حنة آرندت: حب تحت المجهر

كثيرة هي قصص الحب، تلك البراكين التي لا تلبث أن تخمد، ويعاد تدوير المشاعر، لتكون صالحة للاستعمال مع شخص آخر! يحدث هذا كل يوم. لهذا كان الحب من المفاهيم العصيّة على الشرح مداليلها. وكل الشروحات التي قُدمت كانت بمثابة مقاربات ليس إلاّ، وبقي الحب ذلك العطر الأكثر بلاغة من الوردة ذاتها. وهذا ما جعل المفكرين والفلاسفة يتحدثون عنه بحذر شديد. والحب جيوبه مثقّبة، فهو لا يستطيع العيش في الكتمان طويلا. ولأن النساء أكثر عرضة للمساءلة الاجتماعية، دائما هناك امرأة ينحسر ثوبها عن قصة حب مختلفة، قصة ينشغل بها المجتمع، قصة تعيد للحب اعتباره، يحدث هذا في كل الأمكنة، وفي كل الأزمنة أيضا. من تلك القصص العاصفة، قصة الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت (1906-1975) مع الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر(1889-1976).
في خريف عام 1924سافرت آرندت ذات الثمانية عشر ربيعا إلى كوينكسبريغ، للدراسة في جامعة ماربورغ، وهناك التقت بالفيلسوف مارتن هيدغر، وانتهى مفعول مسكنات الحب في حياتها، إلى أن ماتت! انقطاعات كثيرة مرّت بها علاقتهما، إلا أن حبل الحب لم ينقطع! ابتعدت، ورحلت إلى فرنسا، ومن ثم إلى أمريكا، وبقي هيدغر الأقرب إلى نفسها، بل تزوجت، ولم يكن زواجها أكثر من دور في حياة ممثلة بديلة، لم تلبث أن عادت إلى أحلامها بدور البطولة أمام هيدغر، وكأنها ليست تلك اليهودية – الصهيونية الملتزمة، وهيدغر ليس ذلك الفيلسوف الذي يؤمن بأن دور النازية في التربية من شأنه أن يحقق إنسانا جديدا؟ إن أي مطلع على قصة الحب التي عاشتها آرندت مع هيدغر، يشعر وكأن آرندت قد خرجت من إحدى روايات الكاتب النمساوي شتيفان تسفايغ (1881- 1924) حيث التضحيات دائما تكون من نصيب المرأة العاشقة! ودائما في قصصه ثمة خلل في طبيعة علاقة الحب وبنيتها.

يقول الكاتب المسرحي يوجين أونيل، في مقدمة إحدى مسرحياته: ينبغي أن يمنحنا المسرح ذلك المعنى الذي لم يعد بمقدور الكنيسة أن تمنحنا إياه. أعتقد أن الحب أولى بذلك من المسرح.

لم يلخص أحد حياة آرندت كما لخصها إرنست غيلز حين قال: «إن حياة هذه الناقدة اللاذعة، تجسد جملة الحياة الفكرية والسياسية في عدة قرون أوروبية». وباعتبارها كذلك ثمة سؤال يطرح نفسه، أيّ سرّ وراء استمرار تلك العلاقة بين الاثنين، رغم كل ما حدث بينهما من اضطرابات، وانقطاعات وخيبات أمل؟ هذا السؤال أثاره الكثير ممن درسوا حياة آرندت، وعلاقتها بهيدغر، وتباينت أجوبتهم، بعضهم نظر إلى تلك العلاقة انطلاقا من مقولة باسكال: إن للقلب عقلا لا يعرفه العقل. وبعضهم الآخر وضع تلك القصة في نطاق تنوعات الحب. وثمة من برر علاقتهما بناء على مقولة أفلاطون- منبع الإيروس والفلسفة واحد. والحقيقة قضية الإيروس هي حامل موضوعي للعلاقة بالنسبة لهيدغر، لأن مجونه الإيروتيكي، ومغامراته لم تقتصر على علاقته بآرندت (صوفي دوروتي، الأميرة مارغوت، أندريا فون، ماريلينا بوتشر وغيرهن.). وقادته هذه العلاقات إلى أزمات حادة مع زوجته، قرر على إثرها أن يعالج نفسه لدى الطبيب النفساني فيكتور إيميل فرايهير فون، لكن الإيروس كان أقوى من الطبيب، ومن رغبة زوجته بأن يكون لها وحدها، فاكتفت بأن تكون رئيسة حبيبات زوجها! وكانت آرندت تعرف ذلك، وتقول: أعتقد بأنني ما دمت على قيد الحياة، فإن زوجته مصممة على إغراق كل اليهود، لكن سأحاول أن أرتب الأمور في حدود الممكن.

إن معرفة آرندت بنفسها هي سبب التزامها بتلك العلاقة، فمن يجهل نفسه لا يؤخذ التزامه على محمل الجد. وهيدغر يعرف ذلك، لذلك تراه يصارح آرندت في إحدى رسائله، ويقول: إنني محتاج إلى حبها، فقد تحملت في صمت لسنوات طويلة، وبقيت مستعدة للتطور- يقصد زوجته- وفي الرسالة نفسها يقول لآرندت: إنني محتاج إلى حبك الذي احتفظت به في نبتته الأولى كسر، وهذا ما جعله عميقاً. هنا يحتاج المتبصر إلى الكثير من علامات التعجب. إذ أن هذا الوضوح قلما استعمله الرجال في رسائلهم الموجهة إلى حبيباتهم، ربما لأن هيدغر ينظر إلى الحب على أنه دخول الجديد في الكينونة، أي أنه ينظر إليه كحالة طوارئ، أو كما قال في إحدى رسائله لآرندت: لا توجد هناك نفس يمكنها أن تتحكم في دخول حضور الآخر في حياتنا. وكأنه يقول إن الحب فعل لا إرادي. وهذا الموقف يشبه إلى حد ما موقف آرندت من الحب، فالحب بالنسبة لآرندت ليس إحساسا إراديا، بل هو حدث Ereignis يمكن أن يقع لأي شخص. أعتقد أن هذا التشابه في نظرتهما للحب، هو الأرضية الصلبة التي قامت عليها العلاقة بين (حورية الغابة) كما كان يسميها، و(قرصان البحر) كما كانت تسميه. وكأن الحب كالجنس، لكي يعود لا بد من أن يتوقف. وكثيرا ما كان يتوقف، ثم لا يلبث أن يقفز من على سور الغياب، ويعود. كيف لا يعود وهي التي تقول صراحة: سأفقد حقي في الحياة ، إذا فقدت حبك.
يقول الكاتب المسرحي يوجين أونيل، في مقدمة إحدى مسرحياته: ينبغي أن يمنحنا المسرح ذلك المعنى الذي لم يعد بمقدور الكنيسة أن تمنحنا إياه. أعتقد أن الحب أولى بذلك من المسرح.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية