حنان قصّاب حسن: المعهد العالي للفنون المسرحيّة بقعة مضيئة في الثقافة السورية

حجم الخط
0

يضم اقساماللدراسات المسرحية والتمثيل والرقص الكلاسيكي والسينوغرافيا

دمشق ـ “القدس العربي” ـ من يارا بدر: منذ قرابة الربع قرن، أسسّت مجموعة من المثقفين السوريين، المعهد العالي للفنون المسرحية، كان منهم سعد الله ونوس وفواز الساجر، وكل من الدكاترة نبيل الحفار وماري الياس وحنان قصّاب حسن، في إحدي الشقق التابعة لوزارة الثقافة في منطقة المزة، معهدا لقسمي الدراسات المسرحية والتمثيل. بعد فترة قصيرة تقرّر إنشاء بناء خاص بالمعهد، وتحت إشراف الموسيقار صلحي الوادي تمّ تدشين البناء الجديد الواقع في ساحة الأمويين، المؤلف من طابقين علي اعتباره المعهد العالي للموسيقي والفنون المسرحيّة.

مع التسعينات تمت إضافة قسمي الرقص الكلاسيكي أو الباليه والسينوغرافيا إلي المعهد المسرحي. ولكن للأسف عاش المعهد ما عرفته المنطقة من انهزامات و خيبات أمل متتالية، منذ استلام د. رياض عصمت عمادة المعهد واتباع سياسة مختلفة ساهمت في ابتعاد العديد من المؤسسين عن التدريس في المعهد.

في بداية العام الدراسي الجديد (2006 ـ 2007) استلمت د. حنان قصّاب حسن العمادة، ممّا شكل دفعاً كبيراً لعودة الآمال لدي الطلاب والأساتذة الموجودين بان يعود المعهد للجوهر الحقيقي الذي قام علي أساسه. وبهذا الصدد كان لـ “القدس العربي” هذا اللقاء مع العميدة الدكتورة حنان قصّاب حسن، التي تسلمت بعد فترة قصيرة الأمانة العامة لاحتفاليّة دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام (2008): د. حنان: طرحتِ مع بداية استلامك للمنصب الجديد العديد من المشاريع التي تبدو حلولاً لأزمات عاني منها المعهد مطولاً، لأي درجة يمكن اعتبار هذه المشاريع إصلاحات إدارية ناجعة؟ ليست القضية مجموعة إصلاحات كان يجب القيام بها، ولم ينفذها أحد. أنا كان لديّ مشروعي الخاص جداً للمعهد، علي مستوي التعليم وتطوير المناهج، إذ أنّ علاقتي بالمعهد تعود إلي زمن بعيد يمتد قرابة (25) سنة، وأنا ممّن ساهموا في تأسيسه ووضع مناهجه. فكان مشروعي بتعديل المناهج السابقة لتتماشي مع مناهج اليوم. القضية قضية تغيرات، وتوجه جديد للمعهد كاملاً.

الآن وبعد مُضي فترة أقول أنني لم أستطع أن احقق كل ما أملت به، لأنّ الآليّة البيروقراطية تؤخر الإنجازات الفعليّة وقتاً طويلاً، حتي بعد الحصول علي الموافقات المطلوبة. وفي ذات الوقت كل عقبة نحاول حلها نكتشف خلفها عشرات العقبات الصغيرة التي قد تدفع المرء بتسلسلها اللا منتهي إلي اليأس، ولكن علينا الاستمرار في المحاولة.

المشكلة الثانية التي واجهت تطلعاتي، تمثلت في رغبتي في أن أكون علي علاقة أوثق بالطلاب، ولقائهم بمعدل مرة في الأسبوع، إلا أنّني وبسبب كم الأعمال المطلوب إنجازها في الوقت الحالي، لا أستطيع الخروج من مكتبي حتي السادسة أو السابعة مساءً. د. حنان: كأستاذة وعميدة للمعهد كيف ترين المستوي الفكري والعملي للطلاب، خاصة مع وجود تصورات سلبية كثيرة حول مدي فاعليتهم الحقيقية بعد إنهاء الدراسة الأكاديمية؟ منذ البداية أعترف أنني متحيزة للشباب في المُطلق، وأري أنني أستطيع فهمهم من حبي لهم، أنا أرفض اعتبارهم طلابا غير مجتهدين أو غير جادين مثلاً، وكأنهم سبب التدهور الثقافي الحاصل. أجل هناك تدهور ثقافي حاصل، وآخر معرفي، والدوافع للفضول المعرفي معدومة أجل. ولكن بلا شك طلاب المعهد العالي متميزون عن سواهم من طلاب الجامعات السورية، وأنا أقول هذا بحكم تجربتي التدريسيّة في الجامعة وكليّة الفنون الجميلة والمعهد. ربما يعود هذا إلي الشروط التي توضع في امتحانات القبول، إلي جانب الجو العام، الذي ساهم بتشكيل نموذج طالب المعهد العالي. وهو نموذج ليس إيجابيا دائماً للناس، لكن بالنسبة لي هو إيجابي، لأنني أري أنّ القدرة علي الجدل والنقاش وفرض الشخصيّة هي الأهم، وليست أمراً سلبياً، ويبقي المجال مفتوحا باتجاه التطوّر الإبداعي. إذن، إلي أي مدي يتباين جيل الشباب العربي عن نظيره الغربي في الاهتمامات، والقدرات الإبداعية، خاصّة ً وأنّ هذا الجيل يوصف بأنه جيل الضياع بعد جيل الهزائم والأحلام؟ هذا صحيح، عند المقارنة مع الشباب في الخارج نري فروقاً عديدة، تعود إلي احباطاتنا ومشاكلنا الخاصة، والمناخ السياسي العام في المنطقة العربية كاملة، الإحساس بالهزيمة إثر الهزيمة، أو عدم القناعة بوجود قانون دولي يُحترَم، دون نسيان الأيديولوجيات التي كانت تُسيّر جيلا بأكمله، وقد انهارت مخلفة فراغاً عميقاً، تتضافر مجموعة هذه العوامل وسواها لتخلق عدم الرغبة بالمعرفة، أو القناعة بالعلم. إلا أنّ العامل الداخلي الأهم هو الإحساس بالضياع الذي أسس له واقع التعليم لدينا، إذ لا توجد أي علاقة بين الاتجاه الذي يختاره الشاب كدراسة، وبين سوق العمل، ونوع الدراسة الجامعيّة محصور بما تؤمنه علامات امتحان الشهادة الثانوية، دون وجود أي طموح أو هدف شخصي من ناحية، ومن ناحية ثانية أنتج هذا الانفصال حالة بطالة واضحة، عكست لدي الطلاب في مراحل الدراسة شعوراً بالإحباط واللا جدوي.

هذه النقطة التي نحاول الآن تفاديها في المعهد، فهل أقسام المعهد الأربعة تنتج أشخاصاً فاعلين في سوق العمل، أم؟! إذ أثبتت الإحصائيات التي نعمل الآن عليها، أنّ الجواب لا، علينا إغلاق القسم الذي يُخرّج عاطلين عن العمل، فحيث لم تعد المعرفة ترفاً، لا يمكن السماح باستمرار هكذا قسم، وفي أفضل الأحوال نسعي إلي استبداله. هل قسم الدراسات المسرحيّة هو المرشح الأول؟ كلا، بالتأكيد إنّ مثل هذا التصوّر خاطئ. إذ أثبت القسم انه خرج اناسا أذكياء وذوي كفاءات ذهنية عالية، عملوا في الدراماتورجيا والإخراج والكتابة والصحافة. كل ما علينا هو توجيه دراستهم في المعهد لكي لا تكون عامة هكذا، باتجاه هذه الاختصاصات، مثلاً أن يكون في السنة الرابعة اختصاص إخراج أو كتابة، والاختيار عائد إلي الطالب وأين يري نفسه. وماذا بشأن بعثات المعهد التي توقفت منذ فترة؟ هذه خطة تابعة للدولة، كل سنة يتم إيفاد لاختصاص محدد، ثم يتوقف الإيفاد لهذا الاختصاص لفترة كي لا يغرق السوق. هذا العام تقدّم المعهد بطلب لحاجته الماسة لمجموعة اختصاصات يفتقدها، كصوت الممثل في قسم التمثيل. هذا إلي جانب وجود مجموعة من المنح الدراسية التي تقدمها المراكز الثقافية أو تؤمنها الاتفاقيات الثقافية، دون أن تكون تابعة لوزارة التربية.

لكن مع تزايد أعداد الشباب الراغبين في السفر إلي الخارج، ولا يستطيع المعهد أن يؤمن فرصا للجميع، كان البحث عن العمل في البلد كبديل حقيقي. هذه الفكرة كانت من أولوياتي في الإدارة، بمعني أن يلعب المعهد دور حاضنة للخريجين، كجهة داعمة للشباب في انطلاقتهم الأولي، بتأمين أماكن عرض أو المشاركة في تكاليف إنتاج العرض المسرحي أو نشر النصوص. في الجهة المقابلة نري أزمة أساتذة في المعهد وخبراء روسا، ورواتب، ما هي طبيعة الأزمة؟ وما هي الحلول المطروحة لتجاوزها؟ نحاول الالتفاف علي أزمة الاختصاصات التي ليس لها أساتذة مختصون، بطلب عمل تحضير إضافي من أحد الأساتذة المندفعين في عملهم ضمن المعهد، أو نطلب خبرات من الخارج. مثلاً في قسم السينوغرافيا نفتقر لاختصاصي في سينوغرافيا المعدات، وهي مادة مرتبطة مع العمارة بصلات متينة، فطلبنا من بيسان الشريف أن تدرّسها، لكونها مهندسة معمارية أكملت دراستها للسينوغرافيا في فرنسا، بالرغم من كونها من خارج ملاك المعهد.

أما الخبراء الروس فنحاول الاعتماد علي معالجة النقص بأساتذة مختصين من سورية، لأنّ الرواتب لم تعد تكفيهم، وخاصة علي ضوء العروض التي تقدم لهم من الخارج، في حين كان اعتمادنا سابقاً بشكل ٍ كلي علي الخبراء الروس.

في ما يتعلق بالأساتذة الموجودين الآن في المعهد، فأنا اعتبرهم متطوعين حقا، إذ أنّ الساعة بـ(90) ل.

س، وبعد العديد من الطلبات تمّ رفع المكافآت لتصل إلي (400) ل.

س. وهذا رغمّ سوئه فإنه أفضل علي المستوي النظري. دكتورة حنان، كثر الحديث عن أزمة مكان في المعهد؟ أجل المعهد يُعاني من أزمة شديدة في ضيق المكان، نحن بحاجة إلي استوديوهات للتمثيل وقاعات ليونة لطلبة الباليه. حالياً نعمل في إطار الممكن وندرس إمكانية تحويل بهو المعهد إلي قاعتي مشاهدة ومطالعة. ولكن في النهاية يبدو أننا بحاجة إلي فصل المعهدين رغم أسفي الشديد وإيماني بضرورة العلاقة بين المعهدين. هل ما زال الحديث عن مشروع توحيد المعهد مع الجامعة قائماً؟ أتمني أن لا يحدث ذلك، ولكن بكل أسف أجل هناك حديث عن ضم كل المعاهد المتوسطة والعُليا للجامعة. رغم قناعتي بأن مثل هذا الفعل سيؤثر سلباً علي المعهد، لأنّ خصوصيّة المعهد بارتباطه بالثقافة. السؤال الأخير دكتورة حنان، هل بإمكان المعهد الوصول يوماً إلي مرتبة المدارس التي أطلقت توجهات فكرية وفنيّة أثرت علي الإنتاج الثقافي العام لمجتمعاتها؟ هذا يتطلب تحفيز الإبداع والفرادة أكثر، وهذا ليس سهلاً لأنّ نظام التعليم المدرسي يقتل هذه الفرادة لصالح كليشيهات وتفكير مُنمّط الشكل، والمعهد لا يستطيع أن يُلغي في (4) سنوات ما تراكم عبر (12) سنة سيئة من دراسة الطالب.

ولكن يبقي المعهد العالي للفنون المسرحية بُقعة مُضيئة في البلد، من خلال طريقة القبول والتدريس والمنهجية المتبعة التي تنتج بتضافرها خصوصيّة المعهد العميقة، ويبقي الأمل مستمراً بأن نصل إلي حدود أن نطلق اتجاهات فكرية وفنية خاصّة بنا. الآن نحن نعمل علي أن يعود المعهد كما كان مركزاً فنياً وتعليمياً يستقطب المهتمين من كافة أنحاء العالم العربي أساتذة ً وطلاباً.QMS

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية