حوار مع الكاتب التركي نديم غورسيل: كل كاتب هو منفي في لغته!

حجم الخط
0

ترجمة: أحمد الويزي

ولد نديم غورسيل (NEDIM G†RSEL) سنة 1951 بتركيا. بدأ دراسته في إسطنبول، ثم أنهاها مُكرهاً بجامعة السوربون الباريسية. اشتهر بأسلوبه المميز في الكتابة الأدبية داخل تركيا، وهو لا زال شاباً يافعاً لم يتجاوز العقد الثاني من عمره. وحين استقر به المقام بفرنسا، لفت إليه أنظار المثقفين بسرعة وهو ما يزال طالباً جامعياً. قدّمه ماغالي موري لقراء مجلة (جون أفريك) بتاريخ 30 نسيان (ابريل) 1976، علي الشكل التالي: بنظرة زرقاء، وقوام هزيل علي الرغم من اللحية التي تلتهم الوجه، وملابس سيبيرية يؤثرها ويفضلها. هكذا يبدو نديم غورسيل الكاتب التركي الشاب الذي كانت شهرته في بلده قد سبقته، عندما جلس بتواضع ومنذ ثلاث سنوات، علي مقعد من مقاعد الدراسة في السوربون.

يعد نديم غورسيل من الأقلام القصصية والروائية التي أعطت للكتابة السردية التركية نسغاً ودماً جديدين. ويأتي غورسيل (مع أورهان باموق وأحمد آلتان ولطيفة يتكين وآخرين)، مباشرة بعد جيل الرواد الذي يتكون من يشار كمال وأورهان كمال وسعيد فائق وصباح الدين علي. اهتم غورسيل بالقصة القصيرة التي يعتني بلغتها الشعرية أكثر من اعتنائه بشيء آخر، وله فيها مجاميع عديدة هي بالترتيب التالي: صيف طويل في إسطنبول (1975) وقد ترجمت الي العربية، كتاب النساء (1983)، إسطنبول حبيبتي (1986)، التحقيق (1988)، الترام الأخير (1991). وفي سنة 1995 صدرت لغورسيل أول رواية بعنوان: محمد الفاتح، التي حظيت بانتشار واسع في تركيا (إذ طُبعت ست مرات خلال ثلاث سنوات)، وفي الخارج (أربع طبعات في فرنسا، مع ترجمتين بالإيطالية والألمانية). اهتمت الترجمة العربية منذ 1990 بنقل بعض مؤلفات غورسيل، فصدرت عن دار الفارابي بلبنان (ضمن سلسلة روايات من العالم)، ترجمة الأستاذ أحمد سويد للمجموعة القصصية الأولي: صيف طويل في إسطنبول. وفي سنة 2001، صدرت رواية: محمد الفاتح بترجمة الشاعر والقاص والمسرحي العراقي: نصرت مردان، عن منشورات الجمل بألمانيا. وللزيادة في تقريب القارئ العربي من هموم واهتمامات هذا الاسم الأدبي المتألق، نترجم اليوم حواراً صدر في خاتمة كتابه: فندق الرغبة ضمن منشورات دار الكُتّاب الأجانب والمترجمين بسان نازير الفرنسية (M.E.E.T)، سنة 1995. وهو كتاب يؤرخ لعبور الكاتب التركي الملتحي، هذه الدار التي تستضيف علي مدار السنة ثلة من كبار الأدباء العالميين، وتحتضن إبداعاتهم المنشورة باللغة الأصلية مع الترجمة الفرنسية. (المترجم). برنار بروتونيير: ذكرتم خلال اللقاء الذي عُقِد بسان نازير (Saint ـ Nazaire)، ما كان يعتمل بداخلكم من مشاعر وأنتم تنظرون إلي السفن المنطلقة، بعدما عرفتم أنها مكثت لأسابيع عديدة، راسية في الميناء، مما يجعلنا للِتّو، نفكر في انطلاقتكم أنتم صوب بلاد المنفي. حدِّثونا عن الكيفية التي تركتم بها تركيا؟ نديم غورسيل: كنت في عام 1971، طالبا بالسنة الأولي الجامعية بإسطنبول. كانت الحركة العمالية تتطور بشكل لا يستهان به، وأفكار اليسار في حمأة الجيشان. ظل ايار (مايو) 1968 حاضرا لدي أبناء جيلي بحدة، وبشكل خاص لدي المناضلين المنضوين ضمن مجموعة اليسار المتطرف التي كنتُ أقتسم نفس القناعات مع أعضائها. مرّتْ بنا حركة الجنرالات، وهي نوع من الانقلابات العسكرية، التي نتجت عنها موجة عارمة من القمع، وكنت في مؤلفي: صيف طويل في إسطنبول (2)، قد أشرت اليها. وحدث ان صدرت في حقي إثر ذلك، متابعات قضائية جراء نشري في المجلة الأدبية المسماة: أصدقاء الشعب، لمقالة أدبية عن الكاتب الروسي غوركي (GORKI). لم يكن يدور بخلدي من قبل أبدا، السفر إلي فرنسا، علي الرغم من المنحة الدراسية التي اقتُرِحت علي بعد أن حصلت علي شهادة الباكالوريا. فأنا ما قدمت إلي هنا إلا مضطراً. ولم أتمكن أنا الغائب عن تركيا وقتئذ، من أن أُحاكم قبل سنة 1973، وهي السنة التي استطاعت فيها الحركة الاجتماعية الديمقراطية مع بولنت إسيفيت (bulent Ecevit)، الوصول إلي السلطة. أثناء رحيلي المضطر لم أركب متن السفينة، وإنما سافرت في الطائرة. غير أني قبل ذلك التاريخ، أي سنة 1969 لما كنت في قسم الثانوية العامة، سافرت مبحرا من إسطنبول باتجاه مارسيليا، مع وقفتين بميناءي بيري (Pirژe) ونابولي (Naples). عشت هذه الأسابيع الأخيرة بسان نازير(3)، متعوداً علي منظر وجود السفن وهي رابضة بحوض الميناء كل يوم؛ إلي درجة أن علاقة وجدانية خاصة قد استطاعت أن تُنسج فيما بيننا. وحدث ذات ليلة، أن أقلعت واحدة من بينها علي الساعة الحادية عشرة ليلا من يوم 31 كانون الأول (ديسمبر) ـ أي ساعة واحدة قبل ميلاد العام الجديد! ـ شغلني ذلك الإقلاع كثيرا فقلت في نفسي: لسوف يحتفل طاقمها من دون شك، بميلاد السنة الجديدة في أعالي البحر. ثم انغمرت بشعور عميق بالوحدة والغربة فكتبت في مفكرتي: واحدة بعد أخري ترحل السفن، مثلما رحلتْ من قبلها، النساء… تركت سان نازير بعض الوقت، وحين أُبْتُ إليها بدا لي الميناء خاليا وموحشا. من عادتي أني حينما أكتب أداخل بين المدن، وغالبا ما تكون من اختراعي. أما هنا بسان نازير فإن السفن كانت شيئاً حقيقياً وواقعياً. بل وربما كانت إحداها، وهي من: اوديسا (Odea )، قد مرت بالضرورة، من أمام بيتنا بأناضولي هيزاري ( Anadoli ـ Hisari) علي شاطيء البوزفور. إنني أكتب من خلال عملية توارد الأفكار، من دون أن أكون علي الدوام، علي علم بالنهاية التي قد يقودني إليها ذلك الأمر. إنني لا أشعر، مثلما هي حال سفينة رامبو (Rimbaud) الثملة، بأني منقاد بسواحب جرّارة. برنار بروتونيير: غير أن كتابتكم تتغذي كذلك، علي التذكّرات القديمة. نديم غورسيل: يسمح لي جنس القصة القصيرة بخلق جو شاعري أكثر مما يسمح لي بخلق عقدة حكائية. ومن هنا تجد الطفولة دوما، مكانها ضمن هذا الجو؛ فذكريات الطفولة تقبع غافية في الذاكرة، وما التذكّرات القديمة سوي تلك النتف الخاصة التي أبحث عنها بالذاكرة. وحتي الكلمات التي أستعمل، هي نفسها ليست سوي كلمات طفولتي الخاصة.

برنار بروتونيير: ألهذا لا زلتم تكتبون باللغة التركية، في حين أنكم تتكلمون الفرنسية جيدا، وتعيشون بفرنسا منذ ما يزيد عن عشرين سنة؟ نديم غورسيل: إلي حدود هذه اللحظة، نعم. فقد حاولت كثيرا الكتابة مباشرة باللغة الفرنسية، لكن ومثلما حاولت تبيين ذلك في قصة كلمات من المنفي (4) ـ وهي خلاصة كُتِبت مباشرة بالفرنسية ـ فإنني كذلك كنت راغبا في أن أُظهٍر ـ وبشكل مفارق ـ ارتباطي الوثيق باللغة التركية. وقد حدث أيضا، أن كتبت بعض الدراسات النقدية بالفرنسية، غير أن ذلك يدخل في إطار عملي الجامعي المحض. أما بالنسبة للكتابة الأدبية، فأنا أواصلها باللغة التركية. وحتي لو كنت قادراً علي ترجمة نصوص مواطنيّ إلي الفرنسية، فأنا عاجز عن ترجمة نصوصي الخاصة. برنار بروتونيير: أيمكن أن يُعزي ذلك الي الرغبة الشخصية في مواصلة الاستمرار بين أحضان لغتكم الخاصة، علي الرغم من المسافات التي تفصلكم عن الوطن؟ نديم غورسيل: أجل، فالأمر كذلك. غير أنه كلما أخذ الوقت يمضي يسيطر عليّ انطباع بفقدان هذه اللغة. في داخلي ينشأ صراع مستديم يدفع بي إلي مناهضة هذا الخطر المتمثل في الاجتياح الكلي والشامل للغة الفرنسية، التي تعلمتها ـ مع ذلك ـ وأنا بَعدُ فتي يافع. إن الفرنسية هي لغتي اليومية، بما في ذلك عملي الجامعي أيضا. وبذلك تكون كل الشروط قد توفرت لدي كي أعْبُر باتجاه الفرنسية؛ إلاّ أني مع ذلك ظللتُ مرتبطا بهذه اللغة التي هي قبل كل شيء لغة أمي ولغة كتبي. فعيشي بعيدا عن البلاد التي يتكلم فيها الناس بهذه اللغة، يدفعني إلي ان أتلاءم معها يوميا أكثر. ذلك أن الأدب لا يُقدّم أبدا كلغة ناجزة، بل علي الأديب أن يكتسبها وهو يتمرن ويشتغل علي الدوام. برنار بروتونيير: عندئذ يأتي اللسان في مقابل اللغة. نديم غورسيل: لنجعل سوسير (SAUSSURE) مرجعنا… فاللسان وسيلة للتواصل، نظام يشتغل انطلاقا مما هو جمعي واجتماعي، في حين أن اللغة خاصة بكل كاتب. فكل كاتب محدد بولادته الفرنسية هو كذلك داخل اللسان الفرنسي، غير أنه يخلق لغته الخاصة من خلال التصرف الفردي الخاص الذي يبلغ حدّ القسوة علي هذا اللسان (انظروا إلي ما فعله فلوبير FLAUBERT، ولوكليزيو Le clژzio مثلاً). يمكننا حينئذ، ان نجعل اللغة هنا، في مقابل اللسان. برنار بروتونيير: غير أنه بمقدور أي كاتب أن يغير من لغته، من مؤَلَّف إلي آخر. نديم غورسيل: أنا متفق معكم غاية الاتفاق. فلكل مؤَلَّف لغته، والبحث عن هذه اللغة هو ما ينبغي أن يتطابق والمضمون الذي يهدي الكاتب ويقوده. بالإمكان أن يكون لنا نفس الأسلوب (أو أسلوب آخذ في التطور) في كل مؤلفاتنا، وأن يطال التغيير لغة كل مؤلَّف من تلك المؤلفات. فالكاتب هو ذلك الكائن الذي يبحث دوما، عن شكل لغوي خاص بكل قصة يحكيها. فحينما أصف حركات السفن البطيئة، فإنني أعمد إلي جمل طويلة. أما حينما أصف خبب الخيول وهي تعبر الدانوب (Danube )، فإن إيقاع الكلمات يغدو سريعا. برنار بروتونيير: لنفترض أنه بعد هذا النص الأول المكتوب بالفرنسية، واصلتم الكتابة بهذه اللغة الخاصة بالبلاد التي أقمتم فيها منذ مدة غأي فرنساف. ألن يكون ذلك مبارحة، بل تنازلا عن هويتكم كمنفي؟ نديم غورسيل: لدي شعور مفاده أنني إذا ما انتقلت إلي اللغة الفرنسية فإنما من أجل كتابة شيء آخر، وقد أصبح عندئذ، شخصا آخر. وأخشي حينما أغدو شخصا آخر، أن أرتكب خيانة ما: أخشي أن أخون لغتي، وأخون أمي التي بقيت مرتبطا بها إلي حين وفاتها، منذ عامين. وإذا حدث يوما ما أن كتبت كتابا كاملا بالفرنسية، فإنه سيدور حول شخصية أمي، حتي لا أستعمل كلماتها التي قد تؤلمني باللغة التركية. إنه لشيء يبدو بشكل مرعب متناقضا للغاية، إذ أني قد أجازف حينها بخيانة أمي، حتي أتمكن من الكتابة عنها، وعن موتها. برنار بروتونيير: كنتم وهي لا تزال علي قيد الحياة، قد كتبتم بالتركية قصة قصيرة عن موتها(5). فإن كان فعل الكتابة يسمح بمساءلة التذكرات السابقة، أليس هو أيضا فعل نبوءة؟ نديم غورسيل: كانت هذه القصة فعلا، ذات طبيعة تنبئية، لأن أمي قد وافتها المنية في ظروف وملابسات تشبه إلي حد ما تلك التي كتبت عنها في قصة: العودة. غير أني ما أفتأ أحاول المحافظة علي المسافة بالنسبة إلي الأدب، فأنا راغب عن الاعتقاد بأن الكاتب ما هو إلا نبي ملهم. ليس الخوف هو ما يدفعني الي الكتابة، إنه بالأحري الرغبة في الاغواء. برنار بروتونيير: أيمكننا حقا أن نكتب أو نبدع، مع الرغبة في أن نكون محبوبين؟ نديم غورسيل: أجل، وإنها لحالتي أنا. إذ يمنحني مؤلَّف ما فرصة الالتقاء مع ثلة من القراء والقارئات، بل ربما حتي مع بعض المعجبات! أحب ان أُحدث بعض التأثير في النساء قصد جعلهن مستهيمات. أتوصل ببعض الرسائل من هذه البينيلوبات (Pژnژlopes) اللواتي يقبعن في عزلتهن منتظرات. وهكذا تمكنت من عقد لقاءات عديدة مع بعضهن. ففكرة أن قارئة ما ربما تفكر بي، وترغب في الالتقاء معي، هي فكرة تحلو لي وأستلذها باستمرار.. برنار بروتونيير: استعملتم قبل قليل (وأنتم تتحدثون عن علاقة الأديب باللغة) لفظة اشتغال. ما هي إذن، طبيعة الاشتغال الذي ترغبون في تحقيقه علي اللغة؟ نديم غورسيل: إن عملي هو عمل شاعر أكثر منه عمل روائي. فحينما أكتب، وبصعوبة أكتب، فإني استخدم القلم، مصححا الشيء الكثير؛ إلي حين التمكن من الرضي بعد الاستماع، للجملة المكتوبة. ولا يمكن للجملة الثانية أن تنضاف، إلا حينما أكون راضيا عن الأولي من الناحية الصوتية، بانشغالي علي التوازيات. إنني أعيد قراءة المكتوب جهارا علي الدوام، ولا أتوصل إلي استعادة التوازيات الصوتية للغتي إلا وأنا بعيد عن تركيا. إن وسائل الاتصال تغتال اللغة التركية، فهي لم تعد تحترم التركيب النحوي، وترتكب غما يمكن تسميتهف بالنـزوع للأمركة في كل شيء. وأنا اكتب، أبحث عن سبيل للمحافظة علي نقاء وصفاء اللغة المنحدرة من طفولتي، التي هي طفولة ما قبل ظهور التلفزيون. برنار بروتونيير: ألا يمكن القول بأنكم تدافعون عن كلاسيكية معينة، أو عن لغة ثابتة غير متغيرة؟ نديم غورسيل: أبدا، لأنني أتموقع قصدا ضمن مشروع الحداثة. كنت أود دائما أن أكون حداثيا، مخترعا وشاعريا، بمعاكستي للحركة الواقعية التي كانت مهيمنة، وبذلك حصلت علي جائزة أكاديمية اللغة التركية، عن كتابي الأول(6). برنار بروتونيير: تكلمتم فيما قبل عن تداخل الأمكنة في كتابتكم. ذلك أن من بين اهتمامات الكاتب مثلما يبدو لي، هو الانفتاح علي العالم، علي الكوني. فهل أن تكتب هو أن تسافر؟ نديم غورسيل: بكل تأكيد. إن الكتابة سفر في الجغرافيا: وقد سبق لي ان تكلمت عن مدن عديدة في كتبي. غير انها كذلك سفر في الذاكرة. فذكرياتي تنبجس عند انعطافة كل جملة. مثلما أني أسافر بين المدن والناس، وأدون انطباعاتي التي استفيد منها فيما بعد. إنني إذن، أسافر في الواقع وأسافر علي سبيل الاستعارة، في الذاكرة والزمان. وغالبا ما تكون شخوصي في سياق بحث عن حب مستحيل: شخوص مسافرة، مسافرة في المجهول، في المشاعر، وفي ما هو مستحيل. برنار بروتونيير: هذا المنفي، هذه التذكرات القديمة، الذكريات والأسفار التي هي لك ولشخوصك. كيف ستغدو لدي قرائك؟ نديم غورسيل: إنني لا أكتب من أجل ذاتي أنا. فالأدب يبدأ حينما يأخذ الآخرون في اقتسام العمل الذي قمت به. يظل الكاتب وحيدا تحت مصباحه ومع كلماته، لكن ما ان ينشر مؤلفه حتي يخرج عنه، وتغدو عزلة الكاتب عزلة أولئك المنكبين علي قراءة الكتاب، سواء أكانوا قلة أم كثرا. هناك بعض من يجد في ذكرياتي ما يوافق تجربته الخاصة، حياته الفردية، غير أني أحذر من السقوط في شرك السيرة الذاتية ومن النزوع النرجسي. وهذا هو السبب الذي حدا بي حاليا إلي كتابة رواية تاريخية، قروسطية (7). برنار بروتونيير: غير أنه بإمكانكم كذلك اسقاط ذاتكم علي بعض الشخوص البعيدة جدا في الزمن. نديم غورسيل: أجل، ما عدا إن كانت ضوابط اللعبة ترتكز علي ترك الاستقلالية لهذه الشخوص. إن بلزاك (Balzac )، و هو الكاتب النهاري بامتياز، ليتحكم في خيوط شخصياته مثلما ينبغي، وهو نفس الاتجاه الذي أود النزوع صوبه. برنار بروتونيير: حينما يتحدث كاتب ما عن منفاه، ألا يتحدث عن كل المنافي؟ نديم غورسيل: إن ذلك فعلا هو ما أتوق الي الاقتراب منه، غير أن معرفة درجة توفقي من عدمه ليست متيسرة لي. وحدهم القراء يستطيعون ذلك ويعرفونه. برنار بروتونيير: ثم ألا تؤمنون بأن كل كاتب يمكن أن يكون منفيّ لغته الخاصة؟ نديم غورسيل: بلي، إني لأعتقد ذلك. لأنه أن تكون كاتبا معناه أن ترفض هذه اللغة اليومية باعتبارها مجرد وسيلة للتواصل. فالكاتب إذن، يتموقع خارج النظام. في قصة المرأة الأولي (8) أطرح قضية تعلّم اللغة. يكسر السارد / الطفل مزهرية زرقاء، فتخف إليه أمه. يخشي الطفلُ التعرض لتقريع أمه، فيصاب بالخرس. حينئذ تمسك الأم به وتشرع في تصحيح لغته. ليست المزهرية هنا هي ما يتعرض للكسر، وإنما اللغة (لغته). إن كل كاتب هو منفيّ لغته، لأنه دوما بصدد البحث المستمر عن لغة أخري. برنار بروتونيير: سمعتكم قبل قليل ترددون أن الكتابة هي شكل من أشكال الوجود الذي لا تستطيعون العدول عنه. ألن تكون الاستعاضة عنه ـ مع ذلك ـ عيشاً لوجود آخر؟ نديم غورسيل: بلي، قد يكون عيشا لوجود أكثر سروراً وهدوءا، إذ الكتابة ليست حصة من المتعة؛ بالتأكيد هناك شكل من السعادة في أن تكون قد كتبت، لا في ان يكون عليك أن تكتب. من دون شك، قد أعدل عنها يوما ما. تري ما هو السبب في أني غير قادر علي ذلك اليوم؟ يمكننا الشك في أن ذلك نتيجة عصاب ما، أو علي الأقل محاولة يكون القصد منها جعل والدي موجودا لبعض الوقت، هو الذي وافته المنية في الثامنة والثلاثين من عمره، دون أن يتمكن من تأليف الكتب التي كان يحلم بكتابتها… معني هذا أني لست كاتبا يكتب في كل الأوقات، إذ أعرف كيف أستغل وقتي كي أعيش كذلك، وعلي الخصوص حينما أتمكن من ذلك. أعرف كيف أجعلُني منغمسا في متع الحياة، حتي ولو أن الوقت نوعا ما، محسوب علي مع تقدمي في العمر، وأن بعضه ينقصني لأتوغل في ديامس العمر إلي أبعد حد. إنه من الممكن تعديل سلوكي… رنار بروتونيير: أتكتبون، مثلما لم يفعل والدكم، للانفلات من النسيان؟ نديم غورسيل: هذا أكيد. أفكر في هذه الجملة التي قالها أراغون: لا أقوي علي الموت، لأن من يموت يُنسي. إذن، فأنا أكتب ضد النسيان، لأنني لا أرغب في الموت. وإن كنت أكتب فلأنني لا أستطيع أن أموت، مثلما لو لم يكن بمستطاعي الموت… الهوامش(1) NEDIM GںRSEL : Hotel du dژsir, traduit du turc par Timour Muhidine, M.E.E.T. Sairet- Nazaire 1995.(2) UZUM Sںrmںs BirYaz, nouvelles. Gallimard, 1980. (3) إشارة إلي مدة الإقامة التي قضاها في استضافة دار الكُتّاب الاجانب والمترجمين (M.E.E.T.).(4) الترام الأخير: قصص عن الحب والمنفي 1988.(5) قصة العودة ضمن مجموعة: الترام الأخير.(6) صيف طويل في إسطنبول، قصص، 1975.(7) الإشارة هنا لرواية: محمد الفاتح، 1995.(8) كتاب النساء، 1983.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية