حوار التجريب ينسج حقولا ملونة وأقمشة مزخرفة مع إل أناتسوي

في مقصورة القطار الفخمة تتعاقب الصور كشريطٍ سينمائي، أو ما يُسمّى السرعة في السكون. النافذة مرآة نابضة يمتزج فيها عالم القطار الخارجي الفسيح بعالمي الداخلي الصغير.
هي الطريق بين باريس وأمستردام، حيث تمرّ المدن برشاقة وهدوء وأنا مسترسلة في تحريك شاشة هاتفي، فالإنترنت متوفر ودون انقطاع، بهدف اختيار متحف أزوره فور وصولي المدينة، لكسب الوقت على حد تعبير ابني، قبل انشغالي بموعد تخرّجه ونيله الدكتوراه في اليوم التالي.
وبشغفي بعالم التعبيرية، وقع اختياري على متحف مدينة أمستردام stedelijk museum amsterdam وهو أكبر متحف للفن والتصميم الحديث والمعاصر في هولندا، حيث يحتوي على أكبر مجموعة من الأعمال التعبيرية الألمانية، والتعبيرية التجريدية الأمريكية. لكن في الحقيقة أنني عندما أزور متحفا في العالم، يبقى هنالك عمل فني أو أكثر لا يغادر مخيلتي، يشغل بالي ويثير قلق المعرفة لديّ، فتقفز الأسئلة الحائرة كيف يختار الفنان خامته، وما هي الظروف الحسية التي تقوده إليها، كي يعمل على صياغتها وتوليفها بطريقة تحقق له أقصى عطاء تشكيلي وتعبيري؟
هي الصفائح المعدنية للفنان إل أناتسوي El Anatsui التي أحدثت لديّ دهشة تفاعلت مع أسئلة، علّ الأسئلة تقودني إلى إدراك حوار التجريب، الذي يعمد الفنان من خلاله إلى تحويل صفائح معدنية لأغطية زجاجية بأشكال وطرق مختلفة، فيحولها إلى «قماش معدني» يحاكي تقاليد النسيج الافريقي. اقتربت من المنجز الضخم الذي يغطي الجدار بأكمله (10X6m) أدقق في تفاصيله ومواده وكأنه معجزة. هذه الستارة المعلقة عبارة عن عمل فني ضخم، مصنوع من الألمنيوم والأسلاك النحاسية وأغطية الزجاجات المعاد تدويرها، وكأنها ستارة تتمايل بتثاقل على الجدار، أو كما وصفتها روبرتا سميث في «نيويورك تايمز»: «وتتميز ستائره وثنياتها بحضور نحتي حسي، لكنها تتمتع أيضا بشجاعة ساحرة لا يمكن إنكارها» فهي تقدم أفكارا حول وظيفة الأشياء (تدميرها وتحويلها وتجديدها) في الحياة اليومية، ودور اللغة في فك الرموز المرئية.

المغامر الجريء

قبل ثلاثة عشر عاما من استقلال غانا عن بريطانيا العظمى، ولد أناتسوي (1944) في قرية أنياكو في غولد كوست لاجون. أضاف لاسمه «إل» لاحقا، في منتصف العشرينيات من عمره، استوحاه من قائمة الكلمات الإلهية. كان والده صيادا وحائكا، لكن أناتسوي، الأصغر بين اثنين وثلاثين طفلا، نشأ في منزل إرسالية بعد وفاة والدته، فتعلم الانضباط الذي ميّز حياته كفنان: «أنت تفعل ما هو ضروري – فقط – ولا تهتم بالإسراف«.
هو أحد أبرز الفنانين الأفارقة، اقتنت أعماله كبرى المتاحف العالمية. غادر موطنه وعمل أستاذاً في جامعة لاغوس في نيجيريا (1975) وهذا ربما زاده حنينا وعمّق شعوره بموطنه الأصلي؛ فالمسافة يمكن أن تجعلك تصل إلى مستويات جديدة من التعاطف أو الشعور بها، لذا فإن الابتعاد عن أي تضاريس معتادة يوفر تدفقا للأفكار. وهكذا تطلع إل أناتسوي إلى ما وراء حجرة الدراسة بحثا عن طرق «لتوطين جمالياته«.
فاز بالعديد من الجوائز المرموقة في عالم الفن أبرزها في عام 2008 فوزه بجائزة الأسد الذهبي لإنجاز العمر في بينالي البندقية، على الرغم من كل هذا، فإن العديد من زوار المتاحف غير الرسميين يعرفون أناتسوي فقط على أنه الرجل الذي يستخدم المواد القابلة لإعادة التدوير، لصنع مجسمات فنية تحاكي قماش kente (قماش أفريقي ينسج على نول خاص) في الوقت الذي جذبت مجسماته من غطاء الزجاجة الجمهور الأكثر تأثيرا في عالم الفن.

الحقول الملونة والمزخرفة

إنّ الفنّانين يُعبّرون عن مَشاعرهم تجاه مجتمعهم والطبيعة، وما تظهره الحياةُ لهم، من خلال استخدام الخامة كوسيط مادي في بناء العمل الفني؛ وللخامة عند أناتسوي إمكانات تشكيلية وتعبيرية متعددة، تشبه تماوج الحقول الملونة والمزخرفة، استفاد منها الفنان برؤيته الواعية واللاوعية فروّضها لتأكيد أفكاره الفنية وتناغمها مع قيمه التعبيرية، وليحقق من خلالها أفكارا إبداعية ملهمة. كتب أناتسوي «عندما يتم تدمير وعاء قديم، فإنه يعود إلى الحياة، ما يوفر تلك الخبرة الكبيرة التي تعزز الشكل«.
لم يكن الفنان يعرف ماذا يفعل بأول أغطية زجاجات جمعها، كان مشغولا بتجربة المعادن المستعملة الأخرى، وكان معظمها أحمر وذهبيا مع جوانب فضية وأسماء تجارية مثيرة للذكريات، تتغير كل بضعة أشهر. لكن اهتمامه الأول كان في ما يمكن أن تفعله أغطية الزجاجات، وما هي الأبعاد الجديدة التي قد تفتحها في سعيه لتحقيق المرونة والحرية. يقول: «لقد أثبتت أنها مادة مثالية – حية، مرنة، محلية، متوفرة ورخيصة» بل هي «أكثر تنوعا من القماش والزيت» كما كتب أناتسوي مؤخرا في «الغارديان».

تميزت أعماله الفنية بتركيب الآلاف من أغطية المشروبات الغازية والكحولية، وأحيانا تصل إلى مليون غطاء، ويقوم بتركيبها حسب تصوره الخاص في تناص بصري بديع.. كما أن أعماله تعتبر نموذجا في فن التدوير والمحافظة على البيئة.
المبدأ الأساسي لعمله هو «الشكل غير المثبت» الذي يترك التكوين النهائي لنحته للمنسقين وهواة الجمع، لأنه يعتقد أن صالات العرض يجب أن تكون جزءا من العملية الإبداعية، فهو يصمم العمل من خلال أقسام قابلة للفصل، وغالبا ما لا يستطيع الفنان التأكد من الشكل الذي سيبدو عليه التكوين بالضبط حتى يتم تثبيته. وهذا يساعد الفنان بترتيب العمل وصقله، بشكل مختلف كل مرة، تحت أسماء ومظاهر أخرى، فلا أحد يرى نفس أناتسوي مرتين.

نسيج اللون والخامة

يقول رولو ماي R. May عالم النفس والمفكر الوجودي الأمريكي، في كتابه «شجاعة الإبداع»: إن الإبداع يَحدث «في فعل من المواجهة».
المواجهة عندما لا يكتفي أناتسوي بمادة واحدة، إنما يلتقط كلّ الأشياء التي تُستعمَل في الحياة اليومية كوسائط في أعماله، مثل علب الحليب وعوارض السكك الحديدية، والأخشاب الطافية، والمسامير الحديدية وألواح الطباعة وغيرها.. لكن أبلغ لغة استخدمها كانت أغطية الزجاجات التي تحتاج إلى عمل يدوي مضنٍ لتسطيحها ثم تقطيعها وتقويسها، وكذلك استخدام أسلاك نحاسية لربط العناصر ببعضها كنسيج يدمج بين اللون والخامة، فيبث من خلاله الحياة والحركة والحيوية، ولتقديم بانوراما تاريخية شاملة للتنوّع والإبداع في تقاليد المجتمعات الافريقية.
مارس الفنان على هذه الأغطية كل أنواع الضغط والتحوير، من القَطع والتسطيح والتشكيل واللف والطي والتجميع لآلاف من هذه الأغطية التي انحصر عملها في البداية كغطاء لزجاجة ليس إلا، لكن في هذا التنوع من التحوير يمكننا قراءتها على أنها رمز للتفاعل، كما هي حال المجتمعات البشرية، بل هي تذكير مادي عميق بأن الفن مثل الحياة.
يصنع إل أناتسوي أعمالا من أغطية لولبية لزجاجات المشروبات الكحولية، تركيباته الفنية تثير المشاهد بفعل قياسها الضخم، وليونتها رغم صلابة المادة، وعند تفحصها الدقيق تمارس سحرا خاصا على المتلقي، بتفاصيلها الشبيهة بصياغة الجواهر. يوضح أناتسوي أن أصغر أجزاء من الخردة المعدنية يمكنها رسم مجالات اللون والملمس بشكل جميل مثل لوحة لجورج سوراه.

حوار التجريب

يسعى إل أناتسوي بإنشاء هذه الأعمال من خلال العمل التعاوني لعدد لا يحصى من المساعدين. فأغطية الزجاجات عبارة عن نفايات مُعاد تدويرها، في حين أن الكحول الذي تحتويه الزجاجات، كان يستخدم مرة واحدة كوسيلة للتبادل في أيام العبودية. فتناولت أعمال أناتسوي الضخمة التاريخ الاستعماري لافريقيا، والجوانب السلبية للعولمة وعالم المستهلك، فضلا عن الاهتمامات البيئية. فعندما ابتكر الفنان أول عمل فني له مع مواد محلية حصرية، وجد بعدها أن هذه العناصر من بيئته الخاصة هي التي تقود أفكاره للحياة، والتي من شأنها أن تظلّ الشغل الشاغل طوال حياته المهنية.
يصف أليكس وورث من «نيويورك تايمز» أعمال أناتسوي بأنها «تحفة فنية تحطيمية: كائنات ذات يوم دنيوي تُحوّل بشكل دائم توقعاتنا حول ما هو الفن، ومن أين يأتي على منوال عجلات الدراجات نفسه عند دوشامب أو كونز».
في البداية تقودك الدهشة إلى هذا الربط المبهم، تمسك بك ولا تدعك تغادر مناطق انشغالاتها محاولا كشف مكنونات تفاصيل هذه التجربة وتجلياتها المعبّرة. لنكتشف لاحقا أن إحدى أفكاره تتبنى فكرة أن الفن قادر على التعامل مع المسارات المعقدة للتاريخ والذاكرة والوقت، وكيف تُشكّل هذه القوى المجتمع البشري. يسير هذا النهج جنبا إلى جنب مع استكشاف أناتسوي المستمر لتأثير القوى العالمية الاستعمارية وما بعد الاستعمار في الثقافات الافريقية، ما يعطي عمله سببا مفاهيميا عميقا.
تجاربه تلغي الحدود بين النحت والرسم والتركيب والتجميع، فتتجلى عناصر عمله الفني في حالة قصوى من التعارض بين السكون والحركة لإنتاج إحساس بالليونة حينا والحدية أحيانا، بين الثنايا الدافئة للون وتلك المستلقية في عمق البرودة للمعادن. فالشكل المؤلف من تلك الخطوط والألوان ذات الملمس الناعم الصقيل والزاهية كحقول ملونة بألوان الربيع، تنقل معاني الرقّة والابتهاج، لتخلق حلما بلغة الألوان، ولترسم حالة حب أو مسار حياة من خلال ثنائيات مترابطة يذوب الواحد منها في الآخر.

أكاديمية وتشكيلية لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية