حوار مع المفكّر التّونسيّ أحمد جْدَيْ حول تاريخيّة الثّورة التونسيّة: المثقف الذي ينخرط في أجهزة السلطة يتحول الى موظف في خدمة الأمير!

حجم الخط
0

محمّد خريّف

جديْ أستاذ التّاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة التّونسيّة يقول في الثورة التونسيّة: أحمد ‘يندرج ما تعيشه تونس منذ كانون الاول (ديسمبر) 2010 ، بكل جزئياته وتعبيراته، ضمن منطق الحركات الاجتماعية والسياسية والثقافية في مفهومها العام، والتي استطاعت في وقت قياسي الإطاحة برأس النظام الديكتاتوري وأدخلت فيه وعليه أكثر من سؤال وإرباك وافتراض، كما لهذا الوضع أكثر من علاقة عضوية بدولة الاستقلال في تونس المعاصرة بمرحلتيها البورقيبية والبنعلية، بما فيهما من قواسم مشتركة واختلافات واستمرارية ذلك أن دولة الاستقلال هي دولة الحزب الحاكم والواحد إذ ارتبطت هذه الدولة بالحزب الاشتراكي الدستوري في زمن بورقيبة وبالتجمع الدستوري الديموقراطي في زمن بن علي. ومن هنا يمكن التأكيد على أن ما حصل في تونس أخيرا هو إفراز تاريخي لما يزيد عن 50 سنة من حكم الحزب الواحد الذي استولى على الدولة كما المجتمع في كل المستويات والمجالات الجغرافية، وبكل المقاييس من رموز الدولة الى أعوانها في مختلف مسؤولياتهم من وزراء وسفراء وقناصل وكتاب دولة وولاة وكتاب عامين للجان تنسيق الحزب الحاكم وعمد ومديري المؤسسات العمومية كما الخاصة، في التعليم والبنوك والفلاحة والصحة والاقتصاد وغير ذلك من شرايين الدولة ونتج عن ذلك تكوين شخصنة الحزب وشخصنة النظام وشخصنة الدولة، مما أجهض ولادة مؤسسة حديثة فبورقيبة هو رئيس الحزب ورئيس الدولة وورث بن علي المنهج نفسه مع فوارق ويلتقي كلاهما في العلاقة العضوية بين الحزب الحاكم ومؤسسات الدولة والنظام السياسي، وما انجر عنهما من انخراط المجتمع بتفاوت حسب الجهات والمستويات في المنطق السائد الذي عرف عند بورقيبة بالمجاهد الأكبر وعند بن علي بصانع التغيير. والحقيقة أن كل علوم الإنسان والمجتمع من إعلام واقتصاد سياسي وعلم اجتماع وأنتروبولوجيا وعلم نفس وعلوم سياسية وقانون وجغرافية اقتصادية وتهيئة مجالية وعمرانية وغيرها تبين أن طبيعة هذا الحكم مارست التهميش والإقصاء والعنف بأكثر من آلية وفي أكثر من مستوى حفظها تاريخ تونس المعاصر على غرار تصفية صالح بن يوسف ومنع الحزب الشيوعي التونسي والصدام الدامي بين الاتحاد العام التونسي للشغل في 26 كانون الثاني (يناير) 1978، وغير ذلك من الحركات الاجتماعية السياسية الاحتجاجية والمعارضة لمنهج الحكم البورقيبي والبنعلي’ . هذا القول كان لنا حافزًا على إجراء الحوار التالي:* هل لمنظومة الواحد ما يبرّر وجودها بالقوّة والفعل في النّصّ الضّاغط الفاعل في المجتمع التونسيّ منذ عهد البايات وقبله؟* ليس الأدب بكل تعبيراته سوى الإنتاج المادي الثقافي والسياسي الاجتماعي بامتياز لكل مجتمع في لحظة تاريخية معينة عبر نخبه وأعيان قلمه. لكن الخيط الناظم لهذا الأدب هو الحضور المكثف وأحيانا اللامشروط للواحد بكل معانيه وأبعاده، حتى كاد يتحول الى نسق فكري قائم الذات. والمجتمع التونسي في العهدين الحديث والمعاصر، في ظل حكم الدايات والبايات كما الاستعمار ودولة الاستقلال، هو بمثابة المخبر الذي يساعدنا الى حد كبير على تبيان هذا الواحد الموحد الأوحد في الأدب أو في ممارسة الحكم السياسي أو في النظر للحياة والكون عموما. وكل ذلك بالنهاية هو معطى حضاري أساسي لا دخل فيه للطبيعة التي لها نسقها الخاص وقوانين اشتغالها المنظمة والمنتظمة. وهذا الواحد، أيا كان، منخرط بضرورة المنطق والوجود المادي والرمزي في جدلية مع الجمع والآخر وبالتالي يكون منطق العلاقة الرابطة بينهما منطق تكامل واختلاف وصراع وائتلاف وفق الشروط المختلفة، فيحرص الواحد على الحسم في مشاغله ورؤاه بكل الأشكال من فقه ومال وسياسة وقلم وسيف، وذلك ما يجسده المشهد الثقافي والأدبي والسياسي لتونس في عهد البايات الحسينيين على أكثر من مستوى بما أن المدونة التونسية المتنوعة والثرية، على غرار آثار حسين خوجة وأحمد بن أبي الضياف ومحمود قابادو ومحمد الباجي المسعودي ومحمد بيرم الخامس والمناعي ومحمد بن عثمان السنوسي وابن أبي دينار وقاسم عظوم والوزير السراج وغيرهم، هي أعمال وإن اختلفت في أساليب التعبير والكتابة والتحرير والساقات والمواضيع فهي تلتقي أيما التقاء في السياسي المهيمن على المجتمع وفي المجتمع المقاوم للسياسي أو المتماهي معه. وتتعدد أصداء هذا الحراك الفكري والسياسي والاجتماعي في حالات وشروط تاريخية مختلفة عرفتها البلاد ومن ضمنها الصراع الحسيني الباشي أما ما بات يعرف في المأثور الشعبي بالفتنة الباشية التي انقسمت جراءها البلاد إلى صفين أو حزبين تجسد فيهما الصراع بكل الأدوات المتاحة والأشكال المناسبة لذات الغاية، وكان من نتائجها القضاء على جبل وسلات وتشريد أهاليه الوسالتية. وبالتالي يكون الأنا المضخم والواحد المفرد في شكله السلطوي التسلطي الاحتكاري أداة من أدوات مسخ التطور الطبيعي للمجتمع الذي يفرز بفعل آلياته الداخلية طرق مقاومة خاصة به تتجاوز مخيال الحاكم الواحد وأدواته القمعية. فالرغبة في احتكار السلطة والتسلط من علامات الأنا المنتفخة التي يمكن إخضاعها للتحليل النفسي الاجتماعي حتى إن سلمنا بامتيازات الحاكم في حكمه، وذلك ما جعل المشهد السياسي في تونس البايات مشهدا مضطربا طيلة النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهيّأ لدخول القرن التاسع عشر بعلامات ضعف كبيرة. وكان منطق الانفراد بالبلاد والعباد يزيد تجذرا في البلاد إلى حدود اندلاع ثورة علي بن غذاهم في ربيع 1864 معبرة عن رفضها للمنظومة السائدة في ممارستها السياسية للحكم كما في علاقاتها بالمجتمع عبر القوانين والجباية والردع. ومرة أخرى تشتغل آلة البايات الرّدعية للإجهاض على ثورة علي بن غذاهم والقبض عليه والتشنيع به ثم قتله. فالذي يبرر الوجود المادي بالقوة والفعل لمنظومة الواحد في شكل نظام سياسي فردي أو في شكل نسق فكري أحادي هو الرغبة اللامحدودة واللامشروطة في السلطة والتسلط والتحكم والاحتكار في الأرض وما عليها. ولا غرابة في أن نجد أكثر من صدى لهذه التعبيرات والممارسات في المدونة التونسية الحديثة وإن بدرجات مختلفة وأساليب متنوعة لكنها تلتقي جميعا في الإشكال نفسه. وعلى هذا الأساس يكون الأدب في تونس باعتباره من أرقى أشكال التعبير الفني ملتصقا أيما التصاق بالتاريخ والساسة ورافدا لهما مجسدا حركية أعيان القلم في علاقاتهم بالمجتمع وبأعيان السيف.* هل توافق على أن علم التكمبين في تونس يتطابق في المفهوم مع المفهوم البراغماتي للممارسة السياسيّة واستثمار مكرها من قبل النخبة وهو ما يتعارض مع ثورة الطبيعة غير المقيّدة بحيل القنص وطرق صيد السّمك البدائيّة التي يُعاد صوغها في شكل معاصر؟ * يتميز سجل السياسة والسياسي عموما، إن ممارسة أو تصورا وتنظيرا، بمعجمه الخاص والحافل بمفردات وبكلمات مفاتيح على غرار: فن الحكم وإدارة البشر، الدهاء، الحيلة، المكر والخداع، الخطاب المزدوج، التحالف، النتيجة تبرر الوسيلة، التكمبين، البراغماتية، الخ… ودون التعمق في تاريخ المفهوم ومختلف سياقاته وانطلاقا من التراث السياسي للإنسانية في تجربتها الطّويلة والثريّة والمعقدة للممارسات السياسية للحكام على اختلاف الأنظمة من امبراطوريات وممالك وإمارات وسلطنات وجمهوريات، من المتفق عليه اليوم أن الممارسة السياسية للحكام عبر التاريخ لم تقطع جملة وتفصيلا مع المناورة والقتل والصراع العنيف لاحتكار السلطة واعتماد كل المبررات والوسائل للوصول إلى سدة الحكم، حتى أصبحت كلمة بوليتيك مرادفا للكذب والمناورة والحيلة والخداع وكل ما له علاقة باللاّ أخلاق. ومن البين أن الممارسة السياسية ظلت ولا تزال حكرا على النخب والأعيان باختلاف منحدراتهم ومستوياتهم وطموحاتهم كأن هذه النّخب وهؤلاء الأعيان ولدوا في هذا الكون للحكم وليس لغيره من الوظائف الاجتماعية، فكانت الانزلاقات والحروب والجرائم في حق الشعوب عبرت عنها الحركات الاجتماعية والثورات والانتفاضات والانقلابات والاغتيالات وأشكال أخرى من المقاومة والتحرر من حكم النخب وتحكمها وتسلطها، فنشأت الديموقراطية كمفهوم وكمشروع سياسي لمجتمع بعينه والذي تباشر فيه المجموعات إدارة شؤونها بنفسها دون وساطة وتمثيل. والحقيقة التاريخية الثابتة عبر التجارب الإنسانية في الممارسة السياسية هي أن النخب عموما ذات العلاقة بالسياسي هي نخب ملوثة وملطخة بالدماء استثمرت رأسمالها الرمزي وثقافتها بالمكر والمناورة والدمغجة، والنفاق من أجل احتكار السلطة بما تعنيه من امتيازات، حتى أن بعض المفكرين انخرطوا في مقولة شهيرة مفادها ‘أن السياسة مشكل كل العالم’ بما أنها تتلون حسب المجتمعات والغاية والآليات واحدة. فلا غرابة في أن تكون السياسة في تونس الحديثة والمعاصرة متطابقة تمام التطابق مع التكمبين والمكر والحيلة والغدر في ممارسات النخبة السياسية والمسيسة.* ألم يكن حسين بن علي وبايات العائلة الحسينية مثالا على ذلك في جزئيات الممارسة السياسية؟ ألم يقتل العم من قبل ابن أخيه؟ ألم يسجن الأخ من قبل أخيه؟ ألم يشرد الأخ من قبل أخيه؟ وفي تونس المستقلة، ألم يقم الحبيب بورقيبة بتصفية خصومه السياسيين بشكل من الأشكال؟ فالدراسة التحليلية والتاريخية للنخبة السياسية في تونس المعاصرة وتحديدا في دولة الإستقلال أمر ملح وضروري بما هو كفيل بكشف تلوث العلاقات القائمة في عالم النخبة السياسية التونسية، كعلاقات بورقيبة بصالح بن يوسف وعلاقاته بالحبيب ثامر ومحمود الماطري ويوسف الرويسي وأحمد بن صالح وأحمد التليلي والحبيب عاشور ومحمد المصمودي ومحمد مزالي والهادي نويرة الباهي الأدغم وبشير بن يحمد وغيرهم؟* لا يمكن للتاريخ نسيان طبيعة العلاقة العدائية لبورقيبة باليوسفيين والشيوعيين التونسيين واليساريين التونسيين وحركة آفاق والقوميين العرب والبعثيين. كانت أناه منتفخة ومتضخمة لا ترى سواه في عالم السياسة بتونس كأنه يلخص النخبة عموما وتفصيلا وهذا هو العمى السياسي بذاته.* أيمكن القول ‘إنّ ثورة الهامش في تونس سفهت أحلام المحور الأكاديمي الذي جعل الديكتاتور دكتورا ونعت ثورته في كتب تلتقي مع نعوت ‘الغاية تبرر الوسيلة’؟* العلاقة بين المركز والهامش هيكلية وثابتة ومتحولة وفق موازين القوى والسياقات والمواقع والعلاقات ورؤى المصالح والمجتمع والتناقضات. وكم هي عديدة الأمثلة التي بينت مقاومة الهامش للمركز في شكل انتفاضات وعصيان وغير ذلك بما أن الهامش يصبح فاعلا بعد أن كان تابعا للمركز منخرطا في منطقه وشبكة علاقاته. عرفت أوروبا وأمريكا وآسيا ومصر وتونس وإفريقيا وغيرها مثل هذه الحركات التمرّديّة والاحتجاجية والعصيانية والانتفاضية والثورية لأسباب مادية أو سياسية أو ثقافية أو جميعها، كأنها علاقة السيد بالعبد لن تدوم على حالها وهي في جدلية الصراع الدائم. كتبت في جريدة الصحافة التونسية بتاريخ 15 ايار (مايو) 2011 مقالا بعنوان ‘أعيان القلم في قطيعة مع العمق الاجتماعي’ ومردّ ذلك أن الحركات الاجتماعية العميقة والعنيفة والقوية والواعدة تفاجىء عادة ً النخب وتربكها وتجعلها على هامش الفعل الثوري. ويمكن القول أن ما تم في شتاء تونس 2010 و2011 وتحديدا بداية من 17 كانون الاول (ديسمبر) 2010 الى غاية 14 كانون الثاني (يناير) 2011 فاجأ التونسيين والعالم وسفّه عديد التحاليل الأكاديمية المتسرّعة، وخاصة منها تلك التي أنجزها دكاترة الديكتاتور المحيطين به في القصر أو المروجين لسياسته في رحاب الجامعة التونسية وهم يعرفون أنفسهم خبراء في القانون والاقتصاد والتصرف وعلم الاجتماع واللغة والأدب والفلسفة والثقافة. فعقدة الديكتاتور الذي منح شهادة دكتوراه فخرية من جامعة إيطالية ارتبطت كذلك بقدرته على تركيع صنف من دكاترة الجامعة التونسية ليتحولوا أعوانا له لا فرق بينهم وبين البوليس السياسي والأمن الرئاسي، فصالوا وجالوا لكن التاريخ بمكره وأسراره وقوانينه لا يرحم فسفهت أحلامهم وتحاليلهم ودراساتهم الاستشرافية بعد انخراطهم في خندق النفاق السياسي والمكيافيلية المقيتة، عملا بالغاية تبرر الوسيلة، دون قراءة متأنية وعميقة لكتاب ‘الأمير’ ولم يروا في السياسة سوى الغنيمة والمصالح والاستباق لوليّ النّعمة فحصلت لهم القطيعة مع العمق الاجتماعي ومشاكله وطموحاته وأحلامه وآماله وآلامه فراحوا بالضرورة يكذبون ويكذّبون كل من خالفهم ويكيدون له الكيد، وهم في الحقيقة غير عارفين بمسارات الأمم والشعوب المتحررة من كابوس الظلم والاستبداد بما أن الصراع لا يهدأ والخلل لا يدوم في انتظار لحظة حاسمة يعاد فيها ترتيب البيت بعد تغيير المعطيات. ومن الواضح أن الأكاديميين التونسيين، اعتبارا لجذورهم ومنحدراتهم ومواقعهم وطموحاتهم ومصالحهم، لم يكونوا كتلة قادرة على الصراع مع بورقيبة وضده، وفي ظل حكم الديكتاتور، فتحول الكثير منهم الى أعوان دولة وخبراء ومستقلين ومعارضين ومنهم من غادر البلاد. كما وجب التأكيد على غياب المثقف العضوي لا بوصفه فردا من أفراد المجتمع بل كفئة اجتماعية قوية ومتماسكة وقادرة على الفعل والنقد ومعارضة السلطة لنحت المجتمع المتوازن الذي لا تهزه الأزمات وتربك مسيرته، بل قلة هم المثقفون التونسيون الذين وتروا مواقف السلطة وعكروا صفوها وأربكوا صورتها وقدحوا في شرعيتها اعتبارا لمقولة إدوارد سعيد التي مفادها أن دور المثقف هو تعكير صفو السلطة. ونضيف لذلك أن التعكير غير كافٍ طالما لم يفرض المثقف تصوره المجتمعي على السلطة بانخراطه في حركة اجتماعية مهيكلة وعميقة الطرح وواضحة السبل وواعدة الأفق. لقد وقع تدجين عدد كبير من الأكاديميين وإخضاعهم للصّمت أو التذيّل أو التمسّح على عتبات السلطة فراح الكثير منهم يبحث عن شرعيّة في السّلطة عوضاً عن أن يجسدها في وظيفته الأكاديمية والعلمية والفكرية والإبداع والتجذر في البناء الاجتماعي. فكانت النتيجة أن تحول صنف منهم الى مهرولين من أجل الكرسي والمخزن الى درجة فقدانهم صفة الأكاديمي.* هناك من يصف تهافت بعض المثقفين على تسجيل حضورهم إبان الثورة التونسية وبعدها رغم عدم خلو بطاقات سوابقهم من شواهد المساهمة في معاضدة الديكتاتورية بعمل ‘القناصة’ البدائي. والقنص كالصيد يحتاج إلى رصد ونصب كمين وإيقاع بالفريسة. كيف ترى ذلك؟* إذا ما تأكدنا من أن الثورة التونسية المندلعة في شتاء 2010 و2011 ليس مردّه منطق الحتمية التاريخية بل هو إفراز لسيرورة مجتمعة كاملة، للهامش فيها موقع متميّز بما هي بدأت الانتشار والتوسع انطلاقا من داخل البلاد التي هُمشت عبر التاريخ فلا بد من الحذر في تحليل دور المثقف وموقعه في الثورة. وعندما ينخرط المثقف بالمعنى الغرامشي في جهاز السلطة بكل آلياته ومنعرجاته ومآزقه فإنه يفقد بالضرورة صفته ووظيفته تلك ليتحول الى تكنوقراط مطبق لأوامر الأمير ومنفذ لسياسته مقتنعا بها أو دون اقتناع، ويصبح تبعا لذلك عون دولة ليس إلاّ. وتهافت النخب والمثقفين على السلطة قي تونس وخارجها ظاهرة قديمة مستمرّة متجدّدة بحثا منهم عن مزيد الامتيازات والمواقع والمصالح المادية والسّياسية والرّمزية فلا يتركون فرصة التعبير عن الموالاة والتأييد والمبادرة فضلا عن طرق أخرى ضمن السلوك الفردي في السر والعلن مع السلطة ومختلف ممثليها. فهم بهذا السلوك ‘قناصة’ و’ صيادون’ في حاجة الى فريسة موجودة حتما في المجتمع. وبديهي التركيز على العلاقة العضوية بين الحاكم والمثقف باعتبار هذا الأخير يشرع ويفتي ويحلل ويحرم لسلوك السلطة وممارستها دفاعا عنها أيما دفاع، حتى إن تحول أحيانا إلى كبش فداء وضحية. ومن مميزات هذا الصنف من المثقفين الذين يعيشون في فلك السلطة بدرجات مختلفة أنهم يتلونون كالحرباء وفق السياقات والعلاقات والمصالح دفاعا في الآن ذاته عن موقع وليّ النّعمة والمصالح الشخصية والعائلية الضيّقة التي لا ترقى بالمجتمع ككل. فيكونون بذلك أعوان تنفيذ للظلم والتمييز الاجتماعيين والحيف والجبروت والإقصاء وكبت الحريات بكل مظاهر الاستبداد السياسي والثقافي والاجتماعي. ومن النتائج المباشرة والعلنية للثورة التونسية أنها فضحت عددا هاما من هذا الرهط المحسوب على الثقافة وعرّتهم أفضل تعرية، إذ بعد أن كانوا بوق دعاية الديكتاتور في كل المواقع أصبحوا من زعماء الثورة – وهي منهم بريئة – ومن ألد أعداء الديكتاتور الذي جعل من البلاد والعباد مرتعا خاصا وشركة عائلية بكل المقاييس وبذلك يكون هذا الصنف من المثقفين التونسيين شهود زور ومشاركين في الغنيمة والجريمة على حد السّواء.* ناقد من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية