حوار السلميّين والمدججين بالسلاح لحقن الدماء

سيداحمد علي بلال
حجم الخط
0

يمثل الاتفاق السياسي، الذي وقع عليه كل من الفريق أول عبدالفتاح البرهان ود. عبدالله ادم حمدوك، في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 تطورا هاما في المشهد السياسي السوداني؛ وقد صرح حمدوك نفسه، في أول لقاء تلفزيوني أجراه بعد التوقيع، مع قناة «الجزيرة» بانّه لا يجد له وصفا غير انه استيلاء على السلطة بالقوة المسلحة، أي انقلاب عسكري. وقد اعتبره كثيرون محاولة لقطع الطريق أمام تولي المكون المدني لرئاسة مجلس السيادة.
ينص الاتفاق السياسي الذي تم التوقيع عليه يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر، والمكون من 14 بنداً، في بنده الأخير، على انّه «بالتوقيع على هذا الاتفاق السياسي يُلغى قرار القائد العام للقوات المسلحة بإعفاء رئيس مجلس الوزراء الانتقالي». ولا يقول عبدالله حمدوك انه وقع على الاتفاق السياسي مجبراً وإنما لكي «يحقن دماء السودانيين».
لقد ظل حمدوك «رهينة» أو «رهن الإقامة الجبريّة» أو «رهن الاعتقال» من يوم 25 تشرين الأول/اكتوبر وحتى صدور «العفو» أو «الإعفاء» عنه في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر بالتوقيع على ذلك البيان السياسي. ويتبادر للذهن السؤال: هل كان البرهان يبحث خلال تلك الفترة عن رئيس وزراء آخر أم انه لم يفكر أساساً في استبداله بآخر؟ هل هي فترة للتطويع أم للترقيع أم للتدقيق في التشريع والصياغة لمثل هذا البيان السياسي؟

تفاعل نصوص

لا يمكن قراءة هدا الاتفاق السياسي بمعزل عن بيان الفريق أول عبدالفتاح البرهان في 21 تشرين الأول/أكتوبر الذي أعلن فيه «حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد» و «حل مجلس الوزراء» و«حل مجلس السيادة وإعفاء أعضائه» و«إنهاء تكليف ولاة الولايات» وهو بيان يبدو للوهلة الأولى موجها لكافة الشعب، لكن فقرته الأخيرة تقول بانه موجه إلى الجيش. فالفقرة الأخيرة تقول «التحية لكم اخوتي من صفوف القوات النظامية وانتم تحرسون أرض وسماء السودان وتسهرون لحماية شعبه في الخضر والبوادي، اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واشفي جرحانا الأخيار، اللهم انت القادر لما تريد، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
يتصدى الاتفاق السياسي في ديباجته لأطراف عديدة في محاولة لتبرير ما جرى في 21 تشرين الأول/اكتوبر الذي يعتبره الاتفاق السياسي «تصحيحا لمسار الثورة» بينما اعتبره حمدوك، كما أسلفنا «انقلابا عسكريا». فالبيان السياسي يصف ما جرى بعبارات مثل «إجراءات وقرارات القائد العام للقوات المسلحة» استدعتها عدة عوامل هي: (1) مخاطر محدّقة تحيط بالبلاد وتهدد نجاح الفترة الانتقالية (2) فشل كل المبادرات في احتواء الأزمة السياسية (يقصد بها مبادرتي حمدوك) و (3) ترتب على ذلك اتخاذ إجراءات وقرارات بواسطة القائد العام للقوات المسلحة بتاريخ الخامس والعشرين من اكتوبر؛ ويخرج البيان من ذلك بالآتي: «مع التأكيد على ان الأزمة في جوهرها أزمة سياسية تتطلب قدرا من الحكمة وتجنب انزلاق البلاد نحو المجهول».
في البند أولاً هناك الوثيقة الدستورية التي يرد حولها انها «هي المرجعيّة الأساسيّة القائمة لاستكمال الفترة الانتقاليّة، بمعنى ان هناك مرجعيات أخرى ربما أقل شأناً، وقد تحتاج إلى تعديل كما ورد في البند ثانيا وقد تحتاج إلى توسيع إطار الشراكة ليتضمن «إعلانا سياسيا» في سادساً ليحدد «إطار الشراكة بين القوى الوطنيّة (السياسيّة والمدنيّة) والمكون العسكري والإدارة الأهليّة ولجان المقاومة وقوى الثورة الحيّة وقطاعات الشباب والمرأة ورجالات الطرق الصوفيّة».
تمتد المقارنة بين بيان البرهان الأول (الانقلابي) والاتفاق السياسي الذي وقعه معه حمدوك، إلى البنود الثلاثة الأولى التي تتعلق بالوثيقة والشراكة، حتى نصل إلى البند الرابع فيهما حيث ينص هذا البند في البيان الأول-الانقلابي إلى «حل مجلس السيادة الانتقالي وإعفاء أعضائه» بينما ينص في الاتفاق السياسي إلى «أن يكون مجلس السيادة الانتقالي مشرفا على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية الواردة في المادة 8 من الوثيقة الدستورية بدون التدخل المباشر في العمل التنفيذي».
لابد من الإشارة هنا إلى المادة 8 هذه، فهي تحمل عنوان «مهام الفترة الانتقالية» والتي تشمل الآتي:
1- العمل على تحقيق السلام العادل والشامل وإنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانيّة.
2- إلغاء القوانين والنصوص المقيدة للحريات أو التي تميّز بين المواطنين على أساس النوع.
3- محاسبة منسوبي النظام البائد في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني منذ الثلاثين من حزيران/يونيو 1989 وفق القانون.
4- معالجة الأزمة الاقتصادية.
5- الإصلاح القانوني وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدليّة وضمان استقلال القضاء وحكم القانون.
6- العمل على تسوية أوضاع المفصولين تعسفيّاً من الخدمة المدنيّة أو العسكريّة والسعي لجبر الضرر عنهم وفقاً للقانون.

ما بين الإشراف والتشريف

لا بد من التنبّه لما ورد في الاتفاق السياسي في أن يكون مجلس السيادة «مشرفاً على تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية، من دون التدخل المباشر في العمل التنفيذي» وهذا يحيلنا إلى مفهوم العسكريين للسيادة وهو انهم مشرفون وليسوا تشريفيّين، ويعمل التنفيذيون تحت إشرافهم، وربما يحيلنا إلى ان الثورة نفسها هي ثورتهم، وان انقلابهم في 11 نيسان/ابريل 2019 هو الذي أطاح بالبشير. ويبدو ان هذا ما دفع بأحد المعلقين لأن يقول إن الاتفاق السياسي هو عقد عمل أعده البرهان والجنرالات الآخرون لتعيين رئيس وزراء، وان توقيع حمدوك ليس توقيعا لمكون مدني وإنما لقبول وظيفة رئيس وزراء لدى العسكريين.

أسئلة محرجة

هناك أسئلة محرجة تنبع من التتبع لما يفضي له النصان وهي:
1- هل ما زال حظر التجول قائماً، إذ لم يصدر حتى الآن حديث عن ذلك في البيان السياسي؟
2- إذا كان رئيس الوزراء يعتبر ما حدث انقلابا عسكريا فكيف يمكنه محاكمة منفذي انقلاب الثلاثين من حزيران/يونيو 1989؟
3- ألا تمثل استقلاليّة عناصر المكوّن العسكري (الجيش والأمن والدعم السريع) عن بعضها البعض مرونة تسمح لأيّ من هذه العناصر على تنفيذ مهام مختلفة خارج تحكم الأجهزة التنفيذيّة (العلاقات الخارجيّة مع إسرائيل وتزويد حروب خارجية مرتزقة وغيرها)؟
4- بعد الطريقة التي اتبعها البرهان في إعفاء وزراء الحكومة كيف يمكن تكوين مجلس وزراء يحترم أعضاؤه أنفسهم ولا يرغبون في التعرض لما حدث لسابقيهم من إعفاء واعتقال؟

ملاحظات أخيرة

يلاحظ طول معظم جمل الاتفاق السياسي مما يشير إلى (طابع الاستدراك والإضافة والتعديل) الذي لازم صياغة الاتفاق السياسي. ويلاحظ أيضاً استثناء حزب المؤتمر الوطني من المشاركة السياسية الكاملة، وهو استثناء لن يعيق قوى النظام البائد من الانتظام من جديد في كيان سياسي وولوج الحلبة السياسية من جديد، ويبدو ان عسكريي النظام القديم عدا قياداته الموجودة في السجن قد استجابت لهذا التحوّل.
السؤال المحوري الآن هو، هل سيمضي الشارع مع حمدوك واتفاقه أم ان الشارع أقوى من تصورات العسكر وحمدوك، وإذا كان هذا الاتفاق قد «حقن دماء السودانيين» المسالمين، فمن يضمن ألا تقدم إحدى القوى (الجيش أو الدعم السريع أو جيوش الجبهة الثورية) على إراقته إذا أحست بخطرهم عليها، مما يجعل المسار الديمقراطي محفوفا بالخطر؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية