حوار الطرشان بين الاسلام والغرب

حجم الخط
0

حوار الطرشان بين الاسلام والغرب

د. سعيد الشهابيحوار الطرشان بين الاسلام والغربفتحت قضية الرسومات الكاريكاتورية المسيئة لرسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ملفات حيوية عديدة من بينها مفاهيم الحرية خصوصا حرية التعبير، والسلم الاجتماعي، والحوار بين الاديان واثر اطروحات ما بعد الحداثة علي التوازن السياسي في السياسة الدولية وقضايا أخري لا تقل حيوية. ومن بين القضايا الكبري التي أبرزها اللغط الشديد في اثر ذلك، موضوع العلاقات بين الاسلام والغرب. هذا الموضوع، برغم ما يبدو من سهولة مناقشته، يحتوي عناوين فرعية عديدة، تستدعي التعاطي معها بقدر من الموضوعية والجدية. فهو اولا موضوع جديد ـ قديم يطرح عادة في اوقات الازمات التي تعمق الشكوك وتحاكم النوايا. وثانيا، فهو موضوع فضفاض ينطوي علي ابعاد كثيرة وعناصر متعددة، فكلمة العلاقات لها وجوه عديدة: ثقافية ودينية وسياسية واقتصادية وحضارية وتاريخية، وكلمة الاسلام تحمل ايضا ابعادا غير قليلة. فما هو الاسلام موضوع البحث؟ أهو الدين؟ أم المسلمون؟ أم الدول الاسلامية؟ وعنوان الغرب هو الآخر لا يقل سعة وتشعبا. فما هو الغرب؟ أهو المسيحية؟ أم أوروبا؟ أم أوروبا وأمريكا وربما روسيا أيضا؟ وثالثا فان السجال بشأنه نادرا ما يؤدي الي نتائج عملية ملموسة نظرا لتشعب القضايا التي تستحق المناقشة ضمن الاطر المذكورة. ورابعا: من يمثل الاسلام؟ ومن يمثل الغرب؟ أهم السياسيون؟ أم القادة الدينيون؟ ام المثقفون والكتاب؟ ام وسائل الاعلام؟الملاحظ ان الاهتمام بالحوار بين الاسلام والغرب محصور بالطرف الاسلامي. ففي الشهر الماضي كانت هذه القضية هي موضوع الحوار بالصالون الثقافي للشباب بالمركز الثقافي اليمني بالقاهرة من خلال محاولات تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي. وفي الاسبوع الماضي عقد بالعاصمة الماليزية مؤتمر دولي بعنوان من يتحدث عن الاسلام ومن يتحدث عن الغرب تحت اشراف معهد الدبلوماسية والعلاقات الخارجية الماليزي، وقسم حوار العالم الاسلامي وامريكا والغرب التابع لجامعة نيويورك. جاء المؤتمر في ضوء التوتر الخطير في العلاقات الدولية في اثر أزمة الرسومات المذكورة. وقد تصدر كل من تركيا وماليزيا الدعوة للحوار وتجاوز تلك الازمة وفتح قنوات التواصل بشكل أكثر فاعلية. وانعكست آثار تلك الأزمة علي خطابات المشاركين الذين بلغ عددهم ستين شخصية سياسية وثقافية ودينية واقتصادية، بالاضافة الي متخصصين في قضايا الاديان. المؤتمر استمر يومين وشهد مناقشات ساخنة سواء في الكلمات التي القيت ام في النقاشات والتعقيبات والتوصيات. رئيس الوزراء الماليزي عبد الله أحمد بدوي أكد ان هوة سحيقة أصبحت تفصل بين الغرب والعالم الاسلامي، وان المسلمين يشعرون بالاحباط بسبب سياسة الغرب في ما يتعلق بالشرق الاوسط وافغانستان. وقال ان كثيرا من الناس في الغرب ـ من جانبهم ـ يرون الاسلام مساويا للعنف، وينظرون إلي الشخص المسلم باعتباره مشروعا للارهاب، ودعا الجانبين الي وقف تشويه أحدهما الآخر، وكبح التطرف واشاعة التسامح والاعتدال. المؤتمر ضم شخصيات مرموقة من بينها الرئيس الايراني السيد محمد خاتمي الذي يتولي حاليا رئاسة المؤسسة الدولية لحوار الثقافات والحضارات. الملاحظ ان الحكومات الغربية لا تولي اهتماما متميزا للقضايا من هذا النوع، ولا يمثل التعامل معها اولوية لديهم لاعتبارات عديدة من بينها عدم الاكتراث بمشاعر المسلمين ما لم تتحول تلك المشاعر الي أزمة ذات أبعاد سياسية خطيرة. وكثيرا ما كان التعاطي مع تلك الأزمات بعقلية أمنية، وأساليب توحي بالمخاطر الامنية من تواجد الجاليات المسلمة في الغرب. ولم يعد خافيا دور اللوبي الصهيوني في اثارة مشاعر الخوف لدي الغربيين من وجود المسلمين في الدول الغربية. في بداية أزمة الرسومات لم تبد الحكومات الغربية اهتماما جديا بالمشكلة الا بعد ان تفاقمت وأصبحت تهدد المصالح الغربية في مناطق واسعة من العالم. ولذلك صدرت تصريحات عن بعض الزعماء تطالب بضبط حرية التعبير بحيث لا تؤدي الي اثارة المشاعر. فكوفي عنان يقول: انا افهم شعور اصدقائنا المسلمين الذين يرون ان الرسوم تمس بدينهم كما احترم حرية الصحافة، لكن حرية الصحافة بالطبع ليست مطلقة، بل يجب ان تلازمها المسؤولية والتفكير السليم . اما الفاتيكان فقد قال في بيان اصدرته حاضرته ان حرية التعبير لا تعني الحرية في اهانة المعتقدات الدينية. وقال جواكين نافارو فالز الناطق باسم الفاتيكان: ان التعايش الانساني يتطلب جوا من الاحترام المتبادل يشجع علي السلام بين البشر والامم . مضيفا: إن حق حرية التعبير لا يعني حق تحقير مشاعر المؤمنين الدينية . وثمة تصريحات عن جهات كثيرة تسعي لتخفيف الأزمة والحد من آثارها التي أحدثت حالة استقطاب علي الصعيد الدولي لم يحدث منذ فترة طويلة. فليست هناك قضية شهدت هذا الزخم الاحتجاجي الذي انتشر من شرق الدنيا الي غربها، وتعددت اساليبها، وأدت الي أضرار في الارواح والمنشآت. لا شك ان قضية الرسومات كانت فصلا مؤسفا في العلاقات بين الغرب والعالم الاسلامي، ولا يستبعد ان ثمة جهات تقف وراء تهدف لعرقلة تلك العلاقات بشكل جذري، والسعي لتوجيهها لغير صالح اي من الطرفين. فحالة الاستقطاب الفكري او الديني او السياسي كانت في السابق وراء الكثير من الازمات التي انتهت بمواجهات دموية او تغييرات سياسية استراتيجية، وأطاحت بأنظمة. وتجدر الاشارة الي ان من العوامل التي مهدت الطريق للثورة الاسلامية في ايران كان مقال كتبه وزير الاعلام في حكومة الشاه في 1977 اهان فيه شخص الامام الخميني، فخرجت مظاهرات احتجاجية محدودة في البداية، قمعتها الشرطة وقتلت بعض المشاركين فيها. وفي اربعينية الضحايا اقيمت مسيرات اخري قمعت هي الأخري، وتوالت المسيرات بسبب قمع كل اربعينية بشكل متواصل، حتي تحولت الي مظاهرات يومية ادت في النهاية الي سقوط نظام الشاه. ومن بين اسباب استمرار الاحتجاجات ضد الرسومات المسيئة للرسول عليه افضل الصلاة والسلام، اعادة نشرها في صحف ومجلات غربية بشكل استفزازي. وهنا تبدو القضية مدبرة ومؤسفة، ولا يمكن ان تساهم في خفض التوتر او تطوير العلاقات بين الغرب والعالم الاسلامي، كما لا يمكن ان تكرس الامن والاستقرار في العالم. وحتي هذه اللحظة، لم يبادر الغربيون لعقد اجتماعات او مؤتمرات جادة تجمع ممثلي الجاليات الاسلامية وتضم سياسيين وكتابا واعلاميين من كافة اطياف المجتمعات الغربية. فالتواصل هو السبيل الافضل لاحتواء الازمات واعادة زرع الثقة وبناء الجسور بين الفرقاء. ان علاقات الغرب مع الاسلام لا تنحصر بوجود الجاليات الاسلامية في بلدانه، بل هي ممتدة جغرافيا الي كافة اصقاع العالم الاسلامي، وتاريخيا الي عمق الحقب التاريخية التي شهدت مظاهر الاستعمار وما سبقها من فترات التوتر في العلاقات خصوصا في فترات الحروب الصليبية. والشعور بضعف الموقف السياسي الغربي منذ ان بدأت المشكلة عبر عنه الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي البروفيسور أكمل الدين احسان الذي أعرب عن خيبة أمله في نجاح مشروع حوار الحضارات والاديان في الوقت الراهن الذي يشهد موجة غضب عارمة تسود العالم الاسلامي. وقال ان حوار الحضارات والأديان الذي كان قائما لم يثمر شيئا رغم الجهود التي بذلتها منظمة المؤتمر الاسلامي موضحا انه تم التوصل في نهاية المطاف الي التفكير في اسلوب جديد فيما يخص هذا الشأن. وأضاف ان الأمة الاسلامية كانت تنتظر من المنادين بحوار الحضارات والاديان من الطرف الآخر ان يقولوا كلمة حق بقضية الرسوم المسيئة للرسول الكريم صلي الله عليه وسلم الا انهم لم يعلنوا عن مواقفهم الا بعد اربعة شهور ونصف من نشر هذه الصورة وبعد ان ثار الشارع الاسلامي وبدأت مقاطعة منتجاتهم. علاقات الغرب والعالم الاسلامي تمثل عبئا علي الطرفين. فهي اما ان تكون علاقات قائمة علي اسس من الاعتراف والاحترام المتبادلين، او استمرارا لنمط التعامل القديم عندما كان الغرب يهيمن علي العالم الاسلامي وينطلق علي اسس من التعصب الديني والشعور بالتفوق العلمي والحضاري. واذا كانت هذه العلاقات قد قامت في اغلب حقبها علي الاساس الثاني، فان الصحوة الاسلامية التي انطلقت في العقود الثلاثة الاخيرة دفعت الغرب الي تبني سياسات جديدة تميزت بالحساسية المفرطة ازاء تلك الصحوة. وساهمت ظاهرتا التطرف والارهاب اللتان تبلورتا بشكل تدريجي منذ مطلع التسعينات، في تعميق الشكوك بين الطرفين، وهي شكوك تتعمق مع كل حدث كبير. وهناك عوامل اخري تساهم في حالة الاستقطاب والتشكيك المتواصل في النوايا والخطط. فليس جديدا القول بان اللوبي الصهيوني في العواصم الغربية، خصوصا واشنطن، يسعي لتعميق الخلاف بين الغرب والعالم الاسلامي، وتضخيم مسألة وجود المسلمين في الدول الغربية. فمثلا نشرت صحيفة هاآرتس الاسرائيلية يوم الخميس الماضي مقالا للكاتب عادي شوراتز دعا فيه البلدان والشعوب الاوروبية الي التعامل بقسوة مع المسلمين الاوروبيين واستخلاص العبر من ردود الفعل في البلدان الاسلامية علي الرسومات المسيئة للرسول (ص). وحذر الغرب واوروبا من مغبة تجاهل ازدياد عدد السكان المسلمين في اوروبا وانتشار الثقافة الاسلامية واللغة العربية في البلدان الاوروبية، مؤكدا ان المشكله الحقيقيه وهي وجود عدد كبير من المسلمين في اوروبا. يضاف الي ذلك السعي الغربي المتواصل لحرمان المسلمين من التكنولوجيا العلمية وغلق الباب بوجه الطلاب المسلمين من الدراسات العلمية المهمة، وابقاء التكنولوجيا ملكا خاصا للدول الصناعية الغربية علي وجه الخصوص. ان من الضروري استيعاب ضرورة عولمة العلم والاداء التكنولوجي وعدم استعمال ذلك سلاحا بوجه الدول النامية، وعدم حصر ظاهرة العولمة علي الجوانب التي تفيد الغرب وتضر بمصالح الدول النامية. ويشعر المسلمون بان لسياسة الحرمان العلمي هذه آثارها المدمرة علي العلاقة بين الغرب والعالم الاسلامي، وان ذلك مصدر حقيقي للشك والريبة المتبادلين. فظاهرة العولمة التي انتشرت في العقد الاخير لم تساعد الدول العربية علي تطوير نفسها، بل ادت الي توسع ظاهرة الاستهلاك في المجتمعات الاسلامية، وتقلص اهتماماتها بمجالات العلم والتكنولوجيا، وحصر اقتصاداتها بعائدات النفط وعدم توسيع مصادر دخلها. وهناك خطة مستمرة لمحاصرة العالم الاسلامي علميا وتكنولوجيا، وغلق المعاهد والجامعات الغربية امام الطلبة الباحثين عن مجالات علمية متطورة. ان ظاهرة العولمة ايجابية فيما لو سعت لتوسيع دائرة المستفيدين منها من جهة، وتوسيع آفاقها ودوائرها من جهة اخري لتشمل قضايا مثل عولمة العدالة، وعولمة الديمقراطية، وعولمة العلم والمعرفة والتكنولوجيا. فمن اخطر الظواهر ان تتكرس حالة الاستقطاب بين المتخمين والجياع، وبين الانظمة السياسية الحرة والشعوب التي تعيش في ظل القمع والاستبداد المدعوم من الغرب بعيدا عن القيم الانسانية. ضروري ايضا البحث عن حالة التوازن في دورة الانتاج والتوزيع علي صعيد التطوير الاقتصادي للبلدان غير المتطورة. وفوق ذلك يجدر بالغرب الاعتراف باحترام الاديان الاخري، خصوصا الاسلام الذي يسير علي هداه اكثر من خمس سكان العالم. العلاقات بين الغرب والعالم الاسلامي اصبحت اليوم تتعرض لامتحانات صعبة، يتعين علي الطرفين الاهتمام بها والبحث فيها بالشكل الذي يجعل مهمة تطوير العلاقة ممكنة. ولكي يتم اعادة الحياة الي مشروع الحوار بين الاسلام والغرب بعد ان تحول الي حوار طرشان، فمن الضروري تحديد سقف للحرية في أوروبا ودول العالم مثل القوانين التي تمنح مهاجمة السامية وتمنع مهاجمة الأجانب والأعراق. فلابد أن يكون هناك قوانين صارمة تحمي المسلمين من هذه الهجمات الشرسة التي يتعرضون لها حاليا. والدول العربية والاسلامية مطالبة بالسعي لاستصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة ينص علي تجريم الاعتداء علي الأديان السماوية وحمايتها من أي تطاول. وفي المقابل مطلوب من جماهير الأمة الاسلامية ضبط النفس وعدم تحويل الغضب وحال الاستياء وردود الأفعال الي أعمال عنف لا تأتي بالنفع علي الأمة. ان حالة التوتر السائدة اليوم لا تخدم مصلحة الحوار بين شعوب العالم وأممه. فقد اصبح الحوار غير ذي جدوي ما دام الطرف الآخر يصر علي التشبث بمقولة حرية التعبير التي تطلق بدون حدود عندما يكون الاسلام والمسلمون هو الطرف المتضرر منها، وتحدد بشكل قانوني صارم عندما تستهدف اطرافا أخري تملك نفوذا اعلاميا وسياسيا واسعا. وفي ضوء التجارب المريرة منذ بداية الألفية الثالثة، اصبحت مهمة الحوار شاقة للجميع، ولم يعد كافيا اطلاقها كشعار فضفاض لا يصدقه الواقع ولا يؤدي الي السلام الحقيقي بين الاطراف المعنية به. ان التخلي عن عقلية الاستعلاء والاستكبار والحرب والقهر ضرورة لانجاح مشروع الحوار، وعلي الغرب (ممثلا بالمؤسسات السياسية والاعلامية والدينية) ان يبدي الاستعداد لذلك، بعد ان اصبحت الكرة في مرماه. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية