حوار مع الخطاط الإماراتي محمد مندي: لوحة الأقصي تنتظر من يوصلها إلي المسجد المبارك
فاطمة عطفةحوار مع الخطاط الإماراتي محمد مندي: لوحة الأقصي تنتظر من يوصلها إلي المسجد المباركأبو ظبي ـ القدس العربي : فلسطين وعاصمتها القدس هي القضية الحاضرة في وجدان كل عربي وكل مسلم حر، وهي الأكثر معاناة وتأثرا بالأحداث المؤلمة التي تقع كل يوم علي الشعب الفلسطيني، وما يعاني منه القدس الشريف في ظل الاحتلال.. كان الأرق الدائم عند الخطاط الإماراتي محمد مندي والذي عبر عن ذلك في لوحة جدارية يظهر فيها المسجد الأقصي وقبة الصخرة، كما تظهر اللوحة جانبا من مأساة الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال كالشهيد الطفل محمد الدرة وشخص أبيه وهو يحاول أن يحميه. هذه اللوحة التي يريد الفنان إيصالها إلي القدس يعتبرها من أعماله المتميزة التي نالت جوائز عديدة ويأمل الفنان، وأشاركه الأمل، أن تهتم صحيفة القدس العربي بإيصال هذه اللوحة إلي المسجد الأقصي لتكون هدية رمزية في المشاركة من أجل فلسطين والقدس.والجدير بالذكر أن الخطاط محمد مندي من البارزين في هذا المجال الإبداعي محليا وعربيا، وقد سبق له أن حصل علي دبلوم الأوائل من مصر من مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة في سنة 1977م. وشارك في الكثير من المعارض وصمم العديد من الشعارات. وقد وقع عليه الاختيار ليخط العبارات علي مبني المنتدي الإسلامي في بينسبرغ في ألمانيا، حيث وضع بالخط الديواني تصميما للمئذنة التي نفذت بالحديد، كما كتب أسماء الله الحسني بذات الخط لسقف المسجد والمحراب. وفي المجمع الثقافي في أبو ظبي حيث أقام معرضه كان لـ القدس العربي معه هذا الحوار. البداية الفنية والتطور الذي حصل علي الفن.. وكيف تم التخصص بالخط؟ البداية الفنية أني عشت في المدرسة وسط عائلة فنية، منهم من أصبح رساما، أو خطاطا، ومنهم المختص بالديكور، بالمكياج، بالسراميك.. كنا مثل خلية نحل. وبعد هذه المرحلة كل واحد درس الاختصاص الذي يرغبه، أنا اتجهت من الرسم إلي دراسة الخط العربي، لم يكن عندنا في الإمارات معهد أو مدرسون مختصون، كنت أبحث عن الخطوط في المكتبات وفي الجرائد وبعض معارض الكتب التي تقام. أقلد الخط العربي، لكن الخط العربي مع التقليد لايعطي نتيجة، ومن الضروري أن يكون بتوجيه أستاذ مختص. في البحث وراء الخط العربي، هل كانت مرجعيتك مقتصرة علي الإرث الإسلامي حيث كان الخط والعمارة فقط وعدم وجود الصورة. نحن أول ما عرفنا الخط العربي كان الخط الكوفي بالمصاحف، يعني أول ما كتب بهذا الخط القرآن الكريم، وكان يكتب بدون نقط. وفي الزمان القديم كان القرآن محفوظا في القلوب أكثر مما هو محفوظ بالورق. بعد ذلك بدأ التنقيط من شأن تسهيله للقراءة. مثلا حرف السين كان تحته ثلاث نقاط.. ثم انشالت من تحته تلك النقط. يعني ذلك أنه كان عندك مرجع هو القرآن الكريم قبل التنقيط؟ طبعا كيف تحول الخط في القرآن من كوفي إلي ديواني إلي ثلث إلي نسخ إلي رقعة إلي نسخ تعليق.. هذا دليل أن الخطاط المسلم ما ظل علي خط واحد. حتي غير المسلم أحيانا أسلم من أجل أن يدخل عالم الكتابة والخط، وأن يدخل في بحر القرآن وفي بحر الكلمات الإسلامية والشعر العربي. هناك تنوع الخط ووضعت قواعد للكتابة وتعدد الخطوط، هناك خطوط تصلح للمساجد وأخري تصلح ليافطات الشوارع ومنها ما يصلح لرسائل الحكام والملوك، وهناك خطوط فيها فن وخطوط فيها سهولة ووضوح في الكتابة، يعني مثلا الرقعي خالٍ من التشكيل، الخط الديواني خالٍ من التشكيل، خط التعليق وهو فارسي خالٍ أيضا من التشكيل، جماله في حرفه، مثلا هناك خط الثلث في لوحة الكعبة، وخط النسخ وهو في القرآن، وخط الجيل الديواني الذي يأتي مناقضا هذه الخطوط الثلاثة، إذا لم يتم تشكيله فكأنه يجرد من جماله، لقد وصل الخطاط المسلم بتعدد أنواع الخطوط وأشكالها إلي أرقي مستويات الفن. في تنفيذها، إذا كان من ورق مثلا يتفنن في التذهيب، وأيضا في صناعة الحبر، وإذا كان علي الجدران يتفنن في لون السراميك، وإن كان علي الرخام يتفنن في حفره، فيظل الفن الإسلامي والفن العربي والزخرفة الإسلامية مرغوبا لدي كل الأديان. أي من هذه الخطوط أحب إليك؟ بدأت عملي بالخط الكوفي لأنه يرسم في خطوط تأخذ امتدادها علي طول بالبوص يعني الرسم، بعدها انتقلت إلي الخط الديواني وقد عملت فيه لأنه لا يحتاج إلي تشكيل، وبعدها دخلت علي الديواني الجديد الذي هو تشكيل بيضاوي يكون دائرة. والآن أدرس خط الثلث والنسخ في تركيا، علي يد الأستاذ الشيخ حسن شلبي. كنت سابقا درست علي يد الشيخ المرحوم سيد إبراهيم، خطاط مصر الأول، وقد سمي بعميد الخط العربي. وفعلا، هذا الأستاذ ـ عليه رحمة الله ـ كان أديبا شاعرا وكان من أصدقاء الشعراء أحمد شوقي وحافظ أبراهيم وعباس العقاد.. وقد بحثت عليه في آخر أيامه ونلت الدبلوم واستفدت كثيرا من نصائحه، وأكبر نصيحة قالها لي إنه مهما ارتقيت بالخط لا بد أن أتواضع للكتابة، وكأنني ما وصلت. وأنا حريص في كل معرض يقام لي أن تكون صورة المرحوم سيد إبراهيم في هذه المعارض وهي الصورة التي عملتها له بالاسم حاولت أن أحافظ علي ذكراه في المعارض. وللتاريخ أقول: إنه أستاذي، وأقدم له الاحترام اللائق عرفانا من طالب إلي أستاذه. علي ذكر العرفان كان قبل الإحساس بالعرفان سواء للأستاذ أو للأهل ولكل من عمل خيرا. كيف تجد الآن هذا العرفان وإلي أي حد وصل، خاصة في أجواء العولمة التي لا تعنيها القيم والأخلاق؟ إلي أي حد تراجع هذا العرفان وهل ما زال موجودا؟! أنا أذكر أيام الدراسة، إذا التقينا الأستاذ في الفترة المسائية نهرب ونختبئ في البيوت احتراما. وحين كان يدخل الصف نشعر وكأن الداخل علينا أمير أو حاكم نجله ونقدم له كل احترام، ونصمت إلي أن ينتهي من كلامه. طريقة التدريس القديمة ما زالت في الذاكرة، الآن مع الأسف لم يعد هناك احترام للمدرس. علي ذكر الدراسة في تركيا، هل وجدت فرقا بين تدريس الأستاذ الأول في مصر والتدريس اليوم في تركيا؟ الحقيقة أن أستاذي في مصر درس علي يد خطاط مصري، ولكن كانت له علاقة متينة مع الخطاطين الأتراك. لما تغير الحكم في تركيا واختارت الحرف اللاتيني بدل العربي نزح الخطاطون الأتراك ومنهم: محمد مؤنس، الشيخ عبد العزيز الرفاعي، الحاج أحمد كامل، هؤلاء هاجروا إلي مصر، لأن الخطاط يجب أن يلقي تشجيعا كافيا. كان الخطاط قديما مقربا من الحاكم، فكان هو الذي يكتب أسرار الحاكم وعنده كل أسرار الدولة، أي شيء هو يدونه بقلمه. وقد جرت دراسة في المؤتمر الإسلامي لتأسيس جائزة خاصة باسم سيد إبراهيم في اسطنبول، كما بدأت أرتيكا من حامد الآمدي ياغوط المستعصمي، وهناك مسابقة تقام كل سنتين ونصف ولما وقع الاختيار علي سيد إبراهيم درست خطوطه وجدوا فيها تأثير الفن التركي النابع من تعلقه في تركيا، وفعلا كان هذا الأستاذ عندما يدرسني يحدثني عن تركيا وعن الجهود التي بذلتها في تعليم أبنائها والعمل علي تدريس التلاميذ علي الطريقة القديمة مثل بري القلم وصناعة الحبر وصناعة الورق، وتدريس الخط علي القواعد الأصيلة في الكتابة. وهذا يعني أنهم يدرسون مثلا: ألف الثلث سبع نقط بارتفاعها، طبعا النقطة بالثلث مستطيلة، في النسخي مربعة، يعني كل خط له مقاس خاص، فالديواني مثلا ارتفاعه ثلاث نقط، النسخي أربع نقط. هذا الشيء لمسناه في تركيا. وهناك تنظيم وهدوء، الوقت غير مهم، المهم أن تستفيد. وطبعا كان التدريس كان مجانا، وهو نابع من الحديث الشريف خيركم من تعلم القرآن وعلمه . تدريس الخط عندهم نفس تعليم القرآن. يعني من يتعلم القرآن يجب أن يتعلمه عند الشيخ، تدريس الخط لازم تعليمه عن طريق خطاط. ويوجد عندهم التعليم من مسك القلم وكيف يكتب الحرف، كلها أسرار وما زالوا مستمرين، وعندهم المدرسة التركية وعندهم الزخرفة. كل الخطاطين العرب الكبار، الخطاطين السوريين، الخطاطين العراقيين والمصريين، كلهم درسوا علي يد الأتراك. مع الأسف لحد الآن، الدول العربية لا تعطي أي إجازة في الخط، يعني أن أعمل حلية، أن أعمل لوحة فيقول المدرس أجزت فلانا. من المؤسف أننا في البلاد العربية ما حافظنا علي تراثنا. لقد صممت واجهة محكمة العدل، واستعلامات المديرية العامة للشرطة، لماذا اخترت العدل والشرطة أو هم اختارو أعمالك؟ في المحكمة هناك تقارب بين العدل والشرطة وهي مؤسسات متقاربة في العمل، مثلا يتقدم البلاغ عن أحدهم إلي الشرطة وبعد ذلك يتقدم إلي المحكمة، إنه عمل متصل، المحكمة تحكم والشرطة تبحث. جاء في القرآن إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة . أنا اخترت هذه الآية القرآنية. يتم الاختيار سواء كان آية أو حديثا حسب الموضوع، عملت مثلا مسكوكات الدولة، عملة الإمارات بالخط الكوفي، وبالمناسبة قمت بخط الليرة السورية الألف والمئتين، وعملة البحرين، يجب علي الفنان أن يشارك المجتمع في أعماله، أنا أبقي في البيت عندما يكون عندي عمل أشتغل عليه وعندما ينتهي هذا العمل أخرجه إلي الناس علي مبدأ أنا لكي أخدم نفسي يجب أن أخدم الناس، أخدم شعبي وأخدم الوطن، الفنان يجب أن يشتغل لوطنه أولا ولنفسه. كيف تأتي صورة اللوحة عندك؟ هل تتخيل الشكل قبل الخط.. أعني كيف تحدد شكل اللوحة؟ أول شيء تتشكل في الخيال عندما أكلف بعمل ما، ثم أطبق علي الورق. ومن الورق ينفذ العمل، سواء علي جبس أو علي سراميك أو علي رخام، وحسب الخامة المطلوبة مني، وأعمل أكثر من فكرة حتي يتم اختيار الأفضل. أنت تدرس الفكرة المطلوبة منك، ثم تختار اللوحة حسب الموضوع. كيف يكون اختيار الألوان؟ يتم اختيار اللون حسب الحالة النفسية التي أعيشها، أحيانا أختار اللون الأحمر أو الأزرق… ماذا يعني الأحمر لك أو الأزرق؟ الأحمر يعني أني أكون في وضع غير مريح، واللون الأزرق والبنفسجي جو هادئ وجميل، والألوان الوردية جو مناسب. ولكن في حالة ما اللون الأسود أو الأحمر أو البرتقالي يعبر عن قلق واضطراب. أحيانا الأسود والأبيض يعني نسف كل الألوان كما يقال، الفنان برأسي هو اثنان: فنان للناس يعمل لهم ما يريدون، أما الفنان الثاني فهو الذي يتحكم بلوحته، بلونها، بحجمها وتكوينها في الوقت ذاته. مثلا: لوحة الشيخ زايد – رحمه الله – اشتغلت فيها سنة كاملة، لم يطلبها مني أحد ولكن من أجل أن أعبر عن حبي لهذا الرجل ومن إبداعي اخترت عملا صعبا، هذا العمل هو الدمج بين الرسم والخط، وهذا يعني عملين في عمل واحد. أي لوحة أو عمل له عندك تميز أكثر؟ في لوحة الشيخ زايد جمعت ما بين الرسم والخط، واللوحة الثانية كانت وما زالت ذكراها عندي ولا يمكن أن تنسي، هي لوحة الكعبة وعليها أسماء الله الحسني تلف حول الكعبة. هذه اللوحة جاءني إلهامها وأنا أعتمر وذلك في رمضان. كنت في الدور الأول من الحرم ورأيت الناس يطوفون… من هنا بدأت فكرة اللوحة. وبعد انتهاء مناسك العمرة، كانت الفكرة أن هؤلاء الناس الذين يعتمرون، منهم عبد الرحمن وعبد الودود وعبد السميع.. إلي ان اكتملت فكرة اللوحة بأسماء الله الحسني. فكتبت الكعبة. ثم: هو الله الذي لا إله إلا هو. وبعدها كتبت الرحمن الرحيم الملك، ثم كامل أسماء الله الحسني. هذه اللوحة لن أنساها أبدا. أما العمل الثالث فهو لوحة كبيرة للمسجد الأقصي تضم وتظهر فيها معاناة الشعب الفلسطيني إلي جانب قبة الصخرة، ولكن ما زلت أحتفظ بهذه اللوحة وأتمني من يوصلها إلي المسجد الأقصي وأكون له من الشاكرين. ما الجديد في المستقبل؟ في الصيف الماضي درست ثلاثة أشهر علي يد الأستاذ حسن شلبي في تركيا خط النسخ، وإن شاء الله في هذا العام سوف أكمل ما بدأت به. ومن بعدها أتمني أن أكتب المصحف بطريقة فنية جميلة. 0