بمناسبة الأول من أيار (عيد العمال) ذهبت للمشاركة في مسيرة الشيوعيين يوم الثاني من أيار أمام الجامع الحسيني..
كانت قدمي مفكوشة.. تجاوزتني الرايات الحمراء وأنا أسير الهوينا على عكازي فألفيت نفسي في مؤخرة الركب..
كنت أفكر ‘بنعمة’ الديمقراطية: مسيرة ‘ولا أقول تظاهرة أو مظاهرة’.. مسيرة مثل كل المسيرات العمّانية هذه الأيام: لا داعي للتحرز، ولا للاحتمالات والتوقعات والمخاوف والخطط البديلة ..
بحمد الله وتعقل أولي الأمر من كافة الأطراف آلت التظاهرات الاحتجاجية الغاضبة إلى مسيرات آمنة، معروفة البداية والنهاية والمتن..
وجدت نفسي أسير بموازاة ثلة من الشباب يسيرون مبطئين خلف المئات من حملة الرايات الحمراء..
تجاوز أحدهم حرجه وسألني:
– أنت منهم يا حاج؟
شجعته مبتسما وقلت: نعم. وانتم ؟
قال: من الطفيلة.
– والنعم.
صمت
أعادني ذكر ‘الطفيلة’ لذكريات عام 1984 لما نفيت إلى سجن الطفيلة فكانت أجمل فترة في مدة حبسي..
تعرفت إلى خضرتها وطيبة أهلها.. وتذكرت صديقي – الرائد آنذاك – عبد الله كريشان الذي عاملني معاملة خاصة على يقين بأني سأصير وزيرا بعد أن أخرج من السجن كما جرت العادة في بلادنا.. وتذكرت زميلي الطفيلي المسجون بسبب خلافه مع الحكومة على استغلال نبع ماء انفجر في أرضه.. والذي بادرني بالترحيب بي في سجن مدينته:
يا هلا.. الشيوعيون رجال والله رجال..
ياه كم تغيرت الدنيا!
فجأة – أو هكذا شعرت – سألني الشاب : من أنتم؟
قلت: شيوعيون.
– ماذا تعني؟
– حزب سياسي.
– مثل الإخوان المسلمين؟
– يعني..
– لمن يتبعون؟
– كيف؟ ماذا تعني؟
– سمعنا أن الإخوان المسلمين يتبعون أمريكا.. الشيوعيون تبع لمن؟
ضحكت: تبع لروسيا..
– موالاة؟
– لا.. معارضة.
– لماذا يهتفون للعمال..
– منظرهم ليس كذلك.
– معهم نساء كثيرات!!
قلت بجدية: هذا حزب يدافع عن العمال والفلاحين والفقراء.
– هل يجدون لنا عملا؟
– لا
– لو سجلنا معهم يدفعون لنا معاشا؟
– لا.
– إذن لماذا نكون معهم.. هكذا مجانا!
قلت : لله.. أما عندكم شيء لله؟
الثلاثة: هممممممممم
صمت..
عدت أفكر بزميلي في سجن الطفيلة الذي همس لي أن والده كان يحب الشيوعيين، ويروي على لسان أبيه كيف أنه شاهد حوالى عشرين شابا يتظاهرون أمام الجامع الحسيني في عمان ويهتفون :
(خبز وسلم وحرية مطالبنا الشعبية عنها ما نحيد)..
لم يهابوا الشرطة واشتبكوا معهم..
ثم يتمتم: الشيوعيون رجال والله رجال..
كانت ذكرى والده التي تعود لخمسينات القرن الماضي هي مفتاح صداقته لي..
ياه كم تغيرت الدنيا!
– عندكم ناس من الطفيلة..
– عندنا فلان كلالدة وفلان عبيدين وفلان عطوي ..
الشباب مندهشون : حقا إنهم من الطفيلة!
احدهم: عندكم من الحراسيس؟
قلت: لا أدري.. أنت من القادسية؟
– صح كيف عرفت؟
– شكلك حراسيس.
– صح..
سألت أفصحهم الذي بادرني بالسؤال أول الحديث : أنت من أين؟
قال باعتداد من السعود.
قلت بتباه: أنت من بصيرا..
قال: لا بصيرا فيها السعودي أنا سعود من المدينة.
ضحكت : من حي الطفايلة؟.. من أقارب النائب السعود؟
قال: لم أنتخبه.
قلت: لماذا؟
قال: انتخبناه المرة السابقة وما أفادنا بشيء.
– لم يفدكم.. كيف؟
– لم يشغلني يا رجل.
وصلت المسيرة مآلها وارتقى الخطباء المنصة، فاستأذن لي صديقي بمقعد بلاستيكي أمام أحد المحلات التجارية في شارع طلال لأريح قدمي المفكوشة.. توالى الخطباء المتحمسون يتحدثون فتضيع كلماتهم في ثنايا الهتافات.. وانشغلت بالحديث مع صديقي الطفيلي الذي يعمل بسوق الخضار المجاور .. لكن ليس كل يوم يوفق بعمل، ولا يكسب ما يكفيه لمصاريفه الشخصية. .
انتهت المسيرة في موعدها المقرر.
واستمر الحديث مع صديقي الطفيلي إلى ما بعد الموعد المقرر..
ياه كم تغيرت الدنيا.
يااااااااااه كم تغيرت أنا.