هدية الأيوبي’الشعب يريد إسقاط النظام’ … كانت تلك العبارة أول هتافات الثورة المصرية الذي صار لازمة ترددها جماهير الربيع العربي وصولاً إلى وول ستريت. وتفنن الثوار اليمنيون بإدخالها في أغنية جميلة. كما جاء هتاف الناشطة توكل كرمان ‘كل ما منزيد شهيد يهتز عرشك يا علي’ ليضفي على الربيع العربي صوت الأنوثة الثائرة التي استحقت جائزة نوبل.
ومن درعا انطلق صوت سميح شقير بأغنية ‘يا حيف’ التي أبكت الملايين. ومن حماه صدحت حنجرة ابراهيم القاشوش في ساحة الحرية واستفزت الجلاد فأمر باقتلاع الحنجرة ورميها في النهر. وانفتحت أبواب الجحيم، فصارت الأغنية نشيد الثورة السورية ورددها أنصار الثورة في طرابلس بلبنان وفي العواصم الأوروبية. وصار القاشوش أسطورة الثورة السورية، ورغم ذلك ينكر الرئيس بشار الأسد معرفته بإبراهيم القاشوش، في مقابلته مع بربارة والترز.
ومن حمص، انتشر على صفحات ‘الفيس بوك’ موال حزين، قال ناشطون إن ‘بلبل الثورة’ كما يسمونه، عبد الباسط الساروت هو من ألفه، حيث غناه عدة مرات أثناء المظاهرات. الموال بعنوان ‘مالو بشار يقتل شعبه عشان كرسيه.. حرام عليه.. حرام عليه’، أخذ يتردد على ألسنة المتظاهرين في مختلف أنحاء سوريا، ووصلت شهرته إلى بلاد الاغتراب حيث سكن بجوالات عدد كبير من المغتربين السوريين، في إشارة تضامنية مع الثورة السورية، و’عاصمتها حمص العدية’، كما يقولون في تعليقاتهم.
حارس مرمى فريق الكرامة صار حارس مرمى الثورة السورية. يدخل إلى بابا عمرو وهو المطلوب من كل فروع الأمن في سوريا ومدفوع في رأسه ملايينô يدخل إلى أكثر مكان حساس ومحاصر ليودع رفيقه بلبل بابا عمرو الشهيد الشاب محمد الشيخ. ينشد.. يدعو.. يغني.. يرقص.. ثم ينزل فيقبل رأس الشهيد. بكلماته الحماسية وألحان بسيطة يثير الحماس في المتظاهرين تحت الرصاص دون خوف من الموت. قال في مقابلة أجرتها معه صحافية بريطانية: ‘أنا لست أفضل من الذين استشهدوا’. عبد الباسط الساروت، الذي استشهد أخوه وليد ودُمّر منزله في حي البياضة، لم يبق له ما يخسره سوى ليل الظلم. يهتف بلبل الثورة بقامته الممشوقة المحمولة على الأكتاف وذراعيه تلوحان كما مايسترو يقود أمواج الثوار العزّل الذين لا يملكون سوى حناجرهم في مواجهة الآلة الحربية المستشرسة عبثا. بصدورهم العارية وحناجرهم المدوية، امتدت هتافات الثوار ‘الحماصنة’ من بابا عمرو وباب هود والبياضة والخالدية إلى آخر العالم. أغنيات الثورة السورية انتشرت على كل صفحات الانترنت وفي المظاهرات المؤيدة للثورة. عبارات بسيطة تحمل أحلام شعب وآمال الملايين بالتغيير. الشعب هو المغني والمؤلف والملحن. تصدح الحناجر بعد أن سقط جدار الخوف، يعيد صوت الجماهير للمشهد العربي ربيعه الجديد. ألا يجب أن تجعلنا هذه الظاهرة نعيد النظر في كل مقومات المشهد الثقافي العربي، وفي مفاهيم موروثة سادت عقودا حول تعريف الثقافة والمثقف والمتلقي؟ أما آن للثقافة أن تخرج من عباءة الأكاديمية وينزل المثقف إلى الشارع ليرى ويسمع ما لن يراه ويسمعه في برجه العاجي؟
أزهار الشباب في مواجهة الدبابة.. الحناجر في مواجهة الرصاص.. حتى لتكاد تبدو الحرية قابَ أغنيتين، أو شهيدين… ويسقط الطاغية.***يتقيأ الطاغية في وجوهنا. سقطت البلاغة العربية تحت ركام المدن المحترقة. سقطت حرمة الأشهر تحت أنين النواعير.
غابت الشمس في زحمة المذابح والجنود.. أيها الأطفال… العار يغطي وجه العالم… بعد اليوم كل الأنهار حمراء… بين الدم المراق وماء الوجه يمضي الربيع نحو فجر الوردة الأكيد.
ما أجملَ وجهكِ أيتها الحرية وأنتِ تلتفتين صوب الشرق!
قمة التراجيديا أن يتلفظوا بعبارة ‘حمام الدم’ بدمٍ بارد، وفي واجهة المشهد، هناك شعبٌ يذبح ومدنٌ تشربُ دماء أطفالها.
الحبرُ لا لون ولا طعم ولا رائحة له حين يسيل دمُ الأطفال.
سلامٌ لكل امرأة تكحّلت بتراب الوطن.. سلامٌ لكل امرأة تبرّجت بدم ابنها في عرس البلاد. يمرُّ الملوكُ قربَ قبورنا ولا يسمعون أزيز الرصاص.. وكلما هوى شهابٌ فقدنا أحداً ممن نهوى… سقطت كل الأهلّة ولن يبقى سوى قمر الدم يضيء الطريق.
رموا حنجرة المغني في النهر.. لم يتوقفِ النهرُ.. ما زال النهر يغني.
لم ينمِ الشهداءُ بعدُ.. فمتى تستيقظ أيها العالم؟