حوار دبلوماسي غير دبلوماسي
زيد أبو العلاحوار دبلوماسي غير دبلوماسيرأيت من الأفضل الاتصال بسفير الدولة الذي دعانا إلي حفل استقبال بمناسبة عيد العرش قبل انطلاق الهجمة المعدة سلفا لتدمير لبنان، وتصادف أنه يلي يوم مجزرة قانا الثانية في الثلاثين من شهر تموز (يوليو) عام 2006. وبعد المجاملات الهاتفية المبتذلة في مكالمات كهذه قلت موضحا سبب اتصالي بأنني قد قرأت خبرا في حاشية إحدي الفضائيات العربية التي تعرض تقاريرها صور تدمير لبنان وما يحدث في فلسطين تفيد بأن جلالته قد أمر بإلغاء الاحتفالات تضامنا مع الشعب اللبناني، فهل ما زالت الدعوة قائمة؟ فأجاب سعادته مؤكدا صحة ما قرأته، لكن الأمر يتعلق بالاحتفالات غير الرسمية والموسيقي والرقص وما إلي ذلك، أما الاحتفال الرسمي كدعوة الاستقبال فما زالت في موعدها ونأمل تشريفكم.كلفتني زوجتي بمهمة الاعتذار من صديقتها زوجة سعادة السفير نظرا لارتفاع ضغط دمها، ولما كان هذا الأمر قد تفاقم لديها منذ أول هجمة علي قطاع غزة قلت: كيف اقنع صديقتك بحجة لست مقتنعا بها؟ قالت بصراحة غير معهودة: لست بحاجة إلي أي توضيح في مثل هذا اليوم بالذات. كان لقائي الأول في هذا الحفل مع أحد كبار موظفي الأمم المتحدة، ولما كان الوضع لا يحتمل الكثير من المجاملات، قلت إنني قد توقعت أن يتقدم السيد كوفي عنان باستقالته بعد رفض مجلس الأمن الاستجابة لبيانه باتخاذ قرار بوقف فوري لإطلاق النار يوم أمس الأحد، فأجاب بهدوء: يبدو أنك نسيت الحملة التي أدت إلي هزيمة بطرس غالي حين اعتقد أن بإمكانه انتقاد أحد أعضاء المجلس المتميزين بحق النقض حول موقف بلاده من مجزرة قانا قبل عشر سنوات، فتسرعت بالقول لكن كوفي عنان قد استنفد فرصته ولن يكون مرشحا للمرة القادمة فقال: لا أريد أن اتهمك بالعناد في موقعك هذا لكوني ألاحظ أن ذاكرتك لا تستعيد واقعة السيد داغ همرشلد الذي أسقطت طائرته قبل قرابة نصف قرن لأنه كاد أن ينتقد موقف دولة عظمي لها حق النقض في مجلس الأمن ذات يوم. كأنك تتهم كوفي عنان بالجبن!! لك أن تفسر كما تشاء.ابتلعت هزيمتي وانسحبت متعللا بحاجتي لرؤية أحد الزملاء فداهمتني سفيرة دولة أوروبية لا تزال سياسة بلادها تنسجم مع موقفها الأخلاقي، وحيث كانت علاقتي بها تسمح بالحديث بدون مقدمات، فقد أجبت علي سؤالها بأنني أري نفسي ملزما بتقديم التعازي لوفاة مجلس الأمن، فقالت: سبقتني قبل أن أتقدم بالعزاء لوفاة الجامعة العربية!! دافعت عن عروبتي بأن جامعتنا الموقرة لا تملك الحق بإصدار قرار لوقف فوري لإطلاق النار فردت الكرة بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي يستطيع أعضاء جامعتكم الموقرة الدعوة لانعقادها قد اتخذت قرارا بتشكيل قوة دولية لشن الحرب الكورية باسمها!! لم استسلم وقلت: إذا كان مجلس الأمن قد عجز عن مجرد إصدار بيان لشجب القتل المتعمد لجنوده الذين يؤدون الواجب المكلفين به من قبله، فهل سيسمح بصدور قرار عن الجمعية العامة حتي لو كان لشجب مرتكبي مجزة قانا الثانية؟ ابتسمت بخبث وقالت : ثم؟ قلت ليس ثمة ثم، ابتسمت من جديد وقالت: يبدو يا سعادة السفير أنك تقدم التعازي بوفاة جسد قضي نحبه منذ أكثر من نصف قرن بالنسبة لك، استوضحت فأضافت: لعلك الوحيد الذي يجب ألا ينسي بأن هذا المجلس قد عجز عن تنفيذ قرارت المنظمة الدولية، لا أريد القول قرار تقسيم فلسطين، ربما يكفي التذكير بقرار 242 وقرار 338 فهل كنت بانتظار موته إلي الآن؟ ازدرت لعابي وحاولت الاستئذان فسبقتني. لم أشأ الخوض في سجال آخر ورأيت من الأفضل الاعتذار من صاحب الدعوة بالخروج مبكرا فقابلني موظف سام في إحدي السفارات العربية وسأل كيف فلسطين اليوم؟ أنعشني السؤال لأن أحدا لا يزال يتذكر فلسطين، فسطوت علي بيت شعر يمني لعبد الله الجربوني وقلت : ماذا أحدث عن فلسطين يا أبتي / مليحة عاشقاها القصف والعرب. لم يبتسم ولم أودعه، وفي سبيلي إلي السيارة قلت لا يليق بهذا العصر – المتخم بالعنصرية الأمريكية، من تصريح مندوبها لدي مجلس الأمن الدولي الذي يميز القتلي اليهود عن اللبنانيين إلي تصريح تابع الإدارة الأمريكية ورئيس وزراء الإمبراطورية العجوز بأن وقت إيقاف إطلاق النار سيأتي عندما يقرر مجلس الأمن ذلك ـ سوي منح قارئ هذه الواقعة حق استبدال أحد حروف الكلمة الأولي من العنوان أعلاه بحرف يحركه تبعا لقواعد اللغة. كاتب ودبلوماسي فلسطيني يقيم في أديس أبابا0