أنتِ البجعة البرية التي تتأهّب للهجرة كلّ شتاء
وأنا وليٌّ صالح أموتُ في شرنقة البخور والصلوات
أجدادك حكموا وتكاثروا
وأجدادي حكموا وورّثوا عروشهم لملائكة الموت
وكتبوا أسماءهم الحسنى بدماء شعوبهم
ولنفترضْ أننا مشينا معاً
وشربْنا قهوة معاً
ونمْنا معاً
وتعانقْنا وانتفضْنا من الشهْوةِ معاً
ولنفترضْ
أني كتبتُ لك قصائدَ
وحدثّتُ عنك كلَّ القراء
فأنتِ في نهاية المطافِ المجازُ
وأنا وليُّ شهوتي في صلواتي وبخوري وزاويتي
أنتِ كاليفورنيا
وأنا قرطاجُ التي تهاوتْ أعمدتها…
أرى حنبعل مصلوباً على أعمدة قرطاج
شاحبَ الوجْه
محدقاً في بوليسه الخشبيّ
لا دماءَ تنزفُ من يديْه ولا أثرَ لمعجزةٍ إلهية كما روتْ كتبُ الأوّلينَ
لا فيلةَ
ولا شهوةَ في الأصابع لفتحِ أبواب روما
يا سيّدي القيصر
لا ترسل جيشك إلى قرطاج
لا زرعَ هنا لنحصده
لا مطرَ أو غمام.. كأن لعنة أبدية صبّتها آلهةُ السماء على البلاد
يا سيدي القيصر
لا أرى غير محرقة وعويل
لا أرى سوى ليل طويل وصراخ
أرى حنبعل مصلوبا وألسنة اللهب تملأ سماء قرطاج
حنبعل لا ينام ليلا. ينظر في تجاعيد زرقاء فوق عينيه ويبكي بين أحضان امرأة تسكر بكأس دم من جثة طفل مذبوح على عتبات القصر.. حنبعل يبكي ويصرخ ويرفع يده عاليا طالبا التوبة.. يهلوس ليلا ويحلم بملائكة تنهش قلبه وتضع على جسده الهش عباءات من الدود. يرى أيوب واقفا على بيته فيبكي كأن طيرا يأكل من رأسه المثقوب .. حنبعل يفكر خلسة في الموت و يشم رائحة الدم ويرى في المرآة قبائل من الجنوب والشمال وقناصة يتربصون بغفوة عينيه ليفتحوا أبواب القصر. رجال يخرجون من قبورهم .. يخرجون يا حنبعل .. يخرجون ويسيرون كل آناء الليل باحثين عن بوابات قرطاج. ستكون ساعتها ملقى على الفراش تنخر عظامك ديدانُ الأرض وتمتد أصابعُك لكأس السُم. تسقط الكأسُ يا حنبعل. تتكسر ُوتنفجرُ تحت جثتك براكينُ من الدمِ والقيحِ والقنابلِ الفاسدةِ… يخنقُك الدخانُ وتصرخ كأنك تقتلعُ بأصابعك قلبَك الواهنَ من أرض قاحلة… تبتسم لملاك يغرسُ سكينَه بين عينيك وتسأل عن الملوك الذين بايعوك وشعبك الذي يجيئك بالقرابين.. أين شعبي الطيب؟ أين العذارى الكاشفات عن نهودهن على مشارف قرطاج؟ أين إله الزيتون والأعاصير؟ أين السيدة الأم المتوّجة حبيبة الإمبراطور وأم الشعب… لا أحدَ في المرآة.. لا هالات ملكية تحيط بقداسة هامتك.. ستخرج منها وحيدا الليلة حاملا كوابيسك ونياشين حروب واهية
يا سيدي القيصر
لا أرى غير محرقة وعويل
لا أرى سوى ليل طويل وصراخ
أرى حنبعل مصلوبا وألسنة اللهب تملأ سماء قرطاج
أنتِ السحابة الماطرة العابرة فوق جبال عالية
وأنا شجرةٌ قديمةٌ من زمن المسيح
لا أ صدّق نبوءة العرافين
ولا أرى أفقا تجري من تحته الأنهار
أرى دمي على الأرض
وأرى حنّبعل مصلوباً على أعمدة قرطاج.
زمن الثورة التونسية قبل سقوط الديكتاتور بأيام قليلة 2011
‘ كاتب وأكاديمي تونسي