حنين أردني لـ«الحكام الإداريين» أيام زمان: جدل بعد توسع التوقيف الإداري وتطبيقات قانون منع الجرائم

بسام البدارين
حجم الخط
6

عمان ـ «القدس العربي»: يقطع الناشط الحقوقي الأردني البارز عاصم العمري مسافة تأمل سياسية مختلطة بالإطار القانوني والتشريعي والسلوكي أيضا وهو يلتقط المفارقة بين ما كان يحصل في الماضي في دوائر الحكام الإداريين في البلاد وبين ما يحصل الآن أحيانا في بعض مؤسسات الحاكمية الإدارية عندما يتعلق الأمر باستخدام صلاحية عقوبات التوقيف وحبس الحرية أما بدون مبرر منطقي في تقدير العمري أحيانا، أو بصيغة متعسفة يمكن الاستغناء عنها لأسباب وطنية عميقة ووجيهة أحيانا أخرى.

ما يريده العمري وهو يشرح لـ«القدس العربي» وجهة نظره في ملف التوقيف الإداري في الأردن، الذي يستعمل أحيانا في الاتجاه المضاد للحريات العامة ولأسباب سياسية أو أمنية، أن تعود الأمور بكل بساطة إداريا في جزئية توقيف المواطن خصوصا لأسباب غير جنائية إلى ما كانت عليه في الماضي. وما ألفه حراس العدالة والقانون سواء من المحامين أو من الموظفين البيروقراطيين الذين يقتضي واجبهم السهر على الأمن العام في البلاد والتصرف عند الضرورة والمستلزمات في سياق هذا الواجب.
يشرح العمري أن المحامي والوجيه والناشط والمواطن وحتى المسؤول كان يدخل إلى دائرة الحاكم الإداري لحل مشكلة في إطار من المحبة والتآلف الوطني وفي سياق تطبيق ما يصفه الفقهاء بروح القانون، بمعنى أن ما يعرفه الأردني عن الحكام الإداريين هو أنهم وسطاء نزع الأزمة وحل المشكلة، وهم الحلقة الإدارية ما بين الناس والجمهور ومؤسسات وأجهزة ووزارات الدولة.

الحنين للدور الإيجابي

يقر العمري بأن الحنين متاح لهذا الدور الإيجابي الذي يحرص على التوازن بمهارة وخبرة الحاكم الإداري وطاقمه وموظفيه ما بين الالتزام بتطبيق القانون ودرء المفاسد عن المجتمع وما بين تجنب تسييس الصلاحيات أو القرارات أو العقوبات فيما ما يحصل للأسف برأي العمري العكس أحيانا، حيث أن الحاكم الإداري ليس طرفا في خصومة أصلا بقدر ما هو في موقع الميسر والنازع لفتيل الخصومات سواء بين مواطن وآخر أو سواء بين مؤسسات الدولة وأي من المواطنين.
يفضل العمري وآخرون مهتمون بملف التوقيف الإداري أن تعود جميع أطراف حراسة القانون وأمن المجتمع في وزارة الداخلية أو في الدوائر الأمنية أو حتى بين جمهور المختصين والمواطنين إلى ذلك الفهم العميق كما كان في الماضي لدور الحاكم الإداري الميسر الذي يستخدم صلاحياته القانونية خصوصا عند حجز الحرية والتوقيف في إطار منطق متزن يعالج مشكلة ولا يتسبب بها.
لا يعلم نشطاء من خارج المربع الرسمي مثل العمري وغيره حجم التعقيدات الإدارية والبيروقراطية والأمنية الاجتماعية التي يتعامل معها يوميا من يكلف بمهمة الحاكم الإداري في الأردن.
أحد المحافظين المخضرمين أبلغ «القدس العربي» بأن المنتقدين والملاحظين ليسوا بالميدان، وبأن وظيفة الحاكم الإداري مرهقة ومعقدة والأعباء فيها زادت فيما الميزانيات المالية للتصرف محدودة للغاية مع التأشير على أن مجتمع اليوم مختلف لعدة اعتبارات عن المجتمع كما كان في السابق.
ويقر خبراء بأن دوائر الحكام الإداريين التابعة لوزارة الداخلية تحتاج إلى إدخال مفاهيم حديثة مع التعاطي مع الواجب الإداري وخصوصا الجانب الأمني منه.
ويقر هؤلاء أيضا بأن برامج التأهيل والتدريب وتحديث الإعدادات لمن يتولى وظيفة معقدة في المجتمع معنية بالحكم الإداري لا تزال قاصرة أو لا توفر لها الامكانات الإدارية اللازمة.

ماذا قال الوزير؟

الحاكم الإداري في المشهد الأردني هو حلقة الوصل الأولى المباشرة بين المواطن والدولة.
ومسؤوليات الحاكم الإداري ضخمة جدا ومجهدة ومعقدة وتمارس أحيانا في ظل تشريعات متضاربة، لكن الجديد وخصوصا بعد مخاوف المنظمات الحقوقية والحرياتية من توسع صلاحيات التوقيف الإداري لأسباب سياسية أن الحاكمية الإدارية تتحمل مسؤولية قرار التوقيف لصالح مؤسسات في الدولة لكن قرار الإفراج عن الموقوف ليس بيدها خلافا لنصوص القوانين في الواقع.
الأمر الذي يطرح إشكالية معقدة سياسيا وبيروقراطيا تحتاج معالجتها إلى غطاء سياسي أوسع وأعمق وأشمل.
يفهم وزير الداخلية الحالي مازن الفراية بوحكم خلفيته في الخدمة العسكرية مستوى هذه التعقيدات، ولا يخفي قناعته على هامش جلسة نقاشية مع «القدس العربي» بأن هيبة الحاكم الإداري هي تعبير عن هيبة القانون والدولة لكن الإجراء والقرار والتصرف خطوات تحتاج أحيانا إلى خبرات متراكمة.
لعل الفراية وزير الداخلية الوحيد الذي قدم «إفادة صريحة» بخصوص كيفية تنفيذ صلاحيات التوقيف الإداري مؤخرا، فقد أقر علنا في حوار تلفزيوني لصالح برنامج «مسارات» بوجود بعض الحكام الإداريين الذين يسيئون استخدام التوقيف الإداري، مشيرا إلى أنه في مثل هذه الحالات يتحدث شخصيا مع الحاكم الإداري، وفي حال تكرر الأمر يعاقب هذا الحاكم الإداري بغض النظر عن مستواه الوظيفي.
وشرح الوزير: تردنا ملاحظات يتهم فيها البعض الحكام الإداريين بالتعسف في استخدام صلاحياتهم بالتوقيف الإداري، وأحيانا يكون المواطن محقا وفي أحيان أخرى لا يكون محقا لأنه لا يفهم معنى التوقيف الإداري، موضحا أن التوقيف الإداري عقوبة قانونية من صلاحيات الحاكم الإداري، ضمن قانون منع الجرائم، وله شروط خاصة، وعادة يتم تطبيقها على مكرري السرقات وأي شخص يرى الحاكم الإداري أن وجوده بين المواطنين قد ينشأ عنه جريمة، أو التوسع في جريمة.
شروحات الفراية المثيرة تضمنت أن مدة التوقيف الإداري لا تزيد عن عام، ويقدرها الحاكم الإداري، وهو مربوط بكفالة مالية، ويخرج الموقوف في حال دفع هذه الكفالة فورا، ويحق للموقوف توكيل محامي أثناء توقيفه أو حتى قبل توقيفه، والتعليمات للحكام الإداريين بعدم التوسيع باستخدام هذه الصلاحية، إلا بما يحافظ على السلم المجتمعي، معتبرا ان التوقيف الإداري المستخدم بالتوقيت المناسب ساهم كثيرا في الحد من الجرائم، أو التوسع بحدوثها.
رغم تلك الشروحات يصر الراصد الحقوقي الإسلامي خالد الجهني والعمري وغيرهما على حصول «تجاوزات» لا تعالج بالقدر المطلوب.
بالمقابل لا يمكن معرفة خطة الوزير فراية ولا الحكومة لا في مجال ملف الحكام الإداريين الذين يحترمهم المجتمع ويقدرهم بالعادة ولا في ملف أهم هو التوقيف الإداري وأحيانا لأسباب سياسية وليس جنائية.
ويحصل ذلك ليس لسبب مرتبط بوزارة الداخلية أو طاقمها بقدر ما هو مرتبط بتعدد المرجعيات أحيانا وبتعدد الآباء وبتعدد أنماط صلاحيات الضابطة العدلية.
صعدت دوائر الحاكمية الإدارية في الأردن إلى مسرح الأضواء مؤخرا أكثر من أي وقت مضى بعد تسجيل عشرات التوقيفات الإدارية المرتبطة باعتصامات الحراك الشعبي المناهض للعدوان الإسرائيلي على غزة.
اضطر حكام إداريون لتنفيذ قرارات توقيف في محافظات متعددة وفي بعض الحالات استنتج الجهني وهو يشرح لـ«القدس العربي» بأن من يتخذ قرار التوقيف لأي سبب عليه أن يمتلك الحق في الإفراج عن الموقوف عند انتفاء السبب أو معالجته، وهذا لا يحصل مع توقيف نشطاء الحراك، فيما يقدر الجهني أنه اعتداء ليس فقط على الحريات العامة ولكن على نصوص القانون.
ما يعتبره الجهني مؤلما وموجعا وطنيا هو صدور قرارات قضائية بالإفراج عن موقوفين إداريين ثم عدم صدوع الحاكمية الإدارية لهذه القرارات في عناصر وثقتها في تقرير خاص بتوسع تقارير الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان.
خلافا لذلك تطبق مراكز التوقيف الأمنية عملية إيداع مؤلمة للموقوف أحيانا في محافظات أو مدن بعيدة وبصيغ قد تكون انتقامية أو ثأرية.
والمقصود هنا في واحدة من المفارقات السياسية وليس القانونية فقط أن نص القانون الذي يتيح للحاكم الإداري توقيف المواطن «وقائيا» بصرف النظر عن السبب ينبغي أن يتيح له الإفراج عنه إذا زال السبب ما لم يقرر القضاء الاستمرار بالحبس.

التوقيف الإداري والقضاء

ما يطالب به النشطاء السياسيون ان توقيفات الشارع الشعبي سياسية الطابع ينبغي ان تقف وتلغى بعد القرار القضائي والعرض على المحكمة وهو ما لم يحصل مؤخرا عدة مرات ما دفع برأي العمري وآخرين بدون مبرر دوائر الحكام الإداريين إلى تسليط الضوء عليها بشكل غير مسبوق وبصيغة توحي بحصول أو وجود خلل ما.
في السياق أشارت تقارير حقوقية متعددة رصدتها «القدس العربي» إلى أن تطبيقات التوقيف الإداري تنطوي على «شبهة مخالفة أحكام الدستور» والأصل النصي هنا هو المواد «15 و7و 128» من الدستور الأردني الذي يشكل البنية التحتية لحرية الرأي والتعبير، وللتسهيل تنص الفقرة الأولى من المادة 15 على أن الدولة تكفل حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول أو الكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون.
أما المادة 7 فتنص على أن الحرية الشخصية مصونة، وأن كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون.
«ولا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها».
وما يلاحظه مختصون من حجم العمري أن هذا الفهم للنص الدستوري يغيب أحيانا عندما يتقرر إداريا «حبس حرية مواطن» خصوصا إذا اعتبر الحاكم الإداري الحبس عقوبة «وقائية» نتجت عن رأي أو موقف.
عليه قدرت دراسة عرضت في ورشة عمل لنقابة المحامين أنه لا بد من القول بالرغم من الفصل بين السلطات المنصوص عليها في الدستور إلا أنه في التطبيق العملي هناك تغول تاريخي من السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية.
والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها طلب كفالات مبالغ فيها لمشاركين في اعتصامات مسجد الكالوتي وسط عمان العاصمة، وأخرى عندما يحكم القضاء ببراءة أو عدم مسؤولية شخص يقوم الحاكم الإداري بتوقيفه مستخدما الصلاحيات التقديرية الواسعة والفضفاضة التي تتيحها نصوص قانون منع الجرائم رقم 8 لسنة «1954
واعتبرت الدراسة نفسها والمنشورة إلكترونيا: أنه من المعروف أن قرارات الحكام الإداريين تخضع للطعن أمام القضاء الإداري الذي أصدر قرارات تاريخية بإلغاء قراراتهم وتعويض المتضررين إضافة لما أصدرته المحاكم النظامية.
ومن القرارات المهمة قرار محكمة العدل العليا 28/94 (المنشور بمجلة نقابة المحامين سنة 1994 ص 2031) والذي جاء فيه: «لا يجوز للمحافظ أن يتعقب المستدعى الذي أحيل من الشرطة إلى المدعي العام بجرائم محددة، ويستعمل صلاحياته المخولة إليه بموجب قانون منع الجرائم قبل أن يفصل القضاء فيما أسند إليه من جرائم. وعليه فيكون قرار المحافظ وضع المستدعى تحت مراقبة الشرطة وفرض قيود الإقامة الجبرية عليه لمدة ستة أشهر على أن يثبت وجوده مرة واحدة في اليوم لدى مركز الشرطة المختص مخالفا للقانون».
لم تعلق وزارة العدل على تلك الحيثيات، والنقاش في الحالة الأردنية بقي مفتوحا بخصوص ظاهرة التعسف باستعمال صلاحيات الحكام الإداريين وندرة استجابتهم في الأحوال السياسية والشعبية لقرارات الإفراج التي تصدرها المحاكم أو حتى النيابة أحيانا.
والمعروف أن الحاكم الإداري لا يملك صلاحية التوقيف إلا بموجب «قانون منع الجرائم».
والأصل وجود غطاء قضائي لقرارات التوقيف الإدارية وربط بمبدأ الكفالة العدلية، ويرى الخبراء أن الحاكم الإداري يوقف شخصا ما لصالح «شكوى جهة رسمية» فقط وليس بموجب صلاحيته.
وعلى تلك الجهة متابعة الغطاء القضائي لكن ما يحصل أحيانا أن توقيفات لأسباب سياسية يقررها الحاكم الإداري لكنه لا يسيطر عليها لا من حيث فترة التوقيف ولا المحاضر أو التحقيقات ولا من حيث الإفراج والمتابعة القضائية، ما يجعل خلافا للمألوف برأي العمري قرارات التوقيف الصادرة عن موظفي وزارة الداخلية في الاتجاه المتكاثر الآن لسلب الحريات الأساسية في المجتمع والمكفولة دستوريا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية