حوار مع الشاعرة والاكاديمية ثريا ملحس (2 – 2):

حجم الخط
0

حوار مع الشاعرة والاكاديمية ثريا ملحس (2 – 2):

من أهم واجبات المبدع ان يرتقي بالانسان روحيا وذهنيا.. ولكن الابداع لا يزدهر في غياب الحريةهل يجوز للعالم ان يخرس امام دولة معتدية بلا حق فتنقض علي دولة مسالمة اخري بطائراتها، وأساطيلها؟حوار مع الشاعرة والاكاديمية ثريا ملحس (2 – 2):حاورها: تيسير النجارد. ثريا ملحس شاعرة وباحثة. تلقت علومها الابتدائية في عمان، والثانوية في عمان والقدس في الكلية الانكليزية. وتابعت دراساتها الجامعية في بيروت وفي لندن. ومن الجامعة الامريكية ببيروت، حصلت علي شهادة البكالوريوس في الأدب واللغة العربيين سنة 1947، بدرجة اولي شرف. وفي سنة 1951، نالت شهادة الماجستير من الجامعة الامريكية ببيروت بدرجة أولي شرف. وكان موضوع رسالتها: أدب الروح عند العرب ، التي نشرت فيما بعد منقحة ومعدلة سنة 1964، بعنوان: القيم الروحية في الشعر العربي قديمه وحديثه . وفي سنة 1952 التحقت بكلية بيروت الجامعية للبنات للتدريس فيها.. وبعدها تابعت دراستها في جامعة لندن، قسم الدراسات الشرقية الافريقية.. وفي سنة 1970، رشحت للدكتوراه في الجامعة اليسوعية ببيروت (جامعة القديس يوسف)، كلية الآداب والعلوم الانسانية، قسم اللغة العربية وآدابها، فضلا عن تفرغها للتدريس، وسجلت أطروحتها بعنوان: كشاجم، عصره، سيرته، آثار .وما يجدر ذكره أن هذا الشاعر والعالم كان مغموراً لدي الجميع، ولم يكتب احد عنه سوي سطرين او بضعة، وخرجت الباحثة ملحس من أطروحتها بألف وسبعمئة صفحة بخط يدها. وفي سنة 1981، نالت شهادة الدكتوراه الدولية (فئة اولي) من جامعة القديس يوسف (اليسوعية) ببيروت، وأصبح عنوان الاطروحة: محمود بن الحسين المعروف بأبي الفتح كشاجم البغدادي في اثاره وآثار الدارسين . وفي سنة 1989، حصلت علي رتبة استاذ (بروفيسور). وانتقلت من التدريس الي الاشراف علي اطروحات الماجستير والدكتوراه بالجامعة اللبنانية. وفي سنة 1994 صدر مرسوم لها من الجامعة بتمديد عام دراسي واحد لمتابعة الاشراف علي أطروحات الدكتوراه بالجامعة نفسها، ولكنها اعتذرت.. أما مؤلفاتها المنشورة فتربو علي الأربعين.المنابع الشعرية ما المنابع التي شكلت تجربتك الشعرية؟ انطلاقتي الشعرية بدأت في بيروت متأثرة بدراساتي المتشعبة في الجامعة، منها الفلسفية والصوفية والنفسية والتربوية والفنية والعلمية والتراثية واللغوية والآداب العالمية، وشتي العلوم. أما الأدب المهجري، نثرا وشعرا، فقد أثار في رؤي جديدة أعجبتني من دون ان أتأثر بها، بل عكفت علي ذاتي وذاكرتي التي احتشدت فيها كل معارفي واحلامي، وكل ما في الكون من سماوات، وفضاءات وبحار وصحاري وجبال وشعاب وأنهار وكائنات، كما احتشدت حضارات الدنيا وتواريخها وآثارها وأدهش ما فيها الانسان، ذلك الكائن الحائر المحير، الذي بجشعه بعثر جمالات الأكوان، كما بحروبه القذرة، وظلمه المتعمد واستعباده العباد واستعلائه واستغلاله.ومهما يكن من شيء يصعب علي الانسان ان يدل علي منابع تجاربه، كما يصعب عليه ان يعرف الانسان كما يصعب عليه ان يعرف الشعر. لأن الشعر هو الانسان والشعر نفسه صعب المراس لأنه لا يقبل التجديد، ولا يخضع للطقوس، ولا للقواعد. فالنقاد علي الرغم منه، يميلون بطبعهم الي استنباط القواعد، وبعد حين تصبح القواعد بلا قواعد، لأن الانسان في جبلته ايضا يرفض القيود. ينتظر الفرصة للتحول عنها، وسيظل منبع الشعر، كما الفنون، من الانسان وحده من أعماقه. من معارج أفكاره. من قلقه وابداعه. أما اذا أجبت عن هذا السؤال التقليدي فأقول ان المنابع هي في ذاتي ومكونات ثقافاتي وفي اعماق ذاكرتي وعقلي وروحي وتأملاتي وبيئتي وبيئة العالم قاطبة واختراعاته واكتشافاته فضلا عن احلامي في المنام كما في اليقظة. ما حلمك الثقافي؟ اولا ارغب في تعريف الثقافة التي اصبحت علي كل لسان، لغويا: هي الحذاقة والفهم والضبط وسرعة التعلم والفطنة والتقويم واصطلاحا: كما جاء في المعجم الفلسفي (1/37)، للدكتور جميل صليبا، وفي قاموس التربية وعلم النفس (ص: 79) للدكتور فريد نجار. كما يصعب ايضا تعريفها كأية لفظة من حيث دلالتها. فالثقافة هي قسم من الحضارة. ربما الحضارة عينها كما في اللغة الألمانية. وفي رأي الدكتورين فالثقافة تعني ثقافة العقل بوجهها الذاتي. أما من حيث وجهها الموضوعي فهي مجموع العادات، والأوضاع الاجتماعية، والآثار الفكرية، والأساليب الفنية والأدبية، والطرق العلمية، والتقنية، وانماط التفكير والاحساس والقيم الذائعة في مجتمع معين. وهي طريقة حياة الناس، وكل ما يملكونه ويتداولونه اجتماعيا لا بيولوجيا. والثقافة هي مظاهر التقدم العقلي وحده، كما نقول الثقافة اليونانية والثقافة العربية والثقافة اللاتينية والثقافة بالمعني العام هي ما يتصف به الانسان الحاذق، المتعلم، من ذوق وحس انتقادي، وحكم صحيح. وربما هي التربية التي أدت الي اكسابه هذه الصفات. أما روستان فعرفها بقوله: والاولي اطلاق هذا اللفظ الثقافة علي مظاهر التقدم العقلي وحده.. . ومن شروطها ان تؤدي الي الملاءمة بين الانسان والطبيعة، وبينه وبين المجتمع، وبينه وبين القيم الروحية والانسانية .وحلمي الأكبر ان أري المجتمعات العربية في عالمنا العربي كله من محيطه الي خليجه متنعما بالحرية الفكرية والمساواة الانسانية، والعدل، والالتزام باحياء تراثنا الثقافي العظيم الذي غني بكل القيم الروحية، والتقدم العقلي. لعل انساننا اليوم يتابع المسار. وينفض عنه غبار التخلف في جميع المجالات ابتداء بالحرية الفكرية، وانتهاء باستمرارية العطاء الدائم وازالة جميع العثرات في طريق النمو والبقاء والازدهار.وأحلم ان تظل اللغة العربية العظيمة منبعا وجسرا لثقافاتنا كلها، لكي تصبح لغة عالمية كما كانت في ماضيها، حاملة الثقافة المشرقة لكل البشر، والحضارة التي شعت علي العالم حين كان العالم في ظلمات.أكدت ذلك المستعربة الألمانية الدكتورة زيغريد هونكه في مؤلفها المشهور: شمس العرب تسطع علي الغرب .. كل شيء يبدأ بخطوة. اول خطوة ان نجعل أبناءنا وأحفادنا معتزين بحضارتنا التي وصلت الينا في مئات الملايين من المخطوطات، ما زال معظمها غير منشور، او مفقودا، او منهوبا، ثم نبدأ بالخطوات التاليات نحو تقبل كل جديد مفيد. نقترب ما شئنا من أدوات الحضارة محافظين علي أعظم ما في الانسان وأخلد، القيم الروحية التي ما زالت في نسيج امتنا الماجدة. وفي نسخ ثقافتنا مهما تفرعت، وشرعت وتحولت. وفي قولي هذا لا فرق عندي بين ذكر وانثي لأنهما متساويان خلقا وانسانيا. النقد.. هل خدم تجربتك الشعرية والنثرية؟ نقد الاداب الحديثة ضعيف عامة في عالمنا العربي كله. ما زال ذاتيا مرتبطا بالأهواء والشللية والفئوية والعقائدية حتي الحزبية، يغلب علي النقد الانتقاد، وهو الأسوأ، او التجريح وهو الأفجع، فالنقد من شروطه الاولي الموضوعية والبحث عن الجديد والشرح او التحليل وابراز المدهش وتقريبه الي العامة.لا.. لم يخدم النقد تجربتي الشعرية او النثرية. ابداً، هناك آراء متفرقة لادباء يعبّرون بها عن اعجابهم، او عن استقباحهم، وكل ما في ارشيفي رسائل من ادباء بذلك، فضلاً عن بعض المقالات التي تناولت شعري، بعضها جمع في كتب.لا.. لست متصالحة مع النقد والنقاد بما يخص شعري، لان النقاد الذين كتبوا في الشعر المعاصر، او تجارب الشعراء وضعوني في عبارة: وغيرهم ،، نادراً ما يذكر شعري في النقد، لان النقد ايضا مثل كل شيء في حياتنا، يروّج فقط للذين يعرفهم، فيتناقل النقّاد بعضهم عن بعض، حتي تصبح الاسماء المطروحة أساطير، كثيراً ما ينافق الناقد تجاه من يملك مجلة ادبية او ملحقاً أدبياً في جريدة، فيعتبره مثلاً شاعراً فذاً لم يسبقه احد في حداثة شعره، حتي لو كان التأريخ عكس ذلك، وأرغب في ان اضيف الي من لا يعرف انني باحثة، ولي عشرات المؤلفات في أبحاث ادبية، معظمها في ادب العصر الاموي وحضارته، كذلك العباسي، كما لي مئات من المقالات في البحوث اللغوية، والاجتماعية، ولا سيما ما يثبت انسانية المرأة ومساواتها الكونية والوجودية في جميع القضايا، دفاعاً عن اوضاعها الراهنة، فغبطتي في البحث حين اكتشف الجديد فيه لا تقل ابدا عن غبطتي حين اكتب الشعر. ما حدود الابداع؟ وهل للمبدع الحرية ان يكتب ما يشاء؟ يصعب جداً تعريف الحرية، كما الابداع، كما التعبير، كما يصعب تعريف دلالاتها، ومضامينها، تماماً كما يصعب تعريف الانسان ومتاهاته العقلية والنفسية التي تنطلق منها كل اراداته، وتخيلاته، وابداعاته.ومهما يكن من شيء فانني احاول ان اعرفها علي حسب استعمالاتها المتكررة علي اقلام الكتّاب، فأراها، قبل كل شيء ثلاثة أقانيم تصب في ذات الوحدة. (والأقنوم لفظة دخيلة معربة عن الآرامية، وتعني الشخص)، كما أفهم انه لا ابداع من دون حرية. ولا حرية من دون تعبير. ولا تعبير من دون حرية. ولا ابداع من دون تعبير، أشعراً كان أم نثراً، ام رسماً، ام نحتاً، ام موسيقي، ولا يحتكر الابداع في الفنون وحسب، بل هو في الابداعات العلمية بالقدر نفسه، فاذا آمنّا بحرية الابداع في شتي انواعه فلا بد انه منبعث من الحرية، والابداع لا يترعرع الا بالحرية، ولا يتكثر الا بها، ولا يتفرّع الا عنها، ولا يتنوع الا بها، ولا يخترع الا بها، فلا حدود عندئذ للتعبير عن تلك الابداعات، وانما حيرتنا مركوزة في الانسان نفسه صاحب الحرية بامتياز، والابداع والتعبير، كما في نتائج تلك الابداعات والتعبير عنها، وأفهم ان الحرية التي تدفع الابداعات قدماً نحو الخلود هي في فضيلتها التي لا تؤذي صاحبها كما لا تؤذي الآخرين، بهذا تبدأ الحدود الانسانية، والحضارية وهي بالتالي خلاف الفوضي.وأبدأ بمعاني الكلمات التي سميتها أقانيم مجازاً. فما معني الحرية اذن؟ وما معني الابداع؟ وما معني التعبير؟.. كلمات يلهج بها الكتّاب.. كما وسائل الاعلام كلها.وأفهم ان جميع الكلمات تنطلق من مدلول مادي، ثم تتصاعد نحو مدلول عقلي روحي، يترجّح في الفكر، علي ان بعضهم يظن انه شائع، ولكننا نعترف بأنه لا يخلو من الغموض.فالحرية، لغوياً، هي من الجذر حرر إما بفتح الحاء، وإما بضمها، وعبر المعاجم التي بين ايدينا، من أقدمها الي أحدثها، نختار ضم الحاء. لان في جذورها مدلول الحرية. فالحُر نقيض العبد وخلافه. ثم تتصاعد لتعني العتق، والشرف، وأخيار الناس، وأفاضلهم، وأشرافهم، وكرماءهم، والطيبين منهم، وتجرّدهم من الشوائب والمشائن،أما اصطلاحا فللحرية معان كثيرة. كلّها تصبّ في خلوص الانسان من القهر، والقسر، والاكراه، اجتماعياً كان ام سياسياً ام فكرياً.والحرية كما جاء في المعجم الفلسفي (1: 461)، للدكتور جميل صليبا، وفي قاموس التربية وعلم النفس (ص: 162)، للدكتور فريد نجّار، هي خلاف العبودية. فالله خلقنا أحراراً. وليس علي الانسان ان يستعبد الانسان. وكما جاء في المادة (11) من اعلان حقوق الانسان في القرن الثامن عشر في فرنسا، ان لكل انسان، ولكل مواطن الحق في حرية الكلام، والكتابة، والنشر، علي ان يكون مسؤولاً عن عمله في الحدود التي يعيّنها القانون، والحر هو الذي يأتمر بما أمر به القانون، ويمتنع عما نهي عنه، ضنّاً بحق الآخرين، ومحافظة علي كرامة الانسان وانسانيته، كما في المادة (29) في الاعلان العالمي لشرعة حقوق الانسان في امريكا في القرن العشرين، أمّا الغرض من التقيّد بالقانون العادل فهو ضمان الاعتراف بحقوق الآخرين واحترامها وحمايتها. وهذا ما يعرف بالحريّة النسبية. اما الحرية المطلقة فهي حق الفرد في الاستقلال عن ايّ مسلك والاقرار به، واستحسانه، وتقديره، واعتباره قيمة اخلاقية مطلقة.والحرية بمعناها النفسيّ والخلقيّ والفلسفيّ هي الحد الاقصي لاستقلال الارادة العالمة بذاتها، المدركة لغايتها.. والفاعل الحرّ هو الذي يقيّد نفسه بعقله، وارادته، ويعرف كيف يستعمل ما لديه من طاقة، وكيف يتنبأ بالنتائج، فحريته ليست مجردة من كل قيد ولا هي متناهية بل تابعة لشروط متغيرة، توجب تحديدها وتخصيصها.والحرية تنشأ عن النفس كلها، لا عن عامل نفسي مفرد.. والحرية هي مبدأ الاخلاق. لاننا لا نتصور معني الواجب من دون ان نتصور الانسان حراً فيما يختار من سلوك.مذهب الحريةأما مذهب الحرية فهو وجوب احترام استقلال الافراد، او القول بضرورة التسامح في شؤونهم، او القول بوجوب الثقة بما ينشأ عن نظام الحرية من النتائج المسعدة.. وأنصار هذا المذهب يدعون الي تحديد سيطرة الدولة. ولكن تحديد سلطة الدولة لا يضمن حريّة الفرد دائماً، لانه اذا تحرّر عن سلطانها لم يسلم من الانقياد لسلطان غيرها من الجماعات، او الهيئات التي تحول دون تمتعه بحريته.وما معني الابداع الذي اصبح علي كل لسان وقد فرض عليه الكتّاب والمتحدّثون فهماً؟ وما العلاقة بين فهمهم وما جاء في المعاجم؟، فالابداع لغوياً، هو من الفعل المزيد أبدع. ومن الجذر بدع ، كذلك تصاعد مدلول هذه اللفظة من المادية الي العقلية والذهنية، او النفسية، ففيها معني الاستنباط، والاستحداث، والاختراع والجديد والمحدث، كما تعني الشرف، والشجاعة.. والعلم.. والغاية في كل شيء، والصنع علي غير مثال.. والابتكار، اما البديع فمن الاسماء الحسني. فالله هو بديع السماوات والارض، اي موجودها من غير وجود سابق، من لا شيء. علي غير فهم الابداع عند الانسان، صحيح ان الانسان المُبدع يجيء بشيء جديد، وانما هو موجود اصلاً، كما قال الجاحظ في المعاني المطروحة في الطرقات.. وهي تحتاج الي من يستنبطها، يلتقطها، يجيء بها، كذلك في المخترعات العلمية.والابداع اصطلاحاً، كما جاء في المعجم الفلسفي (1:31)، له معنيان، الاول هو إحداث شيء جديد من مواد موجودة سابقاً. كخلق الاثر الفني، او خلق صور خيالية وغيرها. اما الثاني فهو الخلق المطلق الذي هو من صفة الله الخالق البديع وحده. اما الابداع الانساني فهو ايجاد الشيء من أشياء حولنا.وما معني التعبير؟ فالتعبير لغوياً. هو من الفعل المزيد عبّر. ومن الجذر عبر كذلك تتصاعد هذه اللفظة من المادية الي العقلية، والذهنية.فعبّر تعبيراً عن فلان، اي تكلم عنه، واللسان يعبّر عما في الضمير، اي يفصح، وعبّر الرؤيا، اي فسّرها. وعبّرها في نفسه، اي بين وأعرب. وعبّر عن كذا، تكلّم.اما اصطلاحاً فيطلق التعبير علي الاعراب عن الحالات النفسية ببعض الظواهر كما جاء في المعجم الفلسفي (1: 301). منها جسمانيّة كحمرة الخد خجلاً واضطراب الحركات وجلاً وغيرهما.ويطلق التعبير علي الوسائل التي يعتمد عليها المرء في نقل أفكاره وعواطفه ومقاصده الي الآخرين. ومن هذه الوسائل لغة الكلام، والاصوات الموسيقية، والصور، والرموز، والاشارات وغيرها. وقوة التعبير عن النفس هي صفة الآثار الفنية الرائعة التي توحي بالصور والافكار والعواطف وليس المقصود بالتعبير ان تكون الصورة الفنية مطابقة للاشياء بأصلها، وانما المقصود هو دلالة الصورة علي الاشياء بما يضعه فيها الفنان من احساس، وخيال، وعناصر تجربته. حينذاك يصطبغ الاثر الفني بمشاعر الفنان من جهة، وبرحيق الحياة من جهة اخري.أراني سقت دلالات الكلمات لكي انطلق منها فأقول: ان الابداع، بشتي أشكاله وألوانه وأنواعه، يتنامي. ويزدهر بالحرية، فالحرية هي رئة للابداع، من خلالها يتنفس، ويحيا ويخلد. كما التعبير عن الابداع هو حقيقة الانسان الذي كرّمه وميزه الله من سائر المخلوقات غير العاقلة، فالابداع ارادة، واختيار، وخلق، ورؤي جديدة تزيد الانسان انسانية، فحرية الابداع والتعبير عنه لا يعني الفوضي والتحلل من الاخلاقية، والروحية وقيمها، فالانسان تفرد بالفضائل التي تكمن في العقل، موطن الضمير، والاحاسيس، والابداع والحرية، وكل ما يؤذي النفس اولا، ثم الآخرين ثانيا، يخرج عن كونه ابداعا وعن كونه انساناً.ويبدو ان للرواية والقصص والحكايا مساحات كبيرة للتفلت من الاخلاقيات، والتجاوزات الاخري. فيثقل كاتب الرواية كواهل شخصياته بما يريد قوله تهربا، ظناً منه انه بذلك يلقي اللوم عليهم وحدهم، وهذا في رأيي مهزلة، اذ لا يستطيع الانسان الكاتب ان يتحرّر من قيود الانسانية، مهما تشدق واستعلي، ظناً منه ان الآخر، سلطة كانت ام مجموعات، تحد من تعبيره، متناسياً ان ما جاء به من مشائن لا يليق بانسانية الانسان، وانما يخدش كيانه وحياءه. ويحط من كرامته، وروحيته، ووجوده ككائن عاقل، صحيح ان تاريخ الآدب لم يخل من كتّاب تعدّوا اخلاقية الانسان، كما انسانيته، لكنهم ظلوا قابعين في الهوامش، او في المستنقعات، لا تستفيد منهم المجتمعات، ولم يرقوا بها الي التذهيب الاخلاقي، والثقافي، فالثقاقة ايضا معناها الاخلاقية بكل مفاهميها، والرقي الحضاري بتعامله مع الانسان، وحقوقه الانسانية، اذ لا ترضي ان يكون علي الارض انسان مقهور، مظلوم مستعبد، ذكراً ام انثي،وجملة القول للكاتب الحرية المطلقة في التعبير كما يدور في خاطره، شرط ان لا يؤدي نفسه، ولا يؤذي غيره بمشاهد شائنة، بتحديات المعتقدات الروحانية العالية، وكينونة الانسان، فمن اهم واجبات المبدع ان يرتقي بالانسان روحياً، وذهنياً، وكرامة، للتخفيف عن المأساة الكبري في الحياة، وفي الموت، وما بعدهما، وأتجنب ان اذكر اسماء الروائيين وغيرهم، الذين فقدوا مصداقية الانسانية.. والانسان العاقل.لبنان وفلسطين ما يجري الان في لبنان، وما جري ويجري في فلسطين، ماذا تقولين في وضع عالمنا العربي الراهن الرديء؟ قبل ان اجيب عن السؤال مباشرة اقول وانا في غاية الانخطاف الروحي والعقلي، وغاية في الدهشة والذهول والغضب: ليس هناك في لغتي العربية بل في لغات العالم مصطلح استطيع الاستعانة به، او منعوت يساعدني علي التعبير الفجيع عما يجري في لبنان الآن.ماذا يجري؟ اسأل الدول العظمي الكرتونية امام القوة الالهية.. بل اسأل حكّام الدول العربية الغائبين.. بل اسأل عن موقفهم جميعاً ماذا يجري؟ ولماذا يجري؟ ولم يجري؟ وكيف يجري؟ برمشة عين تتجرأ الدولة الصهيونية بكل وقاحة لم تعرفه تواريخ الامبراطوريات العاتية التي اصبحت خبراً في طوايا النسيان هي وقواها واسلحتها علي حسب الزمان الذي مرّت به فاندثرت وانقرضت، وأسأل التاريخ بأي وقاحة وجنون وفلتان ينقضّ علينا الوحش الكاسر الصهيوني الامريكي الذي لا يشبه احداً من العصور المنقرضة والحية وانا اتجول بين دفتيه.صحيح ان التاريخ تحدث عن الوحشية المغولية التي كانت تمحو المكان الذي تحلّ فيه وانما كان المغول يجابهون البشر علي الارض، اما الهمجية المغولية الجديدة بآلات الدمار الامريكية التي تفوق الوصف البشري فهي فعلاً امتداد لعقلية الابادة المغولية الغابرة.تسألني عما يجري؟ وعمّا أقول؟ هل قرأت في التاريخ عن دولة عظمي تزرع دولة لا جذور لها في ارض اخري مهمة في نظرها، لتصبح ذراعها التي تمتد وتسحق وتمحق متي شاءت وحيثما ارادت بلا رحمة؟ هل سمعت بدولة عظمي تعاقب دولة مستقلة وتفكك اوصالها خلال ساعات لا تتجاوز بضعة ايام؟هل يجوز للعالم ان يخرس امام دولة معتدية بلا حق فتنقض علي دولة مسالمة اخري.. بطائراتها، بأساطيلها، بصواريخها الخارقة الحارقة المدمرة جواً وبراً وبحراً من اجل جنديين اسيرين ؟ من يصدّق هذا القول السخيف الجبان، حتي الطفل لا يصدق، كذلك البسطاء لا يصدّقون.حقاً ما يجري في لبنان الان مخطط رهيب، ابتدأ بتدمير العراق واحتلاله وهو أقوي وأكبر دولة عربية، تؤازره فئة ضالة مضللة، وتساعده علي الانقلاب، فانقلب علي رؤوسها واصبحت كالعبيد في يد النخّاسين، هل تصدّق ان هذا كان اول الغيث الوحشي ربما التسونامي الذي ما زال يعمل في العراق، وأهلها يتصرفون بغباء الجهل والانكسار من دون ان يدروا ،هل تصدّق ان القوة العظمي المغولية الجديدة العاتية مدّت الضوء الاخضر للصهاينة ان يقتلعوا سكان فلسطين من ارض اجدادهم وبلادهم كما اقتلعوا هم سكان امريكا الشمالية الهنود الحمر؟ معززين قوتهم الدمارية وقوتهم اليومي؟وهل نستحق ذلك العقاب لاحتضاننا اليهود الذين جاؤوا هاربين من وحشية الاوروبي هتلر النازي؟ واسأل اليوم اين القوة النازية المعتدية الظالمة التي دمرت اوروبا وقصفت واحتلت؟ اين هم الان؟ بل اين الامبراطوريات الماضيات العاتيات؟ بل اين الفراعنة والرومان والمغول التتار؟شطرت فلسطين، تألم سكانها، تمردوا.. ثاروا تحوّلوا الي فدائيين مقاومين، يدافعون عن حقهم وحق كل المظلومين المقهورين، يدافعون عن ارضهم المحروقة المسلوبة المدمرة، وفي ذاكرتي قصة سليمان الحكيم مع امرأتين تنازعتا امامه من اجل طفل، كل واحدة ادعت انه ولدها، ففكر سليمان الحكيم بدهاء وحكمة (وقد اصبحت رمزاً لكل معتد كذّاب، يخرج من وطنه او حدوده مدّعياً ان له الحق في ذلك زوراً وبهتانا)،فنادي سليمان الحكيم سيّافه، وقال له امام الامرأتين: احكم بينكما بعد ان سمعت خبركما ومخاصمتكما.. أشطر ايها السيّاف هذا الطفل الي قسمين: قسم لكل امرأة. فرضيت الام المزيفة بحكمه، اما الام الحقيقية فصرخت مستغيثة بسليمان الحكيم.. ربما ارادت ان تتنازل عن طفلها كله للام الكاذبة المزيفة، حينذاك عرف سليمان الحكيم لمن يعطي الطفل، وعرف امه الحقيقية، هذا ما حدث ويحدث في فلسطين المنكوبة، لكن الارض هي مقدّسة، وللارض رب يحميها يدافع عنها، فأفرزت مجاهدين، مناضلين، فدائيين مغامرين في سبيل شطريهما المسلوبين، اما المعتدي فصمم علي حرق الزرع والضرع ودك المباني والعمار، وانما يحيرني السؤال الذي اريده دوياً في رؤوس اعضاء حكومة فلسطين، المزيفة، لماذا رضيتم ان تكونوا لهّاية (اي مصاصة بالدارج)، في يد الصهاينة والامريكان والدول الاوروبية كمان ؟ بل الامم المتحدة مدّعين بأنكم دولة و حكومة ؟ ما هي مقومات دولتكم الدون كيشوتية ؟ فالأحري ان ترفضوا ما انتم عليه وتتابعوا المقاومة مرة والحوار مرة في سبيل احقاق الحق وتطبيق قرارات الامم المتحدة، لدولة مستقلة ارضا وشعباً، وربما باقناع العالم بعودة فلسطين كلها موحدة لكل من شاء ان يعيش فيها بسلام، يحكمها العرب المسلمون والمسيحيون واليهود، مهما كانت منابتهم وأصولهم، اما العراق فقضية اخري لا ارغب حتي في مخاطبة اهلها، فهم ادري بشعابها، لعلهم يجهلون خبث الامبراطورية الامريكية الصهيونية.