حوار الدين والعقل بين يورغن هابرماس وجوزيف راتسينغه
رشيد بوطيبحوار الدين والعقل بين يورغن هابرماس وجوزيف راتسينغه أي دور يمكن أن يلعبه الدين في حياتنا المعاصرة؟ قد يبدو هذا السؤال غريبا بالنسبة للقارئ العربي. ذلك أن الدين يعلب دورا كبيرا، ولربما دورا أكبر من حجمه في الحياة اليومية للمواطن العربي. لكن طرح السؤال في مجتمعات أوروبية تعرف فصلا واضحا بين الدين والسياسة، يظل سؤالا ذا أهمية كبيرة. فكما تعاني المجتمعات الاسلامية من تضخم في دور الدين أو من مبالغة في استعماله وسوء استعماله، تعاني المجتمعات الغربية من تغييب شبه شامل للدين وتقديس للعقل وللمنجزات العلمية. وفي كلتا الحالتين يكون الانسان هو الضحية وتكون العلاقة بين الثقافات والرؤي الي العالم، العلاقة السليمة القائمة علي الحوار والتعلم من الآخر هي الغائبة. لربما تكون هذه بعض المنطلقات التي دفعت كلا من الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس والكاردينال السابق والبابا الحالي جوزيف راتسينغه للدخول في حوار حول العلاقة بين المجتمع العلماني والدين، وأي دور يمكن أن يلعبه الدين في زمن استنساخ الجينات، وتلوث البيئة وصراع الحضارات؟ جدل الدنيوة: حول العقل والدين هو عنوان الكتاب الذي صدر مؤخرا عن دار هردر الألمانية، وهو يضم بين دفتيه الحوار الذي جمع بين الفيلسوف الألماني ورجل الدين. فبدعوة من أكاديمية بافاريا الكاثوليكية التقي الاثنان يوم الاثنين التاسع عشر من كانون الثاني (يناير) عام 2004. لقاء كما جاء في مقدمة الكتاب التي أنجزها أحد رموز الكنيسة الكاثوليكية وهو فلوريان شولر، عرف اهتماما عالميا كبيرا وتوصلت الأكاديمية بأسئلة حوله من المغرب وحتي ايران.موضوع الحوار كان الأسس الأخلاقية ما قبل السياسية للدولة الليبرالية. والحوار بين الاثنين يذكر كما قال كاتب المقدمة بالحوار الذي جمع في القرن الثامن عشر بين بابا يحمل نفس الاسم بينيدكت والذي حكم الكنيسة من 1740 وحتي 1758 وأحد أهم مثقفي ذلك العصر وأكبر رموز الفكر التنويري فولتير.وتماشيا مع بنية الكتاب، سنسلط الضوء بداية علي موقف هابرماس من سؤال ما اذا كانت الدولة الليبرالية تقوم علي أسس أخلاقية قبل ليبرالية؟ ويعيد هابرماس طرح سؤال فولفغانغ بروكنفورده الذي طرحه في الستينات: ألا تقوم الدولة الليبرالية علي أسس معيارية، لا تستطيع بنفسها أن تحافظ عليها؟ وبطريقة أوضح، هل تستطيع الدولة الديمقراطية أن تجدد وتنتج دائما أسسها المعيارية، أم هي في حاجة الي رؤي الي العالم دينية وأخلاقية خارجة عنها؟الليبرالية السياسية يقول هابرماس، تفهم نفسها كشرعنة غير دينية وما بعد ميتافيزيقية للأساس المعياري للدولة الديمقراطية. وصحيح أن تاريخ اللاهوت المسيحي في القرون الوسطي وخصوصا السكولائية الاسبانية المتأخرة تنتمي الي جينالوجيا حقوق الانسان. لكن الأساس الشرعي للدولة المحايدة يتولد في النهاية عن مصادر دنيوية هي فلسفة القرنين السابع والثامن عشر. إن الدستور حسب هابرماس هو المرجعية الأخيرة في الدولة الليبرالية. لكنه دستور اختاره المواطنون ولم يفرض عليهم من فوق. إن الدولة الدستورية هي دولة قانونية في عمقها، والقانون يخترق السلطة السياسية في العمق. وفي الدولة الدستورية لا وجود لذات متسلطة تتغذي علي جوهر ما قبل قانوني كما هو الحال زمن حكم النبلاء. هابرماس يدافع عن مفهموم للدولة، مفهوم اداتي وغير جوهراني يضرب بجذوره في فلسفة كانط الأخلاقية ويتأسس علي عقل يشترك فيه كل المواطنين. وبهذا المعني، فإن دستور الدولة الليبرالية ينتج شرعيته بنفسه دون اللجوء الي مصادر دينية أو ميتافيزيقية. ولكن كيف ينتج نفسه التضامن داخل مجتمع المواطنة؟ أن يضحي المواطنون من أجل الآخرين، أن يتضامنوا مع الآخرين؟ يري هابرماس ضرورة وجود فضائل سياسية بالنسبة للدولة الديمقراطية، وهو أمر يرتبط بالتربية والتعود علي ممارسات الثقافة الليبرالية، والمجتمع المدني يعيش علي ينابيع عفوية أو حتي قبل سياسية. لكن ذلك لا يعني، كما يقول هابرماس، أن الدولة الليبرالية عاجزة عن انتاج أسسها الأخلاقية من داخلها. ويري أنه رغم أن مشاركة المواطن في السياسة تقوم علي نظرة الي الحياة أخلاقية وتتأسس علي أشكال ثقافية محددة، لكن لا يجب نسيان أن العملية السياسية تنتج عن دينامية سياسية خاصة بها. ويري هابرماس أنه رغم أن اللغة والدين والشعور الوطني قد لعبت دورا في ظهور تضامن مواطني الا أن الدولة الليبرالية قد تحررت ومنذ زمن من هذه الأسس.لكن هابرماس يدافع في نهاية تدخله عن فلسفة غير مكتفية بذاتها، عن فلسفة مدركة لبنيتها ولموقعها غير المستقر في البناء المتعدد للمجتمع الحديث. إنها فلسفة لا تسير علي خطي كانط وهيجل محاولة أن تحدد ماذا تبقي من الخطاب الديني، أو ما الخطاب الديني وهل صحيح هو هذا الخطاب أم خاطئ. إنها فلسفة تقوم علي احترام الخطابات الأخري وأشكال الحياة الأخري. ليس فقط ذلك، بل مستعدة للتعلم من الخطاب الديني. وينهي هابرماس تدخله بالقول بأن الدولة المحايدة تضمن الحريات الأخلاقية لكل مواطنيها، وهذا يتعارض مع فرض لنظرة دنيوية علي مجموع المواطنين، ولا يحق وفقا لهذه النظرة لأنصار الدنيوة أن يحجبوا حق الكلام عن المتدينين، بل إن دولة ليبرالية من حقها أن تنتظر من العلمانيين ما هو أكثر من ذلك، كتابة الخطاب الديني بحروف الدنيا.أما راتسينغر فيؤكد علي ضرورة طرح سؤال السلطة؟ وكيف يمكن تحديدها قانونيا وأخلاقيا، في وقت يمكن فيه لسلطة الانسان علي الأرض أن تكون مدمرة. ولا يمكن للعلم أن يمنحنا هذا الأساس الأخلاقي أو هذا الوعي الأخلاقي الجديد، بل من واجب الفلسفة اليوم أن تنظر إلي هذا العلم نظرة نقدية وإلي مسلماته حول الانسان وأصله والهدف من وجوده بنوع من الشك، عليها أن تنفتح علي أبعاد الحياة الأخري، والتي لا يمثل العلم الا جزءا منها.ومن واجب السياسة أن تحدد السلطة قانونيا وتنظم دورها. وليس قانون الأقوي من يجب أن يسود، يقول راتسينغه ولكن قوة القانون. ويتابع بأن الحرية التي لا يحكمها القانون: فوضي، وبالتالي فهي مدمرة للحرية نفسها. والشك بالقانون، لا يولد الا في اللحظة التي يتوقف فيها القانون عن خدمة العدالة. ورغم أن ذلك لا يتحقق الا في مجتمع ديمقراطي، ويعني بذلك خدمة القانون للعدالة، إلا أن الديمقراطية القائمة علي فكرة الأغلبية كما يقول راتسينغه وكما هو واقع الحال فعلا، قد تضحي بحقوق الأقلية من أجل الأغلبية. فحتي الأغلبية كما يقول راتسينغه يمكن أن تكون عمياء وغير عادلة، والتاريخ يثبت ذلك. فكم من الأقليات الدينية أو العرقية تم قمعها من طرف الأغلبية. وهذا يدفع الي طرح السؤال حول ما اذاكان هناك شيء سابق علي كل قانون: أساس أخلاقي أو ديني. وطبعا هذا ما تحقق في اعلان حقوق الانسان والذي حد من سطوة الأغلبية علي الأقلية. ومع ذلك فما زالت حقوق الانسان كما تفهم في الغرب بعيدة عن التطبيق في أرجاء واسعة من العالم كما هو الحال في الصين أو في العالم الاسلامي.ويري راتسينغه أن العالم يقف أمام خطرين، أحدهما يتغذي من الدين والآخر من العلم. الأول هو الارهاب، والذي قد يجعلنا نفهم أن الدين خطر علي البشرية وأنه لا مناص من تجاوزه. والثاني هو الاستنساخ الجيني والذي ينظر إلي الانسان كأي شيء يمكن صناعته والتخلص منه برميه في القمامة أيضا علي حد تعبيره. وما يخفي ذلك من قبر للأساس الأخلاقي للانسان. ويري راتسينغه ضرورة الشك بالعقل، ووضع حدود لسلطته، أليس هو في نهاية المطاف من صنع القنبلة والمسؤول عن عملية استنساخ البشر؟يلتقي كل من هابرماس وراتسينغه في أمر أساسي، ضرورة التعلم من الآخر. وبلغة أخري ضرورة إقامة حوار مستمر بين العقل والدين، وبين الثقافات علي تعددها واختلافها. فكما يقول راتسينغه لا العلم الغربي ولا الدين المسيحي يملكان تلك العالمية، فكلاهما نتاج تجربة وسياق تاريخيين ولهذا لا بد من الدخول في حوار مع الثقافات الأخري. ويلتقي راتسينغه مع المفكر الايراني الذي سأل هابرماس خلال زيارته لايران، إن لم يكن الطريق الغربي طريقا خاصا بالغرب، طريقا يحتاج إلي تصحيح. ويعني بالطريق الغربي، سيرورة الدنيوة التي عرفتها المجتمعات الغربية ويري راتسينغه أن الغرب يجب أن يفهم محلية سيرورة الدنيوة هذه وألا يحاول فرضها علي الآخرين. يلتقي رجل الدين مع مفهوم هابرماس عن المجتمع ما بعد الدنيوي ومناداة هابرماس بضرورة التعلم من المعسكر الآخر. ويري أن هناك أمراضا دينية لا بد من معالجتها وطريق علاجها كما رأي ذلك آباء الكنيسة يكون بعرضها علي العقل، كما أن هناك أمراضا للعقل خطيرة، وهنا يلعب الدين دورا في تحريرنا منها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان العقل مستعدا لسماع الآخرين والتعلم منهم. راتسينغه يدافع عن نوع من التوفيق بين العقل والدين، فكل واحد منهما في حاجة إلي الآخر. والعقل هنا لا ريب هو المدنية الغربية والدين هو المسيحية ولكن لا يجب مع ذلك تهميش رؤي العالم الأخري يقول راتسينغه بل يجب الدخول في حوار مع تلك الرؤي، حوار يقبل تعدد الأصوات كما الرؤي.كاتب من المغرب يقيم في المانيا0