حوار مع الشاعرة والاكاديمية ثريا ملحس (1 – 2):
ما حدث في الفكر والشعر العربيين هو ردة فعل لمرحلة الاستقلال والتحرر من الاستعمار الاجنبيتجربتي ظلت ساكنة… فلم اكن شللية .. ونقاد الشعر الحديث يتجاوزوني ويضعوني تحت كلمة وغيرهم حوار مع الشاعرة والاكاديمية ثريا ملحس (1 – 2):حاورها: تيسير النجارد. ثريا ملحس شاعرة وباحثة. تلقت علومها الابتدائية في عمان، والثانوية في عمان والقدس في الكلية الانكليزية. وتابعت دراساتها الجامعية في بيروت وفي لندن. ومن الجامعة الامريكية ببيروت، حصلت علي شهادة البكالوريوس في الأدب واللغة العربيين سنة 1947، بدرجة اولي شرف. وفي سنة 1951، نالت شهادة الماجستير من الجامعة الامريكية ببيروت بدرجة أولي شرف. وكان موضوع رسالتها: أدب الروح عند العرب ، التي نشرت فيما بعد منقحة ومعدلة سنة 1964، بعنوان: القيم الروحية في الشعر العربي قديمه وحديثه . وفي سنة 1952 التحقت بكلية بيروت الجامعية للبنات للتدريس فيها.. وبعدها تابعت دراستها في جامعة لندن، قسم الدراسات الشرقية الافريقية.. وفي سنة 1970، رشحت للدكتوراه في الجامعة اليسوعية ببيروت (جامعة القديس يوسف)، كلية الآداب والعلوم الانسانية، قسم اللغة العربية وآدابها، فضلا عن تفرغها للتدريس، وسجلت أطروحتها بعنوان: كشاجم، عصره، سيرته، آثار .وما يجدر ذكره أن هذا الشاعر والعالم كان مغموراً لدي الجميع، ولم يكتب احد عنه سوي سطرين او بضعة، وخرجت الباحثة ملحس من أطروحتها بألف وسبعمئة صفحة بخط يدها. وفي سنة 1981، نالت شهادة الدكتوراه الدولية (فئة اولي) من جامعة القديس يوسف (اليسوعية) ببيروت، وأصبح عنوان الاطروحة: محمود بن الحسين المعروف بأبي الفتح كشاجم البغدادي في اثاره وآثار الدارسين . وفي سنة 1989، حصلت علي رتبة استاذ (بروفيسور). وانتقلت من التدريس الي الاشراف علي اطروحات الماجستير والدكتوراه بالجامعة اللبنانية. وفي سنة 1994 صدر مرسوم لها من الجامعة بتمديد عام دراسي واحد لمتابعة الاشراف علي أطروحات الدكتوراه بالجامعة نفسها، ولكنها اعتذرت.. أما مؤلفاتها المنشورة فتربو علي الأربعين.عمان المكان.. كيف كان المكان (عّمان) عبر تجربتك الشعرية؟ لم تغب عمّان أبداً عن قلبي وعن قلمي. فمكان الولادة يبقي ساكنا في أعماق الانسان. ولا سيما مسقط الرأس. ومسقط الأهل. فالوطن هو الأهل. والأهل هم الوطن، علي الرغم من مغادرتي مدينتي عمّان الي القدس، وأنا في الخامسة عشرة لمتابعة دراساتي الثانوية العليا، اذ لم يكن في عمان حينذاك مدرسة للبنات سوي مدرسة انكليزية ثانوية متوسطة. وكان أبي حريصا جداً علي معاملة الأنثي كالذكر في طلب العلم حتي نهاياته. وهو أحد روّاد الآباء القلائل الذين اهتموا بتعليم بناتهم خارج حدود الاردن.. أرسلني أبي الي القدس حيث المدرسة الانكليزية الثانوية التي سبقتني اليها شقيقتي. وبعد تلك المرحلة الثانوية تابعت مسار المراحل الجامعية العليا ببيروت. وبعد حصولي علي البكالوريوس والماجستير من الجامعة الامريكية ببيروت التحقت بجامعتين للتدريس فيهما. أولاهما أمريكية والاخري لبنانية. ولم أعد الي عمّان منذ خروجي منها سوي مدد قصيرة لكي ألتقي الأهل. وانما مدينتي عمّان ظلت في ذاكرتي لا تبرحها في كل ما حملته من مشاهد الطفولة وذكرياتها. مشاهد دارنا في الوادي. تم دارنا الرابضة علي تلة في مطلع جبل عمان. آخر ما وصل اليه العمار بعد الوادي، بحديقتها او بستانها الكبير، الذي كان يحيط بالدار شمالا وجنوباً. وبأشجارها الباسقة. اشجار الصنوبر والكينا والزنزلخت. والكروم الممتدة علي المساحات. وبعض شجر الخوخ. والدراق المدور الذي ما كان يعرف في عمان، وقد جلبه أبي شجيرة من ايطاليا. و بالحاووز الذي كان يمدنا بالماء بدلاً من التنكات التي كانت تحملها البغال، اذ لم تكن المياه قد وصلت الي ما بعد الوادي، وبقناديلها الكاز، ولكوسها التي كانت تتدلي من السقوف بدلا من ثريات الكهرباء التي لم تصل بعد الي الجبل، ثم بشرائطها الممتدة علي الحيطان حين وصلت، وبالزهور الملونة علي رأسها الياسمين، والفل والسيم والقرطاسيا، التي كانت امي ترعاها، وتهتم بها، لأن منظرها وروائحها في رأيها تفرح الانسان. وتبعث في القلب وفي العين السرور. وبالارجوحة المنتصبة في قلب البستان، التي نصبت لنتأرجح عليها، وبالكائنات التي كانت تطل علينا من التراب البكر، وترعبني جداً كالعقارب والأفاعي. أم أربع وأربعين ، التي لم تفارق ذاكرتي كما قلمي فيما بعد، تلك التي كنت أشهد قتلها بالكاز والنار ليخرج منها أزيز، فأقف ما بين الاشفاق والتخلص مما يؤذي، وبالمغارة التي كانت مجاورة لدارنا في آخر البستان. كانت ترعبني لما سمعته عن الجنية التي تسكن فيها، ولا تظهر الا في الليل بملابسها المزركشة، وحلاها المتلألئة التي يسمع رنينها من يخيل له ذلك، وعيناها كأنهما قنديلان، فلا أجرؤ علي الاقتراب من اخر البستان، وكنتُ أغتبط بتأمل الطبيعة في البستان. أشاهد النمال الصغيرة الشقراء، التي كانت أمي تطعمها السكر حين تزور الدار، وتنهر من يقتلها لأنه حرام، وفي ظن امي ان النمال الشقراء هي رحمة، عكس السوداء، لذلك حملت معي العطف عليها، وعدم التخلص منها حيثما كنت، كنت أراقب النمل وهي تحمل القش. وبعض ما تنثره الرياح علي التراب من بتلات الزهور والثمار. ثم تسير بانتظام عجيب في خط مستقيم الي أوكارها المتوارية عن الأنظار، لتبني قصورها تحت الارض، وتجمع قوتها لفصل الشتاء، كم تمنيت ان اخترق عالمها لأري قصورها، أما شتاء عمّان فكان مرادفاً للثلج. فلم يخل منه في الثلاثينات والأربعينات. وكانت الثلوج تبهجني، وفي الوقت نفسه تصيبني بالدوار، وتخطف نفسي اذا نظرت الي السماء البيضاء ثم الي الارض البيضاء. ولم أجرؤ علي ان اخرج، كسائر الاطفال لألعب بطابات الثلوج، الي ساحة دارنا الكبيرة التي لا يفصلها عن الوادي العمار. تطلّ مباشرة علي مطلع وادي عمّان، حيث تتجمع فيه السيول الهادرة الاتية من الجبال بعد ذوبان الثلوج نحو الوادي في اخره لتلتقي بسيل عمّان المعروف. فيطوف السيل أثناء الشتاء، ويتحول الي نهر، اما في الصيف فيصبح سيلاً ضعيفاً او يجف.جميع تلك الأشياء، ولو صغيرة، قد تبدو للناس العاديين عابرة، سكنتني. وما زالت تترجح في قلمي. وفي ذاكرتي. فمن عمّان حملتُ كل طفولتي وما حولها الي القدس. ثم الي بيروت. ثم الي لندن. واستقررت ببيروت. وفي قلبي وعلي قلمي تقفز عماّن أمامي كلما حملت القلم لأكتب شعراً، تماماً مثلما كان وجه زوجة الرسام شاغال الروسي يقفز في لوحته كلما حمل الريشة، ولوحاته شاهدة علي ذلك.الطفولة والشعر عبر الذاكرة.. كيف تستذكرين الطفولة الان في شعرك؟ كما ذكرت سابقاً حملت طفولتي معي حيثما كنت. ظلت تسكنني وتحملني ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فالطفولة تعني لي الشعر. والشعر هو الانسان بكل طاقاته الخفية الغامضة والظاهرة. وكل تناقضاته. لذلك يصعب ان نعرف الشعر، كما يصعب ان نعرف الانسان، مهما حاول الانسان ان ينسي فلن ينسي طفولته التي تسكن في زاوية من زوايا أعماقه. فاذا فقد الانسان تلك الزاوية فقد انسانيته. فالطفولة تعني الحرية والانطلاق. والبحث عن الحقيقة والنطق بها. وتعني العفوية والنقاء والحنان والانتماء والصراحة والانتصار علي الظلم حتي بالحجر، والطفولة فوق كل هذه الامور هي الرئة التي يتنفس منها الشعر. فالطفولة والشعر صنوان، كما الانسان الذي لا يفقد طفولته. والطفولة لا تعرف الخوف بل تجرؤ علي اقتحام الاخطار، من هنا يخرج الابداع. والابتكار والتجدد والاختراع والسعي المستمر وراء المجهول. ونحو كل ما يخطر بالبال، شرط ان يظل في خط الانسانية التي تعمل لانقاذ الانسان من الظلم والقهر والعنصرية والجور الآتي من السلاطين، او من آلات الدمار. ليس للطفولة طقوس. كذلك الشعر، كذلك الانسانية. فكأن الطفولة والشعر والانسانية أقانيم ثلاثة في ذات واحدة.والطفولة تفهم كل متحول او جديد. والشعر بالتالي مثل الطفولة. يرقي فوق كل العثرات. فان هرمت الطفولة في قلب الانسان هرم الشعر وبالتالي مات الانسان.الغربة والشعر الغربة. هل أثرت في تجربتك الشعرية؟ والي أي مدي؟ ظلت الغربة تنوس فوق رأسي. وتهبط في شعري متجذرة عميقة. فالغربة أحسستها برحيلي المبكر خارج حنان الأبوين طلبا للعلم، وببقائي طويلا خارج عمّان نحو خمسين سنة. هذه غربة الديار. ظهرت في شعري، وستظل تنوس امامي. اما غربة الوجود، الغربة الذاتية المغلفة بالضباب، فقد انبعثت من طبعي وذاتي وقيمي. وظلت ملازمتي في حياتي اليومية. وفي شعري. حين تأملت في الوجود والخليقة والأكوان والكائنات، وكل ما في السماء، وما في الارض وعليها، وما بين الحياة والموت، وما بعد الموت، عظمت غربتي. وكثرت تساؤلاتي. ولكنني ما شعرت يوماً ما بالاحباط او بالتوقف او بالاستسلام. علي الرغم من المآسي التي تحيط بي، الوطنية منها والانسانية، وعلي الرغم من وجودي في مجتمع مليء بالمتناقضات في كل شيء،.. منذ طفولتي وأنا أقول ما أشاء. وأعبر عن اعتراضي لكل ما أراه مستهجناً، كالنظرة الي الانسان الأنثي، التي لم أقتنع منذ طفولتي بأنها كائن آخر، او تابع لمتبوع، او نصف لكائن ذكر، او ضلع زائدة من ضلوع الذكر، متحدية كل الاساطير، والعقائد البالية. لعل الذي مهد لي هذه الرؤية، او شجعني عليها هو أبي الذي كان يردد قوله: فلا فرق بين أنثي وذكر. في جميع الحقوق ولا سيما في التعليم. ففتح لها كل الأبواب الموصدة، كما فتحها للذكر. فسكنت في تلك الذكريات. ولعل فرح أبي بقدوم الأنثي، كما كان يردد، كان مثلما فرحه بقدوم الذكر، ان لم يكن اكثر، فأبي حقا كان متقدماً بهذا علي غيره في ذلك الزمان، فالحرب الكبري الثانية مثلا، هي التي منعت سفر شقيقتي، التي تكبرني قليلا، الي لندن لمتابعة دراساتها الجامعية. وتلتحق بكلية الطب بعد تخرجها من الكلية الانكليزية في القدس، متخصصة بالتربية والتعليم والعلوم.ربما خرجت عن السؤال. وانما سقت ما قلته لأشير الي احد أسباب غربتي التي بقيت متربعة في صدري. وفي أعماقي. وفي وجودي. مثل كل ما يكمن من قضايا غير منطقية في مجتمعاتنا العربية. لن أتنازل عن حريتي الفكرية المرتبطة بالانسانية. فلنعمل معاً لكي ننتصر علي التزمت. وعلي التيارات المعاكسة للتقدم نحو جميع المجالات. ولعل التقدم العلمي ينقذ الانسان ويحميه من الامراض المستعصية والفقر المرعب والحروب المدمرة بآلاتها الفتاكة.ستبقي الغربة تسكنني الي ان ينتصر الانسان علي كل القضايا التي تحط من انسانيته. وستظل غربتي تسكنني وتحملني الي عوالم احلامي وأشعاري.النشيد التائه: جرأة النشر كيف تصفين مجموعتك الشعرية الاولي الان، النشيد التائه ، المنشورة سنة 1949 وفيها قصائد 47 و48و 49؟ حين أعود الي مجموعتي الشعرية الاولي يمر في ذاكرتي كومضة عين، كل ما مضي. وما كان في ذلك الزمان. وأراها قد قفزت فوق الزمان من دون ان أدري. ثم هبطت في هذا الزمان عبر خمسين عاماً، ربما اكثر، كنت اكتب شعري من دون طقوس ولا قيود. من دون تسمية لها أكتب. وانما كان شعرا بلا قيود الأوزان المعروفة. لم يكن هدفي حينذاك ان أتحرر من أوزان الخليل، ولكنني ساهمت في فهم جديد للشعر عن غير قصد. أظن أنني تجرأت علي نشر أشعاري في ديوان، لعلها المحاولة الاولي التي لم يسبقني اليها احد، وذلك منذ سنة 1949، وديواني يضم ما كتبته منذ سنة 1947. لم أتردد. ولم أفكر في النقاد كعادتي، ولم أخف من ردود الفعل. لأنني حقا لم أفكر في أي شيء. تلقاه بعض القراء بالقبول الحسن. وبعضهم بالرفض. لم يقبل علي تجربتي اي من النقاد المنظرين، لعلهم ظنوا أنها محاولة غير جديرة بالتحليل والاكتشاف، لم آبه للملاحظات المقبولة او غير المقبولة. بل تابعت الكتابة الشعرية منذ ذلك الزمان حتي الان، مع تطور في الشكل و في المضمون وفي توزيع التفعيلات أشبه ما تكون بالملحنة (السيمفونيا)، من دون قيودها.وفي سنة 1947، وقبلها قليلا، كنت اكتب الشعر بتجربة (علي غير شكل). وفي الوقت نفسه علي غير موعد. كانت نازك الملائكة الشاعرة العراقية تقوم بتجربة اخري. وبدعوة جديدة الي فك ارتباط البيت في القصيدة العربية القديمة والاعتماد علي التفعيلة وتوزيعها بحرية علي القصيدة، خارجة علي البحر ذي التفاعيل الموزعة بالتساوي علي شطري البيت، المرتبط بالقافية والروي. وقد وضعت تجربتها في كتاب سمته قضايا الشعر المعاصر ، المحرر من البيت ذي الشطرين المتساويين، معتمدة علي بعض البحور مكررة التفعيلة، والالتزام بالتفعيلة الواحدة الموزعة علي القصيدة بقواعد جديدة. وظلت تجربتها مقيدة بلوازم البحر وجوازاته وتكرار القافية كيفما أرادت.وكنتُ أكتب الشعر بعفوية من دون سوابق متأثرة بشكل القصائد الغربية المتطورة. ومن دون التأثر بالمضمون.ولا بد لي من أن أعود بالذاكرة الي سنة 1946، حيث كانت بداياتي. والفضل فيها يعود الي أستاذي الشاعر الكاتب الناقد رشدي المعلوف رحمه الله. وهو أبو أمين المعلوف الكاتب الروائي الذي تألق منذ الثمانينات بكتابة الروايات الموثقة، باللغة الفرنسية. وكان قد هاجر الي باريس هرباً من الحروب الأهلية المفجعة في لبنان.. وكنت حينذاك في اولي مراحل الجامعة. أختص بالعلوم والرياضيات. وكان الاستاذ رشدي المعلوف يشجعنا علي الابداع في الكتابة، ومن دون ان يفرض علينا موضوعا او عنوانا. بعبارة اخري يحثنا علي الكتابة الحرة.وكانت الحرية تسكنني. وأفرح بها. وكانت الفروض المحدودة تزعجني. فانطلقت أكتب ما خطر ببالي في صفحة. ولم اعرف ما كتبت. وحين أعاد استاذنا الاوراق الينا فوجئت بعلامة تفوق الممتازة. وعبارة اذهلتني كانت العلامة (A +)، فقررت ان اغير اختصاصي، من كلية العلوم الي كلية الآداب، قسم الاداب العربية، أما العبارة التي ما زالت تسكن ذاكرتي فهي: لديك طاقة شعرية. غذيها وحافظي عليها بالمطالعات والكتابة. الي الأمام .لا شك في أن اشكال الشعر المهجري والنثر المهجري أثرا ايضا في ذاكرتي، ولكل انسان تجارب تخصه صادرة عما يحيطه من قضايا، وكائنات، وحوادث، وانفعالات، وتأملات، وثقافات، وأحلام.. يصعب عليّ ان اصف مجموعاتي الشعرية. لكنني راضية عمّا كتبت منذ البدايات. فالنشيد التائه كان باكورة دواويني، ديوانا لم يعترف به احد حينذاك، ولم يصنف في باب الشعر، حتي انتشرت قصيدة التفعيلة. وهبت نسائمها من العراق، مهد الحضارات، ومهد حضارتنا العربية العظيمة. وحطت رحالها في لبنان الذي كعادته يحتضن كل جديد، لأنه في طبعه التجدد والتطور، والانفتاح صوب البحار، فتنفس الصعداء، وراح يروج لذلك الشعر الجديد، شعر التفعيلة او قصيدة التفعيلة. وانبري معظم الشعراء اللبنانيين خاصة، والعرب عامة يهللون لهذا التطور المتحول عن قيود القرون الوسطي.لا شك في أن ما حدث في الفكر العربي، وفي شعره هو ردة فعــــــل للاستقلال والتـــــحرر من الاستعمار السياسي في معظــــم الأقطار العربية.وبعد قصيدة التفعيلة، التي ما زال الشعر العربي متحررا بها، عاد الشباب يدفعون الشعر خطوة اخري نحو التحرر، حتي من التفعيلة، بعد ان قرأوا شعر الغرب، ولا سيما في فرنسا. وقد اعترف نقادها بالتجربة الجديدة، وسموها قصيدة النثر . هذه التسمية جديدة، وانما الشكل لم يكن جديداً في الشعر العربي الحديث. وكان يسمي تارة الشعر الطلق ، وتارة اخري الشعر المنثور ، وهو ليس النثر الشعري الذي امتاز به جبران خليل جبران. وقد تأثر به كثير من الكتاب اللبنانيين حتي في كتاباتهم الصحافية، اجتماعية وسياسية.واذا عدنا الي الحضارة الشعرية القديمة نجد آثاراً لقصيدة النثر، ابتداء من خطب الكهّان في الجاهلية، الي كتابات أبي العلاء المعري في الفصول والغايات، وربما في غيرها.يصعب عليّ، كما قلت، ان اصف مجموعتي الشعرية الاولي التي جرؤت علي نشرها سنة 1949، حين كان النشر صعباً، وفي الديوان، كما ذكرت سابقا، بعض ما كتبته في الاعوام 47 و48 و49 ومن القرن الماضي.وقد اختلف النقاد كثيرا حول من أول من كتب قصيدة النثر ، كما سمّاها الغرب. أفلا يحق لنا، ونحن في القرن الواحد والعشرين، ان نتحرر من رواسم القصيدة القديمة منذ الجاهلية؟ وحين فكت نازك الملائكة الارتباط من ابياته، وجعلته تفعيلة، كنت اكتب بدايات قصائدي التي تنضوي تحت ما سمي، فيما بعد قصيدة النثر . وحين يكتب النقاد في هذه التجربة يتجاوزونني الي اسماء شعراء رجال، وأظل أنا انضوي تحت عبارتهم المكررة وغيرهم ، او وآخرون . لا يهمني اذا تجاوزني النقد المعاصر. لأنني لم أنزل، كما يفعل غيري، الي الساحة الأدبية الاستعراضية. وفي طبعي الابتعاد عن الاضواء والمنابر واللغة الخطابية او التمثيلية، كما لم أكن مسؤولة في مجلة أدبية. ولم أكن شللية ، ولا اجتماعية أقرع الأبواب، فظلت تجربتي ساكنة فيّ، وفي من يقرأني، أمقبلا كان ام مدبراً.تجربتي الشعرية الاولي منذ النشيد التائه ، حتي الستينات، تختلف عما كتبته فيما بعد حتي الان. ليس بالجوهر، وانما بالشكل أحيانا وبالمضمون الذي تأثر بالمجريات التي نعيشها من انتصارات ونكسات واكتشافات علمية واختراعات ممزوجة كلها بالغضب والحيرة والثورة لكرامة الانسان العربي وربما بالحزن دائما علي وجود الانسان ومصيره.7