حوار مع الكاتب الأمريكي الحائز علي جائزة الغنكور جوناثان ليتل: سوف نحتاج الي فترة زمنية طويلة لتفسير هذا التتويج!
أجري الحوار: صامويل بلونفليد التقديم والترجمة: أحمد الويزيحوار مع الكاتب الأمريكي الحائز علي جائزة الغنكور جوناثان ليتل: سوف نحتاج الي فترة زمنية طويلة لتفسير هذا التتويج!قبل ثلاثة أشهر، لم يكن اسم جوناثان ليتل معروفاً، علي الأقل لدي عموم القراء. غير أن النجاح المنقطع النظير الذي لقيته رواية المتسامحات ، وتتويج صاحبها المستحق في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) الأخير بجائزة الغنكور الفرنسية، حوّلا مصير الشاب الأمريكي جوناثان ليتل، ليصبح بذلك نجماً أدبياً سطع ضوؤه مع الدخول الثقافي الفرنسي لهذا الموسم! ولد جوناثان ليتل في 10 تشرين الأول (اكتوبر) 1967 بالولايات المتحدة الأمريكية. والده هو: روبيرت ليتل Robert Liel الصحافي الأمريكي المعروف في مجلة نيوزويك ، المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، والمؤلف للعديد من الكتب السياسية والروايات البوليسية المشوقة، التي استثمرت وقائع التجسس بين وكالات الاستخبارات الأمريكية C.I.A والسوفييتية KGB، في فترة الحرب الباردة. ولا يخفي جوناثان ليتل الابن كونه ساهم كثيراً في مساعدة والده أثناء تأليف بعض هذه الكتب وتحرير المقالات، بما أسداه له من خدمات البحث عن المادة الوثائقية اللازم توفرها في الكتابة، مع ما رافق ذلك من احتكاك بخبرة الأب الأدبية واحترافيته. غير أن جوناثان الصغير لن يمكث في نيويورك طويلا الي حين استكمال تكوينه الدراسي، بل سيسافر بعد سنة الي باريس 1985 وهو بعد فتي يافع، مقرراً إجراء امتحانات الباكالوريا (الثانوية العامة) في فرنسا. ثم بعد فترة قليلة، سيعود الي جامعة ييل Yale الأمريكية لاستكمال تعليمه الجامعي، وسيتخصص في دراسة الأدب الفرنسي. وفي سن 22 سنة، يعكف جوناثان ليتل الشاب وهو في أوج الحماسة الأدبية، علي عملية الترجمة من اللغة الفرنسية الي الانكليزية، مستهدفاً تعريف القارئ الأنغلوفوني بمجموعة من الأسماء الأدبية والفكرية الفرنسية: ساد Sade، جينيه Genet ، بلانشو Blanchot وكينيارد Quignard . إلا أنه سرعان ما سيتخلي عن الأدب والترجمة، لينخرط في العمل الإنساني، ضمن بعثات أممية لإغاثة اللاجئين في مواقع الحروب والمجاعات (سواء في البوسنة، أو شمال القوقاز، أو أفغانستان، أو الصين، أو إفريقيا،، الخ)؛ حيث لا تزال مخلفات الحروب حية تنطق بلسان المعاناة والآلام. وفي سنة 2001، سيقرر جوناثان ليتل أن يكتب عن المأساة التي عرفها اليهود والشيوعيون في بلاد القوقاز، فيتخلي عن مسؤولياته في البرنامج الإنساني لمكافحة الجوع، ليتفرغ لجمع المادة الوثائقية الضرورية للكتابة الروائية، مرتحلاً مرة أخري بين ربوع أوروبا الشرقية، باحثاً عن بعض الأسر والأقليات التي لا تزال تحتفظ ذاكراتها ببعض الوقائع والحوادث القديمة، ثم السفر بين المكتبات المتفرقة لتجميع المتن التاريخي، من خلال الكتب والوثائق الرسمية وغير الرسمية. في هذه المرحلة، يتمكن ج. ليتل خلال سنة ونصف من العمل الدؤوب والمتواصل، من تجميع شهادات آخر مَن بقي من الشهود اليهود الذين عاشوا مرارة الحرب، وذاقوا عنفها وويلاتها علي الجهة القوقازية، ثم يسافر بعد ذلك بين المكتبات والخزانات الروسية والبولونية والأوكرانية، لتجميع المادة التاريخية اللازمة. وسيتمكن من قراءة ما يربو عن 200 مؤلف تاريخي متخصص في الفترة التاريخية حيث ساد ألمانيا النظامُ النازي، من توقيع مؤرخين كلاسيكيين وآخرين من الجيل الجديد سواء من كتاب أوروبا أو أمريكا، وعلي الخصوص جيل المؤرخين الألمان الجديد. بعد ذلك فقط، ينكب علي الكتابة باللغة الفرنسية مباشرة، فتكون الحصيلة رواية علي شكل اعترافات من 900 صفحة، مكثفة ومشوقة ومليئة بالتفاصيل والوقائع المؤلمة.عن رواية المتسامحات وشجون أدبية أخري في حياة الكاتب، سيتحدث جوناثان ليتل مع صامويل بلونفليد الصحافي في جريدة لوموند le Monde الفرنسية، بعدما التقي به في مدينة برشلونة الاسبانية، حيث يقيم مع أسرته. بعد كل هذه المسافة التي صارت تفصل الآن، فيما بين لحظـــــة كتابة الرواية ولحظة نشــــــرها، أودُّ منكم أن تبوحوا لنا بما كان يعتمل بدواخلـــــــكم من أمنيات كنتم تتمنون من رواية المتسامحات أن تحققها؟ لقد جري ذلك علي مراحل. فحين حدثني السيد أندريو نوربيرغ Andrew Nurnberg الوكيل الأدبي الذي كنت قد أطلعته علي المخطوط الروائي، قائلاً بأنه أحب الرواية وبأن حظاً وافراً سوف يحالفه في شأن بيعها لإحدي دور النشر، داهمني عندئذ سرور غامر. ثم ازددتُ فرحاً وحبوراً لما قبلت دار غاليمار Gallimard نشرها. وكيف لي أن لا أكون كذلك، وكل ثقافتي الأدبية كانت كنوز غاليمار هي مصدرها؟! فلو لم تجر الأمور بذلك الشكل، لما كنت أنتظر شيئاً يذكر. إني استثمرت في هذا العمل الأدبي خمسة أعوام من الاشتغال علي نفقتي الخاصة، ولم أكن أظن أبداً بأنني سأسترجع مبلغاً مالياً يوازي ما أنفقته علي هذه الرواية من زمن ولّي وانقضي. إنني ما كنت أطمع في البداية، سوي في بيع نحو ثلاثة الي خمسة آلاف (3000/ 5000) نسخة منها لا غير. إلا أن دار النشر غاليمار وأمام ارتيابي الكبير، كانت تتوق الي تحقيق رقم مبيعات أكبر من ذلك. ثم فيما بعد، انفجر كل شيء بكيفية لم يكن أحد يتوقعها من ذي قبل. كيف تفسرون هذا النجاح الذي تحقق؟ لقد تحدثت عن ذلك، مع بيير نورا Pierre Nora في نهاية شهر أيلول (سبتمبر) 2006، في اللحظة التي تجاوزت فيها مبيعات الكتاب سقف 150000 نسخة؛ وفي أثناء الحديث، صدرت عنه هذه الجملة المهمة والجديرة بالانتباه: في هذه الحالة، لا الناشر ولا الكاتب هما مَن يمكن أن يفهم ما يجري، ولكن المؤرخ وحده هو من يستطيع فهم ذلك . لقد تناقشنا معاً حول دواعي وأسباب هذا النجاح، غير أننا لم نتوصل الي أية نتيجة مقنعة ولا شافية. إلا أنه علي العموم، يمكن أن نخرج بفرضيتين اثنتين: تنهض أولهما علي أرضية الاهتمام بظاهرة النازية بشكل عام، وعلي نوع تلك العلاقة التي يعقدها الفرنسيون مع تلك الفترة التاريخية التي عرفت بروز وتجلي هذه الظاهرة بشكل خاص. أما الثانية فتقوم علي افتراض ينصب أكثر ما ينصب، علي الجانب الأدبي في ذاته. فقد التفتت دار النشر غاليمار ومنذ سنوات عديدة خلت، الي تزايد طلب القراء علي اقتناء الكتب الضخمة، التي تتضمن مقومات روائية خالصة، وبها اعتناء فائق من حيث التأليف. وعلي كل حال، سوف نحتاج الي مضي زمن طويل نسبياً، والي قيام تلك المسافة اللازم قيامها، قصد التمكن من شرح حيثيات وأسباب هذا النجاح. كما يلزمنا أن نتروي قليلا حتي نري مثلا، كيف سيتفاعل القراء مع الكتاب في كل من إسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وحينذاك فقط سنتمكن من فهم ما جري في فرنسا. هل وجدتم نفسكم بشكل تام، ضمن مختلف البورتريهات التي ظهرت لكم في الصحافة مؤخرا؟ بالمطلق! فقد حُكيت عني أشياء لا علاقة لها بالحقيقة. ولشدَّ ما صُعقتُ وأصابني الذهول أمام تلك القدرة المدهشة علي الافتراء والزعم، التي أظهرها بعض الصحافيين الفرنسيين. فقد اكتشفت بأن أشياء كثيرة قيلت عني ليست بالمرة، من قبيل الحقيقة. فمن ضمن ما كُتب عني مثلاً، أنني نجوت بأعجوبة من موت محقق بالشيشان! إنه لمن الأمور المدهشة حقاً، أن يقرأ المرء عن نفسه مثل هذا الكلام! لكن وبالنظر الي الواقعة المشار إليها هنا في هذا السياق، يكفي أن يقوم الإنسان عن البحث عن اسمي في محرك البحث غوغل Google، ليقرأ أن ما كتبته مجلة نيويورك تايمز NewYork Times، لا يعدو كونه مجرد حادثة بسيطة لا علاقة لها بمحاولة القتل. لكن ما أن تقرأ هذا الحادث في الصحافة الفرنسية، حتي ينتابك الانطباع بأنني وجدت نفسي متمدداً علي الأرض قرب الجثث المضرجة بالدماء، قبل أن أتمكن من الخروج من بين أتون الحفرة، وأنا أزحف علي بطني! إن عملية التمحيص والتدقيق في المعطيات الإخبارية الرئيسية، قليلا ما تؤخذ بعين الاعتبار في فرنسا. ومع ذلك فأنا لم أشأ أن أشير إلا الي بعض الأشياء البسيطة، من قبيل أنه كان علي أن اشتغل في الصين، وسوف أتزوج، وأن أمي من أصول فرنسية، أنني سكنت بلجيكا، وأتقن الحديث باللغة الألمانية. إن كل ذلك لمحض هراء.فأنا لم أكن لأرتضي لنفسي الانسياق مع لعبة رسم البورتريه، لسبب بسيط هو أني لا أحب ذلك. وفي هذا السياق أجدني معجباً علي الخصوص بتلك العبارة التي قالتها مارغريت أتوود Margaret Atwood: إن اهتمامنا بكاتب معين لِمجرد إعجابنا بأحد مؤلفاته، لهو شبيه بما يمحض به المرء البط من اهتمام، لحبه كبدَه السمين . كتبتم قبل هذه الرواية أول عمل لكم، وكان عبارة عن رواية من الخيال العلمي بعنوان: Bad Voltage ، تدور أحداثها في سراديب الأموات، وهي بالمناسبة رواية لم يسبق لها أن نشرت في فرنسا. ما الخيط الناظم بين هذه الرواية ورواية المتسامحات ؟ ليست المتسامحات حقاً، الرواية الثانية ضمن حصيلة ما كتبته من نصوص. فقد كتبت قبلها وعلي فترات مختلفة، نصوصاً أخري آثرت الاحتفاظ بها لنفسي بين رفوف خزانتي، مثلما يلزم فعله مع النصوص التي لا نرضي عنها. وإني اليوم لنادم جداً علي نشر رواية Bad Voltage ، إلا أني لم أكن حينها حراً في تقرير مصيرها، ما دمت أني كنت تحت رحمة اتفاقية وقعتها بيني وبين أحد الناشرين، ولم أكن أتوفر يومئذ علي النقود الكافية لكي أتراجع عن ذلك الاتفاق. أضف الي ذلك حداثة سني، إذ كان عمري يومها واحداً وعشرين (21) سنة، وكان ذلك طبعاً من أخطاء الشباب. غير أني في اللحظة التي قُدِّر لي فيها نشر المتسامحات ، ما رغبتُ البتة في التستر علي هذه الرواية، كما أني من جهة ما عدتُ أطالب بضرورة إضافتها الي سجل مؤلفاتي.إن ريشار ميي Richard Millet الذي هو ناشري في دار غاليمار، أراد أن يكتب علي ظهر غلاف المتسامحات عبارة (الرواية الأولي للمؤلِّف)، فرفضتُ. وفي الأخير، وقع اختيارنا علي صيغة المؤلف الأدبي الأول للكاتب، حتي تتم الإشارة إليها علي ظهر الغلاف. أنا فعلا معتز برواية المتسامحات التي كنتُ أفكّر في كتابتها منذ سن العشرين. لقد طلبتم من الوكيل الأدبي أن يمثلكم لدي دار النشر، وتلك لعمري ممارسة غير شائعة عندنا في فرنسا بكثرة. لماذا اخترتم التعامل بهذه الطريقة؟ والدي أولا وقبل كل شيء كاتب محترف منذ خمس وثلاثين (35) سنة. هذا من جهة، أما من جهة أخري فإن المرء عندنا في العالم الأدبي الأنغلوساكسوني، عندما يكون راغباً في نشر كتاب معين من الكتب، فإنه عادة ما يبحث في البداية عن وكيل أدبي. وبناء عليه، فإن مثل ذلك الـسؤال لم يكن قد تبادر الي ذهني أبداً. إن التقليد الفرنسي الذي ينص علي أن يبعث الكاتب بالمخطوط الي دار النشر أولا، قد بدا لي بأنه أمر غريب. لذا أنا الآن أتفهم أن يكون ما أقدمت عليه، قد أحدث انزعاجاً لدي البعض في فرنسا، حيث يسود توازن غاية في الرهافة، يسمح بنشر بعض الكتب التي لا يمكنها أن تنشر خارجه. ومع ذلك فإن لهذا النظام ثمنه، بحيث لا يستطيع أي كاتب في فرنسا أن يعيش عملياً من كتابته؛ ففي فرنسا وحدها عناصر الحلقة المهنية التي تقوم حول الكتاب تستطيع أن تعيش بفضل هذا الأخير، ما عدا الكاتب بالضبط. حظيت رواية المتسامحات منذ صدورها، بتغطية إعلامية كثيفة أصبغت عليها الكثير من النعوت المادحة، مثلما زجّت بها ضمن مقارنات واسعة الآفاق. فهل استحسنتم هذا الأمر حينها، أم شعرتم إزاءه ببعض الانزعاج؟ لم أشعر من جهتي، لا بهذا ولا بذاك. لنأخذ علي سبيل المثال لا الحصر، تلك المقارنة التي دفعت بروايتي الي حدود قرنها برواية الحرب والسلام لتولستوي. إن من يقول بذلك يقرّ بسوء قراءته لروايتي أولاً، ثم لرواية تولستوي بعد ذلك. إنهما روايتان لا تنتميان الي نفس النوع الأدبي. ففي رواية الحرب والسلام ، توجد مسبقاً موضوعة السلام. أما في روايتي فلا تتخللها سوي الحرب، ولا شيء غير الحرب. ثم بالإضافة الي ذلك، هناك مستوي آخر من التعقيد يرمي بظلاله علي رواية تولستوي. ويتعلق الأمر بذلك التعاقب السرمدي العالي جداً، بين الحياة في مستواها العادي وبين الحرب. إن الموضوعة التي تتناولها رواية المتسامحات هي من نوع الموضوعات الضيقة للغاية. فأطوارها تدور حول تلك المجزرة التي ارتُكِبت علي مدي أربع سنوات، مع تلك الثلة ممَن نجا وفلت بجلده من الموت هارباً وهائماً علي وجهه، إما ذات اليمين أو ذات اليسار. وبالإضافة الي هذا وذاك، فإن الطموح الذي حرَّك كلتا الروايتين ليس هو نفس الطموح. ففي روايتي كنت أصبو الي أن أحقق بشكل أكثر جذرية، ذلك التصور الذي أنضجه موريس بلانشو Maurice Blanchot بخصوص مفهوم الفضاء الأدبي. وهو ذلك التصور الذي يُستفاد منه أنه كلما طرقنا حدود هذا الفضاء الأدبي، نجهل أننا حقاً هناك. في حضرة هذا الفضاء، من الممكن أن نكون علي يقين بأننا نصنع الأدب ، إلا أننا نبقي بعيدين عنه في الواقع، وبالعكس يمكن أن نظل ضحايا الريبة والشك حيال القيمة الأدبية لما نفعله، بينما يكون الأدب قد تخلّق بين أحضان ما كتبناه، منذ وقت ليس باليسير. من الممكن جداً أن يتكشّف لنا النص الذي يكتبه أحد المرضي الممسوسين عقلياً علي أنه في النهاية أدب حقيقي، بينما النص الذي يكتبه أحد الكتاب الكبار من الممكن أن لا يكون كذلك، لأسباب غامضة وعصية علي الشرح والتفسير. إننا علي كل حال، نعيش في الأدب بين أحضان الشك والريبة. لا نكاد نعلم أو نجزم بأي شيء. وأعتقد ان تولستوي أو فاسيلي غروسمان Vaili Groman كانا داخل مجال الريبة نفسه، مع بعض الفروق بينهما. إلا أن الأمر كان علي كل حال بديهياً بالنسبة لغروسمان. لقد كان الطموح الذي صرح به هو القدرة علي إنشاء أدب يكون أجود ممّا أنشأه تولستوي، غير أنه من اليقيني أنه توصل الي الجزم في قرارة نفسه لحظة ختمه الكتاب، باستحالة بلوغ مرتبة الأصبع الصغري من يد تولستوي. إن مقولة الفضاء الأدبي تقصي مقولة التجويد في الصنعة الأدبية. إن نصاً رديئاً للغاية ربما تكشّف لنا في النهاية علي أنه من الأدب الرفيع، بينما نص آخر مكتوب بطريقة جيدة للغاية، قد لا يكون مع ذلك رفيعاً. وعليه، ينبغي أن نحكم علي كل مؤلَّف وفق أهدافه واقتضاءاته الخاصة، وليس من خلال مقارنته مع كتب أخري. وهذا بالضبط سبب من بين الأسباب التي جعلتني لا أحب الجوائز الأدبية، لأنها بطبيعة الحال تنزع الي وضع الكتب ضد بعضها البعض، والحال أن الكتب ليست أبداً غريمة بعضها البعض. وفي هذا الصدد، أشير الي أني بعثت برسالة الي أنطوان غاليمار Antoine Gallimard، شرحت له فيها بأنني لست ضد الكُتّاب الآخرين، وأن كتابي أنا ليس إلا غريم نفسه هو بالذات، وبأنه يشتغل ضد الاقتضاء الخاص به، وبأنه بالتأكيد سوف لن يبلغ ذلك أبداً. كيف تحدِّدون هذا الاقتضاء الأدبي؟ إن الكِتاب لهو بمثابة خوض لتجربة. والكاتب أثناء لحظة الكتابة، دائما ما يطرح بعض الأسئلة بينما هو يحاول التقدم وسط العتمة. إنه لا يتقدم باتجاه الضوء، ولكن كي يمشي ويضرب بعيداً جداً بين سُدف العتمة، حتي يصل الي ظلمة تكون أشد إطباقاً وحُلكة من تلك التي شهدت لحظة انطلاقه في عملية الكتابة. إننا وبكيفية أكثر يقينية، لا نكون ونحن في حضرة الكتابة، في خضم عملية خلق لموضوع مفكر فيه ومخطط له بعناية فائقة من قبل. لهذا بالضبط لا أستطيع أنا أن أكتب إلا داخل أفق الضربة الواحدة. إن الكتابة عندي لشبيهة تماماً بالضربة التي تتطلبها لعبة النّرد coup de dژs. إننا لا نكون علي دراية أبداً بما قد يقع في تلك اللحظة التي ننكب فيها علي الكتابة. إننا نحاول ـ وحسب ـ وضع أجزاء المكتوب بالشكل الأحسن، ثم نشتغل. ففي مرحلة العكوف علي الكتابة، نفكر بالكلمات وليس قطعاً برؤوسنا. إن ذلك يأتينا من فضاء آخر. وكلما تقدمنا بواسطة الكتابة، وصلنا الي مشارف لم نكن فكرنا قط في الحلول بين ظهرانيها من قبل. لهذا السبب بالذات، أنا علي أتم الاستعداد لتقبل التوجيهات النقدية التي من شأنها أن تكشف لي عن أخطاء الكتابة في هذه الرواية. إني لم أكن بالفعل، أعلم ما أنا فاعله لحظة الكتابة. لقد اعتقدت قبل الخوض فيها بأني أعلم ذلك، لكن النتيجة النهائية التي توصلت إليها لا علاقة لها بالمقدمات التي انطلقت منها. كيف تحكمون علي هذه النتيجة النهائية؟ وهل أعجبتكم رواية المتسامحات ؟ لا ينبغي في نظري، أن يوضع الـسؤال بهذه الصيغة. من الأفضل مثلا أن نتساءل عن التصور القبلي الذي كان مرسوماً له أن يقود خطوات إنجاز الكتابة. وعلي كل حال، يمكن أن أجيب من خلال الاستشهاد بإحدي مقولات جورج باطاي Georges Batille، التي يقول فيها: لا يملك الجلادون كلاما خاصاً بهم، أو انهم علي الأقل حينما يتكلمون إنما يرددون كلام الدولة . إن الجلادين يتكلمون، بل هناك منهم مَن يطشّ وفق النسخة المطابقة لما ترتئيه وتراه الدوائر العليا. بل وإنهم ليحكون أيضاً بعض الأشياء الحقة بعبارات عملية. فعن الكيفية التي نُظم بها معتقل تريبلينكا Treblinka مثلا، لم يكن إيخمان Eichmann يكذب أثناء المحاكمة التي خصصت له. لقد روي الحقيقة. إلا أني حينما أتحدث الكلام الحق، ينشغل تفكيري دائماً بالبحث عن كلام قادر علي أن يوحي بحذوفاته وفجواته الخاصة، مثل ما توصل إلي ذلك كلود لانزمان Claude Lanzmann، مع ضحايا النازية في مؤلفه المعنون بمحرقة اليهود: Shoah.لقد اكتشفت الجملة السابقة التي كتبها باطاي، بعدما سبق لي أن انتهيت من كتابة الرواية. إنها جاءت هكذا لتنيرني بكيفية استرجاعية. فقد حسبت في البداية، أني سأعثر من دون شك علي بعض ما يمكن لي التمسك به في نصوص الجلادين. فبين هذه النصوص وبين ما سجلته عن جميع الجلادين الذين تعرفت عليهم أثناء عملي ـ إما في البوسنة حين كنت أشتغل بجانب الصرب، أو في الشيشان لما كنت مع الجنود الروس، أو في أفغانستان مع طالبان، أو في إفريقيا مع الروانديين أو الكونغوليين ـ كنت أحسب نفسي أني أتوفر علي ما يمكن استثماره في العمل. لكن كلما تقدمت في قراءة نصوص الجلادين، بدا لي أنها لا تحتوي علي أي شيء يذكر. إنني لم أكن لأقدر أبداً علي التقدم أماماً في أفق انجاز الكتابة، لو أني بقيت رهن سجل إعادة الخلق الروائية بالطريقة الكلاسيكية، حيث يهيمن صوت الكاتب ذي المعرفة الكلية ـ علي الطريقة التولستوية ـ وهو ينصِّب نفسه حكماً في الصراع الدائر بين رموز الخير والشر. لقد كانت حيلتي الأدبية الوحيدة التي توفر علي عبء الرزح تحت طائلة ذلك الإكراه، هي تقمص شخصية الجلاد والشروع في الحكي علي لسانه، سيما وأني راكمت ما يكفي من النصوص حول تجربة الجلادين، واحتككتُ ببعضهم أيضاً. إنني انطلقت ـ هكذا ـ مما كنت علي معرفة مسبقة به، أي من شخصي أنا بالذات، ومن طريقتي في التفكير ورؤية العالم، مردداً في قرارة نفسي بأني سوف أنتحل شخصية جلاد نازي. إلا أنه نازي خارجٌ عن المألوف، واقعيٌّ شيئا ما وليس قابلاً بالقوة للتصديق. أنا متفق معك. لكن النازي القابل سوسيولوجياً للتصديق، قد لا يستطيع البتة أن يعبر عن وجهة نظره الشخصية مثل ما قام به السارد في روايتي. لو كان هذا الأخير من تلك الطينة، لما كانت له القدرة علي إضاءة الشخصيات التي كانت تحيط به، سواء منها تلك التي وُجِدت حقيقة مثل إيخمان وهيملر Himmler، أو تلك التي صنعها الخيال. إن ماكس أيو Max Aue هو بمثابة الأشعة السينية التي تكنس وتنظف كل شيء،إنه آلة سكانير. إنه ليس بالفعل شخصية محتملة. إنني لم أكن أبحث عن المحتمل، ولكن عن الحقيقي. ليس هناك من إمكانية كي تنهض رواية ممكنة إن نحن بقينا فقط، ضمن حدود السجل الوحيد للمحتمل. إن الحقيقة الروائية تنتمي الي نطاق آخر غير نطاق الحقيقة التاريخية أو السوسيولوجية.إن قضية الجلاد هي القضية الكبري التي استقطبت إليها اهتمام مؤرخي محرقة اليهود Shoah منذ خمس عشرة سنة. والسؤال الوحيد الذي ظل عالقاً، هو السؤال الذي يدور حول ذلك الحافز الذي حرّك الجلاد للفتك بالضحية. ويبدو لي اليوم بعدما اطلعت علي كتابات الباحثين الكبار، أنهم ينتهون جميعهم الي الباب المسدود. إن ذلك لواضح جداً في ما كتبه كريستوفر براونينغ Christopher Browning. فهو قد انتهي الي وضع قائمة بمجموعة من الحوافز الممكنة والمحتملة، من دون أن يقوي علي الفصل بينها بإحكام، أضف الي ذلك، بعض مَن يشـــــددون بكثرة علي النزعة اللاسامية، وعلي بعض التصورات الأيديولوجية الأخري، لكننا في العمق، لا نعلم عن ذلك أي شيء. والسبب في ذلك بسيط، وهو أن المؤرخ يشتغل علي بعض الوثائق، وإذن علي بعض أقوال الجلادين التي هي أقوال متعارضة بشكل فيه إحراج، لكل واحد منها حجته. فكيف يمكن لنا بناء علي ذلك، أن نبني خطاباً ما؟ ما هي انتقادات المؤرخين التي وسَمتك أكثر، ومن ثمة حفّزتك أكثر علي الانطلاق في الكتابة؟ طرح بعض النقاد قضايا ذات أهمية كبيرة حول بعض الأخطاء التأويلية التي وقعتُ فيها. فقد لاحظ أحد المؤرخين بأنني أوّلتُ بكيفية سيئة تقرير مصلحة الأمن الخاصة بجهاز الـSS وجهاز الغيستابو، بتقديمي بعض المنضوين ضمن الجهاز الأول علي أنهم كانوا أكثر مثالية من وحوش الغيستابو. من الممكن أن أكون قد وقعت هنا ـ مثلما في أي مكان آخر غيره في الرواية ـ في منزلق خاطئ. وعلي كل حال فهذه ليست سوي رواية. وحينما قدم فاسيلي غروسمان الضابطَ النازيَّ إيخمان في أحد المقاطع من روايته الموسومة بعنوان: حياة وقدر ، فإن الوصف الذي أضفاه عليه كان مغلوطاً بشكل كلي. غير أن هذا مع ذلك لا يُنقص من الرواية شيئاً. لقد كان غروسمان يري علي أن إيخمان إنسان متفوق وأسمي الي حد المغالاة، يبسط نفوذه وسلطته علي كل شيء. وقد نجمت هذه النظرة عن نوعية المتن الوثائقي الذي كان متوفراً وقتها. إنها نظرة خاطئة، لكن وماذا بعد؟حينما اعتبر كلود لانزمان بأن الجلاد الذي اعتمدته في الرواية غير قابل للتصديق، وبأنه غير نظيف، فإنه كان علي حق في ذلك. ما عدا في الحالة التي لا يتوفر فيها من قبل أبداً، أي كتاب سابق عن كتابي، وأكون فيها مضطراً الي اختيار إيخمان سارداً. إن التخوف الذي بات يحرك لانزمان هو أن لا يستطيع الناس معرفة المحرقة التي ذهب اليهود ضحيتها، إلا عن طريق مؤلفي. إلا أن العكس هو الذي صار ببداهة. فمعدل مبيعات كتبِ كلٍّ من راوول هيلبيرغ وكلود لانزمان قد ارتفع مع ذلك، منذ أن صدر كتابي بالذات. إننا ـ لانزمان وأنا ـ قد توصلنا ونحن ننطلق من الـسؤال نفسه، الي خلاصتين يتعذر علي إحداهما أن تنتصر علي الأخري. إنهما معاً خلاصتان صحيحتان. أضف الي ذلك أن نقاشنا لا زال متواصلا ولم ينته بعد. هل سيتم اقتباس رواية المتسامحات سينمائياً؟ لا. إن حقوق هذه الرواية ليست للبيع. ثم إني لا أعتقد أنه من الممكن واليسير إعداد هذا المؤلف للسينما. من سيتولي مسألة ترجمة الرواية الي اللغة الانكليزية؟ لسوف نتولي أمر البحث عن مترجم مقتدر أشتغل الي جانبه علي ترجمة الرواية. أريد أن لا تكون العملية مجرد نقل حَرفي وحِرفي الي اللغة الانكليزية. ينبغي أن يتولي المترجم مهمة البحث عن نبرة لغوية محددة في عملية الترجمة، ومن اللازم أن يبحث عن تحقيق ذلك. إن مسألة اللغة كانت حاضرة ضمن القضايا التي نوقشت بها الرواية أيضاً، وقد أُخذ عليكم بعض النزوع نحو استعمال أسلبة إنكليزية في كتابة الرواية. ألا تعتقدون أن وراء هذه المآخذ ما وراءها من تمثلات ارتكاسية ونكوصية تخص النظرة الي اللغة الفرنسية، وهي تمثلات تستهدف الإبقاء علي هذه اللغة جامدة وثابتة، بينما طبيعتها خاضعة لحركية دائمة؟ أقيل حقاُ بأن في روايتي ميولاً نحو الأسلبة الانكليزية؟! وكيف يُعقل ذلك؟! إنني فعلا أتكلّم اللسانين معاً، واللغات قد تعدي بعضها البعض بشكل قسري. وبالمناسبة دعني أشر هنا الي عمل مهم للغاية أنجزه الناقد الفرنسي ألبير ثيبودي Albert Thibaudet، يُبَيّن فيه تأثير اللهجات النورماندية علي اللغة الأدبية التي كتب بها فلوبير Flaubert رواية مدام بوفاري Madame Bovary . لقد اعتُبِر ذلك حينها بأنه خلل أدبي، لكن وانطلاقاً من منجز هذه الدراسة القيّمة، عدَّ فلوبير صاحب فضل في إبداع أشياء جميلة علي مستوي اللغة. لكل واحد منَّا طابعه اللساني الخاص. فألان مابانكو Alain Mabanckou مثلا، سيحقق علي المستـــــوي اللساني اكتشافات مهمة ناتجة عن الكيفية التي يمتلكها الإفريقيون في التحدث باللغة الفرنسية. إن صيغه التعبيرية من الممكن جداً أن تبدو غريبة ومهجورة، إلا أنها تبقي رائعة. ومن المهم أن نلاحظ بأن جوائز أدبية كثيرة مُنحت هذه السنة، لكتَّاب ليسوا في الأصل فرانكفونيين. فنانسي هوستون Nancy Huston انكليزية اللسان. واللغة الفرنسية بالنسبة لمابانكو، مثلما عندي أنا تماماً، ليست هي اللغة الأم. وعلي فكرة، فقد لوحظ أن كبار الكتاب في بريطانيا، هم إما من الهند، أو الباكستان، أو اليابان. وبفضل هؤلاء استطاعت اللغة الأدبية الانكليزية أن تثري وتغتني.نشر الحوار بصحيفة لوموند المختصة في متابعة الكتب LE MONDE DES LIVRES بتاريخ : 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006QMK0