتح الاحتمالات لشتى الأفكار، من الصواني الفارغة التي تشبه أطباق السوريين وهم يكافحون لتحصيل لقمة عيشهم، إلى الحمامات التي قد تبدو شريرة للحظة وكأنها تنقض لسرقة طعامنا، ولوهلة أخرى وادِعةً وترغب في مساعدتنا. ويصف الفنان عمله بأنه يحاكي ما فقده السوريون خلال الحرب، من حب ورغبة وإيمان وأمان وماء وكهرباء وطعام.

بالدخول إلى المنزل الدمشقي الكبير، حيث تقع صالة قزح، تستغل الفنانة زينة طيارة «البحرة» في منتصف الفناء لتعليق عملها الذي يحمل عنوان «كاروسيل» (لعبة الأحصنة الدوارة). بمرافقة موسيقى هادئة تتكرر كل الوقت، تتحرك حمامات معلّقة بأطوال متفاوتة بشكل دائري، وفي رأس كل منها ضوء صغير، معبرة عن أرواح من ماتوا خلال الحرب، وفي الوقت نفسه عن دوران الزمن بنا دون توقف، وعودتنا كل مرة إلى النقطة ذاتها. وفي غرفة داخلية، علّقت الفنانة جلنار الصريخي ضمن تجهيز بعنوان «عجز» ست حمامات، ولها ظّل معكوس بوضوح على الأرض. يخيّم السكون والصمت التامّين على الغرفة، فلا الحمامات تتحرك ولا الظلال، ومع وجود كرسي كبير فارغ في إحدى الزوايا، تختلط المشاعر والأفكار. أهو العجز أم السكينة؟ تكتب الفنانة عن عملها «أن تشعر بالخوف يعني أن تستيقظ لترى نفسك! أنت لست أعمى، يمكنك أن ترى! أنت لست ميتاً، أنت مكبّل فقط! أنت الحمامة، طريدة هذا الصيد الجائر».
بالعودة للزقاق خارجاً، والانعطاف نحو اليسار، تبدأ رحلة جديدة بصرية وسمعية. على اثنتي عشرة قطعة قماشية متتالية، يعرض الفنان حمّود رضوان عمله «في تلاشٍ مستمر» ونرى فيه إسقاطاً ضوئياً لمجموعة من وجوه أصدقائه الذين غادروا سوريا، وحولها حمامات تطير وتغيب، مترافقاً مع موسيقى تحاكي هذا التلاشي. اثنتا عشرة شاشة، أو سنة، يقول عنها الفنان: «كان الجامع الأموي مملوئاً بالحمام. تلاشى عددها، كذلك نحن، في تلاشٍ مستمر. هل سنرى المزيد بعد سنوات الحرب»؟ ولعل المفارقة المحزنة أن الزائر لا يحتاج سوى لثوانٍ قليلة للمرور بين، أو تحت هذه الشاشات، وكأن كل ما عشناه هو مجرد لمحة صغيرة.
في منزل مجاور جزء جديد من الرحلة. تبدأ مع غرفة تحاكي منازلنا السورية المهجورة، ففيها نافذة مكسورة عرّشت عليها نباتات وأعشاش حمام بشكل عشوائي، وأخرى مغطّاة بقماشة بيضاء متسخة كتب عليها شعار «مفوضية الأمم المتحدة للاجئين» وهو أمر شائع اليوم في المنازل التي فقدت نوافذها وأبوابها وجدرانها واستعاضت عنها بتلك «الشوادر». في الغرفة أيضاً تلفزيون صغير قديم، يبث أخباراً عشوائية من المحطات السورية، وشاشة تعرض صورة ثابتة لمكان تبدو عليه آثار الحرب. يحمل العمل اسم «القناة الثالثة» وهو للفنان مهند البيك، ومما كتبه عنه: «كل الحمام جالس مستقر. أصبحت المدينة لهم. هاجر الجميع. المكان خالٍ».

غرفة ثانية تحوي صندوقاً أسود كبيراً، يمكن الدخول فيه ثم إغلاق الباب. حينها، سيكتشف الزائر بأنه يدوس على بقايا حمامات مكسّرة، وسيسمع بكل وضوح صوت التكسير الناتج عن خطواته، والخارج أيضاً من مكبر صوت صغير في الزاوية. تكتب الفنانة آلاء حبوس عن عملها «حلم»: «حلمي حمامة بيضاء تحوّلت إلى حطام. سأسير على حطامها علّي أستمر. عشر سنوات وأنا أسير. لا أسمع سوى صدى خطواتي على بقاياها». وليس بغريب أن كثيرين ممن شاهدوا العمل، أو بالأحرى عاشوا تجربة «التكسير» خرجوا وهم يبكون.
وفي الغرفة الثالثة عمل «من أنا» للفنانة دانا سلامة، وفيه يعيش الزائر تناقضاً بين حمامات صغيرة بيضاء، وغراب أسود كبير يحلّق وسطها. أهو ضياع بالهوية؟ أم أحاسيس متناقضة بالتشابه تارة والاختلاف مرة أخرى؟ تكتب سلامة: «نغلق عيوننا. لا نريد أن نرى، أن نسمع. أرواح متشابهة وطرق مختلفة. من أنا؟ من أنت؟ من نحن؟». أما فناء المنزل فيضّم عملين. الأول «بيت» للفنانة ليلاس الملا، ومجدداً ندخل في صندوق، له شكل عش كبير، ونرى أعشاشاً صغيرة مع حمامات عالقة على أطرافه، وتحيط بنا من كل مكان أغنية «يلا تنام، لأذبحلك طير الحمام» بنسخة أكثر حزناً. شعر البعض بالسكينة داخل العش إذ ذكرهم بمنزل آمن مفقود، وآخرون أحسوا بالاختناق وخرجوا على الفور، إذ شعروا باستلاب قدرتهم على الطيران والتحرر. ومما كتبته الفنانة: «إن طال النوم ولم تتجرأ على الطيران كل قليل، بيتك نفسه سيخنقك، يسحقك، ويلتهمك بالهدوء والظلام نفسهما اللذين غنيا لك لتنام».
والعمل الثاني في الفناء يستغلّ أيضاً البحرة لتجهيزٍ يحاكي الدخان الذي يعقب سقوط القذائف، ويحمل اسم «يوميات قذيفة هاون» للفنان كريم الخياط. قد تكون الحرب انتهت في كثير من أجزاء سوريا، لكن ذكرياتها ما زالت حاضرة في أذهان الجميع. شبك وإطارات معدنية وحمامات عالقة فيها، تعبر عن حالنا وسط أصوات الانفجارات وحالات الذعر في كل مكان، من طريق العمل إلى المدرسة والجامعة. ويشبّه الفنان الأمر بأنه «لعبة قمار بتفاصيل مختلفة».

تستمر الجولة في الطرف الآخر من الزقاق.. شاشة بيضاء كبيرة نرى فيها مشاهد من دمشق، وكأننا الحمامات التي تطير في سمائها، لتعاين الحرب وما تركته من دمار، أو لتنشر السلام، رغم الألم والمعاناة. يكتب الفنان مهند السريع عن عمله المعنون «كشّة»: «لو عكسنا الصورة، ورأينا ما يراه الحمام، هل سنسمع هذه الضوضاء؟ هل سنرى الخراب؟». بعد مسافة قصيرة، نرى سرباً من ثلاثمئة حمامة خارجة من منزل مهجور، وكل منها تحمل في قدمها ورقة صغيرة. في عملها هذا، «رسالة» تسعى الفنانة زينة تعتوع لأن تحمّل الحمامات أحلام السوريين، ولجأت لثلاثمئة شخص كتبوا أمنياتهم وعلقتها في أرجل الطيور، بمحاكاة لقصة نوح الذي ساعدته الحمامة على الخلاص بعد الطوفان. «الجميع يعلم بوجودنا، لكننا مجرد أرقام، لعل الحمامات توصل أحلامنا إلى من يرأف بها» هذا بعض مما كتبته الفنانة، وقد تركت في زاوية صغيرة أوراقاً صغيرة لمن يرغب أيضاً بكتابة أمنيته. وبجانب هذا السرب، نرى مجموعة «أقفاص» من تجهيز الفنانة أنوار الأخضر. حمامة غارقة بدمائها، وأخرى تجلس وادعة في قفصها، وثالثة تحاول الخروج، ورابعة فشلت في كسر جدران القفص فتناثرت أشلاؤها في أرجائه، وفي النهاية قفص فارغ نجحت الحمامة في تحطيمه. تسلط الفنانة الضوء في عملها كما تكتب على «حالة التناقض بين الفرد والمكان الذي يولد فيه، وعلى الحالة العقلية التي يكون فيها بمواجهة نفسه والخارج».
وفي عمل مجاور مختلف قليلاً، تعرض الفنانة جمانة مرتضى حمامات تطير بين ألواح بلاستيكية ملوّنة، بعنوان «أنا هنا» وتبدو وكأنها تمنح الزائر فسحة للتنفس رغم ضيق المكان. تختلط الألوان مع بياض الحمامات التي تتمايل ببطء، وتعكس، كما تكتب الفنانة، «حقيقتنا» لتعطي بعداً ثالثاً لأفكارنا وأحلامنا، وتضيف: «سأنشر ألواني في كل الزوايا، إنها الآن تلامسني. أنا الآن أتنفس!». تنتهي التجهيزات مع «رحيل» للفنانين رنيم اللحام وحسن الماغوط. تطير حمامات داخل قفص كبير يمكن للزائر الدخول فيه ليشعر بما تعيشه الحمامات من أسر ومحاولة للانعتاق. تحاول حمامة كسر جدران القفص لكنها تبقى عالقة فيه، وفي الخارج أخرى يبدو أنها نجحت في الخروج، لكن أقفاصاً صغيرة بقيت معلقة بأرجلها. «ماضينا، حاضرنا، مستقبلنا، أقفاصنا داخلنا منا وفينا. نحن سرب طيور نستعد دائماً للرحيل من أجل الأفضل. إلى أين؟» يكتب الفنانان.
في غرفة أخيرة داخل صالة قزح، تحكي بثينة علي قصة حلمها. في العام السابق للحرب، كانت تسعى لتزيين منطقة جسر الرئيس وسط دمشق بخمس عشرة ألف حمامة بيضاء، لتعكس في هذه المنطقة الحيوية روح المدينة، لكن الحرب أوقفت المشروع، وبقيت الحمامات في مستودع على أطراف دمشق، إلى أن قررت الفنانة إعطاءها لستة عشر من طلابها ليزينوا بها المدينة على طريقتهم.
في نهاية جولتي الأخيرة، يخبرني أحد الفنانين الشباب بأنه سيغادر البلاد بعد عدة أيام، «بحثاً عن مستقبل أفضل». أفكّر بأن التلاشي سيستمر، وأخشى ألا يتوقف.
كاتبة سورية
