د. عصام نعمان عامان مرّا على الحرب بالوكالة في سوريا. الوكلاء المحليون من بعض قوى المعارضة المسلحة، مدعومةً بآلاف الانصار من عالم الإسلام السلفي، يقاتلون نظاماً متهّماً، هو الآخر، بأنه مدعوم بقوى عالم الإسلام غير السلفي. هؤلاء هم الوكلاء، فمن هم الاصيلون؟ ومن هم الموكِّلون ؟.الاصيلون هم، اساساً، النظام وعماده الجيش العربي السوري من جهة والمعارضة الديمقراطية من جهة اخرى. غير ان الصراع بين الاصيلين سرعان ما تحوّل حرباً بالوكالة بين قوى دولية واقليمية. ايران وروسيا والصين تقف الى جانب النظام، واميركا واوروبا ودول الخليج تقف الى جانب المعارضة التي انقسمت الى اثنتين : واحدة مدنية واخرى عسكرية.الحرب دمرت سوريا، بشراً وشجراً وحجراً، من دون ان يحقق ايّ من فريقي الصراع غلبةً على الآخر. اكثر من ذلك، انتجت الحرب ظاهرة خطيرة : ملايين المهجرين داخل سوريا وملايين اللاجئين خارجها. الى ذلك، استولد الدمار الشامل والتهجير والهجرة حاجة ماسة الى برنامج إعمار وتعمير واسع لإنهاض البلاد.مع اتساع دور قوى ‘الإسلام الجهادي’ المتهمة بممارسة الإرهاب، اضطرت اميركا الى مراجعة حساباتها ودعوة سائر الموكِّلين والوكلاء الى مراجعة حساباتهم ايضاً.وزير خارجيتها جون كيري فاجأ الجميع بموقف جديد مدوٍّ: ‘نريد ان يجلس الاسد والمعارضة السورية الى طاولة المفاوضات بغية تشكيل حكومة انتقالية ضمن الإطار التوافقي الذي تمّ التوصل اليه في جنيف’.موقف اميركا الجديد كشف شراكة ضمنية بينها وبين روسيا على مقاربة الازمة السورية وايجاد تسوية لها تكفل مصالح الدولتين العظميين ولا سيما لجهة حصة كل منها في ‘كعكة’ الإعمار بعد وقف الحرب.فرنسا وبريطانيا كانتا استشعرتا قبل اشهر نضوج ‘صفقة’ بين واشنطن وموسكو لا حصة لهما في ثمارها. ربما لهذا السبب لوّح وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس بإعتزام باريس ولندن رفع الحظر عن توريد الاسلحة النوعية الى المعارضة السورية، لعل ذلك يقنع واشنطن وموسكو بإعطائهما حصة من ‘كعكة’ الإعمار.مفاجأة كيري هزت ‘الإئتلاف الوطني السوري’ وشطرته بين معارض لمبادرته ومعارض لتهديد فابيوس. صوت معارضي كيري كان الاعلى . ذلك يوحي بأن دول الخليج تقف الى جانب المعارضين.ردود الفعل على مبادرة كيري تتواصل ولا تسمح بحسم مبكر لمسألة الإنتقال الى طاولة المفاوضات. غير ان ذلك لن يبطيء سعي اميركا الى تدارك تداعيات الازمة السورية المتفاقمة ولاسيما لجهة خطورة سيطرة ‘جبهة النصرة’ المتطرفة على قوى المعارضة السورية المسلحة، وتعاظم اعداد اللاجئين السوريين الى دول الجوار .في الواقع، ثمة ‘سوريتان’ في الوقت الحاضر : واحدة في الداخل واخرى في الخارج . في سوريا الداخل نظام ومعارضة يتحاربان . الحرب بين الطرفين انتجت اربعة ملايين مهجّر ومتضرر يهيمون على وجوههم متنقلين بين مناطق لم تصلها، بعد، نيران الحرب.سوريا الخارج لا تقل بؤساً عن سوريا الداخل. بحسب صندوق الامم المتحدة لرعاية الطفولة ‘يونيسيف’، ثمة مليونا لاجيء سوري في دول الجوار، بينهم نصف مليون طفل في لبنان والاردن وتركيا والعراق.لا يتأخر حلفاء المعارضة والنظام عن توريد الأسلحة الى المتحاربين في الداخل . يعلنون ذلك جهاراً نهاراً . معنى ذلك ان الحرب في سوريا الداخل مستمرة ومتفاقمة، ولا بد من ان تنعكس سلباً على سوريا الخارج . هذا، في الاقل، ما فهمه مسؤولو ‘يونيسيف’، فكان ان وجهوا نداء الى المجتمع الدولي لتأمين اكثر من 195 مليون دولار لتلبية الحاجات الاساسية للأطفال والنساء المتضررين من الحرب، محذرين من ان ‘يونيسيف’ سيضطر الى وقف عدد من التدخلات الاساسية المنقذة للارواح قبل نهاية الشهر الجاري ما لم تؤمن الدول المانحة المبالغ المطلوبة حتى شهر يونيو/حزيران المقبل.في لبنان، ثمة 350 الف لاجيء سوري، وهم في ازدياد يومياً . رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قال إن اللاجئين السوريين مع العمال السوريين الذين يتواجدون بصورة شبه دائمة، بالاضافة الى اللاجئين الفلسطينيين، باتوا يشكّلون ربع عدد سكان لبنان. لا تشكّل سوريا الخارج على دول الجوار، من خلال ملايين لاجئيها، عبئاً إجتماعياً وانسانياً فحسب بل تشكّل ايضاً، في رأي بعض مسؤولي تلك الدول، خطراً أمنياً وسياسياً . مصدر الخطر نزوع قوى المعارضة السورية الى إستجرار السلاح والعتاد عبر حدود سوريا المشتركة مع لبنان والاردن والعراق وتركيا. واذا كانت تركيا لا تجد حرجاً في دعم المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً، فإن حكومات لبنان والاردن والعراق تنفي اي تدخل أمني او عسكري في سوريا وإن كان بعضها يؤيد المعارضة سياسياً واعلامياً.في الاردن، ثمة 450 الف لاجيء سوري، والرأي العام منقسم بين مؤيد للرئيس بشار الاسد ونظامه وبين معارضين له ومؤيدين للمعارضة، ولا سيما للقوى الإسلامية المقاتلة. ذلك أسهَمَ في حمل رئيس الوزراء عبد الله النسور على التخوّف من ‘إنفجار الاوضاع في سوريا وحدوث كارثة عالمية جرّاءها ‘.في فلسطين المحتلة، يتخوّف قياديو السلطة كما الفصائل والاوساط الشعبية من مخاطر تفاقم الازمة السورية وانعكاسها على مخيمات الفلسطينيين في سوريا ولبنان . ذلك ان مجموعات من الفلسطينيين الاسلاميين في المخيمات ساندت الإسلاميين السوريين في القتال ما ادى الى تعريض المخيمات الى نيران المتحاربين والى نزوح الآف منهم الى لبنان والاردن.في لبنان، يتخوّف المسؤولون من تأييد بعض الإسلاميين اللبنانيين علناً للمعارضة السورية المسلحة وقيام بعضهم الآخر بالقتال في صفوف ‘الجيش السوري الحر’ وسقوط ضحايا منهم . كما يتخوّفون من قيام بعض اللبنانيين الإسلاميين المعادين لحزب الله بتعبئة الجمهور الإسلامي السنّي ضد المقاومة والجيش اللبناني، وبدعم مخطط اميركي يرمي الى توطين الفلسطينيين في لبنان.ثمة خطر يلوح في الاردن أيضاً نتيجةَ تفاقم الصراعات الداخلية ما قد يؤدي الى قيام الإسلاميين الاردنيين بلعبِ دورٍ في المخطط الاميركي عينه بخلق ظروف ملائمة لتحويل الاردن الى وطن بديل للفلسطينيين وبالتالي للدولة الفلسطينية الموعودة…في العراق، تكشفت أنشطة القوى العراقية الإسلامية المتعاونة مع المعارضة السورية عن جهود لتنفيذ مخطط قد يتسبب في تقسيم البلاد كما سوريا بدليل اعلان تنظيم ‘دولة العراق الإسلامية’ مؤخراً مسؤوليته عن قتل نحو 30 جندياً سورياً كانوا لجأوا الى محافظة الأنبار.يتحصّل مما تقدّم بيانه ان سوريا الخارج، بملايين لاجئيها المنتشرين في دول الجوار كما بعناصر المعارضة المسلحة الناشطة داخل تلك الدول او على حدودها المشتركة مع سوريا الداخل، قد اضحت مصدر خطرٍ ماثل على الوضع الداخلي في لبنان والاردن والعراق.والمؤسف ان الدول الكبرى المساندة لأطراف الصراع، ولاسيما فرنسا وبريطانيا، لا تفعل شيئاً محسوساً لرعاية اللاجئين السوريين في دول الجوار بل نراها مسترسلةً في دعم اطراف الصراع، ومهددةً بتوريد المزيد من الأسلحة لهم بدعوى ‘خلق توازن قوى جديد’ داخل سوريا المنكوبة.ترى هل تستمر الحرب بالوكالة في سوريا الى ان يتوصل الموكّلون فيما بينهم الى توافق على صفقة متكاملة تتحدد بموجبها حصص الاطراف الخارجية وادوارها، كما الوكلاء، في معالجة (وتقاسم) ثمار مواجهة تداعيات ‘الإرهاب’ واللاجئين والإعمار؟.’ كاتب لبنانيqmdqpt