اما لبنان فأصبح من اعجب عجائب الدنيا التي يعيا الانسان استيعابها، واستيعاب ما يجري وما يري، وما يسمع، امام عيون اوروبا العمياء المتعامية، وامام الضمير الامريكي المتحجر المستكبر، الذي لا يرمش له جفن امام رؤية الدمار والخراب وتفكيك البنيان وما أحدثه الصهاينة، دمروا العمار، حرقوا الارض، لوثوا السماء جالوا في البحر.. قتلوا الاحياء فيه، بكل وقاحة، بكل تجرؤ، بكل قسوة، بكل جمود القلوب والعيون، انقضوا علي وطن مستقل ذي سيادة.. وراءهم الامبراطورية الامريكية تنير لهم طريق الدمار والخراب، تستعمل الذراع الصهيونية لحل قضية من أعقد قضايا العصر، وهي قضية الشرق الاوسط ، وبها ايضا تطبق قرارات الامم المتحدة نيابة عن الامم المتحدة، وهي لم تحترم جميع قرارات الامم المتحدة الصادرة عليها بل تسخر منها، هذا لعمري مضحك مبك.ما ذنب لبنان؟فما ذنب لبنان؟ لقد استعانت امريكا من قبل بتلك الذراع السيئة لطرد المنظمة الفلسطينية من لبنان.. وهذا امر لا اخوض فيه، فالفلسطينيون خارج بلادهم.. وهو شيء آخر.. اما في لبنان فالرواية عادت وعادت الذراع الصهيونية لخدمة سيّدتها الامبراطورية الامريكية، مع فئة ضالة مضللة من اللبنانيين ربما ساعدت علي الاختراق وهي لا تدري، فالهجمة الصهيونية في الثمانينات أفرزت المقاومة وبالتالي حزب الله، ولكن هذه المرّة هي مقاومة لبنانية مئة بالمئة، كبرت هذه المقاومة وحرّرت ارضاً، وبنت قوة بحكمة وصمود ومثابرة.ومن اجل أمن اسرائيل، في منطق امريكا والعالم المضلل، اعطت امريكا الضوء الاخضر لذراعها الغادرة لتقوم بتطبيق قرار الغاء المقاومة وسلاحها، وقد اخطأت التقدير، فالمقاومة اللبنانية اصبحت ناضجة، ماردة، لا تأبه لشيء سوي الدفاع عن كل شبر من ارض لبنان لاعادة الكرامة للبنانيين جميعاً بلا فرق بين فرد وآخر، حتي من خالفها رأيها، ان كان للبناني ان يقول شيئا مخالفاً فليصمت الان، ولو عتاباً او مأخذاً، لم ترتكب المقاومة اللبنانية خطأ وانما الخطأ جاء من فئة ضالة مضللة غبية، راح عن بالها، من دون ان تدري، انها لوّحت بالضوء الاخضر لعلّها تتخلص ممن يناضل من اجل كرامتها.فيا ويل الصهاينة والامريكان من التاريخ، ويا ويلهم من الحق الاعلي ،ويا ويلهم من النفط حين يلوّح به العقلاء.ويا ويلهم من حضارتنا العظيمة.. وعزّتنا وكرامتنا.ويا ويلهم من الله، فيا حزب الله ويا نصر الله، نصركم الله علي الظالمين المعتدين المغول الجدد، أرأيت كيف اري الوحدة العربية تجري في عروقنا؟ ارأيت الشوارع العربية من المحيط الي الخليج كيف تهدر بحكامها؟ أرأيت كيـــف سالت نهراً واحداً.. وكيف توحدت تحت راية المقاومة اللبنانية؟ مرة اخري؟ارأيت ان حلمي تجسد في تلك الوحدة العربية الشارعية؟ فيا حكامنا ولو مرة ردوا لنا كرامتنا، ردوا لنا قوتنا وحقنا، بنفطكم الذي لا يُقهر، واني لأبكي وأبكي بلا حولوأبكيبلا قوة،واني لأصلي وأدعودعائي لرب سميعوأبكي..ونصر من اللهقريب.. قريب. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية