أخونة الدولة
لا بد في البداية من تقييم الادعاءات عن اخونة الدولة في مصر، هذه الادعاءات تحمل شقين: الشق الاول هو تعيين اعضاء وتابعين للاخوان المسلمين في مناصب حكومية. الشق الثاني هو ان الدستور المصري الذي أقرّ أيام محمد مرسي وحكم الاخوان هو أكثر إسلامية أو تدينا من الدساتير السابقة في مصر. وهذا ليس صحيحا تماما، صحيح اننا رأينا خلال السنة الماضية الكثير من الامور المستهجنة في الحيز العام والنقاشات البرلمانية، مثل النقاش حول ايقاف جلسة البرلمان اثناء الأذان، او التساهل في زواج قاصرات، او قانون اغلاق المحال التجارية في العاشرة مساء لتسهيل قيام صلاة الفجر في موعدها، لكن بما يتعلق بالنص الدستوري بما هو نص مؤسس لنظام الحكم والمبادئ التي يقوم عليها فإنه لم يكن مختلفا كثيرا عما سبقه من دساتير مصرية، من حيث علاقته بالدين (من حيث التجديد هناك بندان جديدان فقط). بطبيعة الحال، الشكل الذي تمّ فيه إقرار الدستور كان إشكاليا وغير توافقي.
والحقيقة أن الدساتير العربية بشكل عام كانت تدرج في الادبيات تحت خانة ‘الدساتير بدون دستورية’ اي انها مجرد حبر على ورق، لأنها لا تحمي حقوق الناس ولا تحد كثيرا من سلطة الحاكم. وطبعا تأثير الدساتير في كل حالة محدود امام الثقافة السياسية السائدة والضغط او القمع الاجتماعي. مثلا في الوقت الذي اعلن فيه دستور 1923عن حماية حرية الرأي والاعتقاد لم ينج علي عبد الرازق من الملاحقة بسبب كتابه ‘الاسلام وأصول الحكم’ (1925) ولا طه حسين بسبب كتابه ‘في الشعر الجاهلي’ (1926). ولكن ذلك ليس دقيقا تماما فمحدودية تأثيره لا تعني انعدام التأثير.
احدى الامكانيات لجعل جملة ‘الاسلام دين الدولة’ ذات مضمون ظهرت في الدستور الذي اقرّ ايام السادات عام 1971 الذي استمر العمل فيه حتى ثورة 25 يناير 2011. لأول مرة تضاف الجملة التالية: ‘مبادئ الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع’. في عام 1980 قام السادات بتعديل المادة الثانية من الدستور وحوّلها الى ‘مبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع’. لماذا أضاف السادات هذه الجملة؟ اولا، لأنه اراد ان يحصل على مصادر شرعية مضادة لعبد الناصر الاشتراكي، وقدم نفسه على انه الرئيس المؤمن. ثانيا، قوة التيار الاسلامي خاصة بعد هزيمة 1967. وهو عدّل الجملة بعد ذلك لأن قوة الاسلاميين زادت بعد الثورة الايرانية، كما زادت الانتقادات عليه بعد كامب ديفيد. تزامنت هذه التعديلات مع تغيرات دولية عامة منها ازدياد قوة التيار المحافظ في غالبية العالم كرد فعل على ثورية الستينيات. كما اننا بدأنا نرى كتابات متزايدة تهدف إلى التوفيق بين الاسلام والديمقراطية، خاصة في الثمانينيات، مثل كتابات طارق البشري وكمال ابو المجد ومحمد سليم العوا ويوسف القرضاوي وراشد الغنوشي ومحمد الجابري وفاطمة المرنيسي.
مرة اخرى هذه الجملة ‘مصدر رئيسي للتشريع’ لا تعني الكثير اذا لم تكن هناك آليات لتنفيذها، وتغيير النص للتشديد لا يغيّر من الامر شيئا. آلية التطبيق ظهرت عام 1979 عند تأسيس المحكمة الدستورية العليا ومنحها سلطة مراجعة دستورية القوانين واللوائح، بما في ذلك مدى تطابقها مع المادة الثانية اي مع مبادئ الشريعة الاسلامية.
ان اسباب تأسيس المحكمة لا تشمل الشريعة. احد هذه الاسباب، كما أوضح تامر مصطفى، هو ان السادات اراد تشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي بسبب خسارة مصر لـ20’من مجمل الناتج القومي الخام ايام حرب الاستنزاف. ولكي يشجع الاستثمار اراد ان يقنع المستثمرين أنه يختلف عن عبد الناصر ولن يؤمم او يصادر الملكية الخاصة، لذلك كان الحق في الملكية الخاصة مصونا في الدستور، ولكن ذلك لم يجذب المستثمرين، فكان انشاء المحكمة جزءا من هذه المحاولة لاقناعهم. وفعلا مع الزمن تحولت المحكمة لمدافع شرس عن الليبرالية الاقتصادية والملكية الخاصة.
افرغت المحكمة عمليا المادة الثانية من مضمونها، ولم تقم بإلغاء اي قانون بناء عليها، رغم محاولات الاسلاميين المتشددين تفعيلها.
الاشكالية في دستور 2012 انه تمت إضافة بند (المادة الرابعة) يجعل الأزهر المرجعية العليا في تفسير الشريعة. من غير الواضح متى وكيف يجب التوجه إلى الازهر وكيف يتوافق دوره مع دور المحكمة وقد رفض الازهر نفسه بداية هذا الدور. وانا في تقديري ان الإخوان ندموا على هذا البند لأن السلفيين استعملوه لمحاولة منع القرض من صندوق النقد الدولي، بحجة ان الفائدة على القرض مخالفة لمنع الربا في الشريعة الاسلامية.
البند الثاني الجديد في الدستور هو المادة 219 التي تحدد على ماذا تشمل مبادئ الشريعة الاسلامية. وسبب هذا البند هو محاولة الاسلاميين تقييد حرية التفسير عند قضاة المحكمة الدستورية. وهذا البند تعويض للسلفيين لأنهم طالبوا بحذف كلمة ‘مبادئ’ او إضافة أحكام الشريعة على المادة الثانية لأنهم اعتبروا ‘مبادئ’ كلمة مبهمة تسمح للقضاة بحرية التصرف، بالمقابل اضيفت المادة الثالثة كتعويض للمسيحيين وهي تعكس الامر الواقع بأن الاحوال الشخصية لغير المسلمين تحددها مبادئ تشريعاتهم الخاصة بهم.
الامر الأخير الذي اريد ان اذكره بالنسبة للدستور المعطل هي المادة 10 التي تتحدث عن كون الاسرة اساس المجتمع وأن قوامها الدين والاخلاق والوطنية. وتكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو اسرتها وعملها العام. هذه المادة أبوية وذكورية، ولكن علينا أن نذكر أن هذا البند مشابه للمادة السابعة في دستور عبد الناصر عام 1964 وللمادة التاسعة في دستور السادات عام 1971. اكثر من ذلك، المادة 11 من دستور 1971 تتحدث عن مساواة المرأة ‘بدون الاخلال بأحكام الشريعة الاسلامية’. هذه الجملة غير موجودة في دستور 2012. ما أريد قوله إننا إذا اعتبرنا أن هناك عملية أخونة فإن الذي بدأ الاخونة هو السادات وليس الاخوان المسلمين، لذلك يجب ان نكون حذرين من التسطيحات التي نصادفها بشكل خاص في ادبيات العلوم السياسية من ان الصراع كان بين دكتاتوريين علمانيين وحركات دينية.
التجربة التونسية
اما التجربة التونسية فهي الى حد ما متباينة عن التجربة المصرية. اول ظهور للدساتير في العالم العربي كان في تونس في عام 1861، ولكن الدستور الرئيسي هو الدستور الذي صدر عام 1959 ما بعد الاستقلال. ورغم سمعة الحبيب بورقيبة كعلماني متأثر بالنموذج التركي الاتاتوركي، الا انه لم يحذُ حذو الاتراك في اعلان الدولة علمانية في الدستور، بل يعلن الدستور في المادة الاولى ان ‘تونس دولة مستقلة ذات سيادة ودينها الاسلام ولغتها العربية’. ولكن المادة الثامنة تمنع تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني. بورقيبة كان يؤمن، كما أوضحت الكاتبة مليكة زغال، اولا، ان التغيير في المجتمع باتجاه تحديثه يجب ان يتم بشكل تدريجي. ثانيا، ان التحديث يكون عن طريق تحديث الدين نفسه عن طريق السيطرة عليه من قبل الدولة (بعكس النموذج التركي الذي أقصى الدين الى الحيّز الخاص). ثالثا، ان الدولة يجب ان تكون مغروسة في عاطفة الناس والدين يلعب دورا في ذلك.
محاولة بورقيبة للتحديث مختلفة عن محاولة عبد الناصر، كما توضح زغال، مثلا بورقيبة قام بتهميش طبقة العلماء وتجفيف مصادر دخلهم وقام بإغلاق الزيتونة وإلحاق التدريس الديني بالتعليم الجامعي العام كاختصاص، في حين ان عبد الناصر اراد الابقاء على الازهر مع تحديثه من الداخل، بإضافة مواد تعليمية غير دينية على المنهاج. الاختلاف نابع من سببين: اولا، عبد الناصر اراد الازهر لصد الاسلاميين في الداخل ولمواجهة السعودية في السياسة الاقليمية. ثانيا كانت اعداد الطلاب الهائلة توجب استيعابهم في الازهر.
التاريخ التونسي يلقي بظلاله على الصياغة الحالية للدستور (1/6/2013)، إذ ان حركة النهضة تريد من ناحية تعزيز مكانة الدين العامة، ولكنهم متخوفون على الدين من سيطرة الدولة بناء على تجربتهم المرّة منذ أيام بورقيبة، لذلك المسودة الحالية للدستور تبقي على ‘الاسلام دينها’، ولكنها ايضا تعلن ان تونس دولة مدنية (وهي صياغة لم تكن موجودة في المسودة السابقة 2012، اي قبل اغتيال شكري بلعيد وازدياد حدة التوتر بين العلمانيين والمدنيين). ويجعل الفصل السادس الدولة راعية الدين وكافلة لحرية المعتقد، لكن مع الحياد السياسي لدور العبادة. طبعا في بداية المداولات حاولت النهضة ان تضيف جملة مشابهة للمادة الثانية في الدستور المصري اي ان مبادئ الشريعة مصدر رئيسي للتشريع، ولكنها رضخت لمعارضة العلمانيين. في المقابل ذكرت الحضارة الاسلامية والانتماء الاسلامي للشعب التونسي في الديباجة. وهذا أمر مقبول في العرف الدستوري إذ أن الديباجات في الغالبية الساحقة من دساتير العالم لا وزن قانونيا لها.
وبالتالي نرى أن التوانسة اختاروا منهجا توافقيا لكتابة الدستور أكثر من المصريين، ولم يستعجلوا حتى الآن في إصدار دستور، والمضمون الديني في الدستور ضئيل نسبيا.
وهذا الخيار سليم أيضا لمصر للاسباب التالية:
اولا، يجب اخراج المادة الثانية من الدستور المصري ومن المؤسف ان النقاشات حول الدستور لم تشمل هذا الرأي، ما عدا بعض الأفراد الذين لا يملكون وزنا سياسيًا والذين طالبوا بالعودة الى دستور 1923. يجب الانتباه هنا الى ان هناك توجهين في النظرية الدستورية، احدهما يعتبر ان الدستور هو حامل القيم والثقافة والتاريخ وهوية مجتمع ما، في حين أن التوجه الآخر يرى ان الدستور مجرد تنظيم لآلية الحكم، أي للعملية السياسية وتقاسم السلطات. ولا أرى ضرورة ان يرى المصريون الدستور على النحو الأول، وحتى لو فعلوا ذلك لا حاجة لذكر القيم الدينية في الدستور، بل فقط بالديباجة.
هناك صنمية دستورية في مصر بمعنى انه يتم تحويل الصراعات السياسية الى دستورية، كأن مجرد اطلاق اسم دستوري على قرار سياسي سيحوله الى فوق السياسة، فمثلا رأينا ظاهرة إصدار الاعلانات الدستورية في مصر بعد الثورة من قبل المجلس العسكري ومن ثم من قبل الرئيس مرسي الذي عدّل فيها الاعلانات الدستورية العسكرية، ثم أصدر إعلانا عدّل فيه إعلانا سابقا أصدره هو. ثم رأينا الرئيس الحالي المؤقت عدلي منصور يصدر اعلانات دستورية مستمدة من تفويض المجلس العسكري.. هذه الممارسات تتنافى مع المنطق الدستوري والممارسة الدستورية السليمة ووفقا لها الدستور ينبع من الشعب وممثليه ويكتب في الغالب من قبل لجان تأسيسية أو لجان خبراء ثم يستفتى الشعب عليه.
وهناك من يظن ان مشكلة مصر هي عدم وجود دستور، ونسمع تكرار الأصوات التي تطالب بـ’الدستور أولا’. كأن وجود دستور سيدّر على مصر الطمأنينة والاستقرار، ويتناسى هؤلاء أن دولا مثل نيوزيلندا عاشت معظم حياتها بدون مستند يدعى الدستور، وأن الثورة لم تقم بسبب الدستور.
ثانيا، في تقديري أن الاسلاميين المعتدلين (وهذا لا يشمل السلفيين) انفسهم غير معنيين بتطبيق الشريعة، بدليل ان المجال الوحيد الذي فيه الآن للشريعــــة ســـلطة هو مجال الأحوال الشخصية. اما القانون المدني والمعاملات التجــــارية وحتى القانون الجنائي فلا تأثير كبير للشريعة فيها حتى في دول مثل ايران. لقد أصبح ذكر الشريعة في الدستور مجرد تعبـــير شكلي عن الهوية وجزءا من سياسات الهوية، مثلما هو الامــــر في العراق. حيث أدخل الاكراد الشريعة للدستور الكردستاني بعد ان عارضوها بشدة في الدستور العراقي لأغراض تكتيكية لمراضاة العرب.
ثالثا، قضية الأقليات، الكنيسة القبطية عارضت بشدة بادئ الأمر مشروع الأسلمة الساداتي، بما فيه المادة الثانية، ولكن السادات قمعهم عام 1972 ووضع البابا شنودة تحت الاقامة الجبرية لمدة 40 شهرا، موقف الكنيسة تغير بعد ذلك لأسباب تكتيكية من خلال التحالف مع مبارك، مثلما تحالفت في السابق مع عبد الناصر. يجب أن نذكر هنا أيضا أن أسلمة حيز القانون العام بما في ذلك الدستور يضر الأقليات مرتين: مرة لأنها تقصيهم ومرة لأنها تقوّي من المؤسسات الدينية التمثيلية في مواجهة الأفراد حتى العلمانيين في الطائفة لوجوب اعتمادهم عليها في الخدمات وكونها الوسيط بينهم وبين الدولة، مما يعني أن إمكانية إصلاح المؤسسة الدينية يصبح أصعب.
رابعا، الدين في الدستور على شاكلة المادة الثانية يؤدي الى استفحال الاستقطاب بين العلمانيين والمتدينين. هذا الاستقطاب قد يؤدي الى العنف ونحن نرى ذلك في مصر حيث يبدأ العنف الطائفي من شائعة، وقد رأينا السلفيين أكثر من مرة في العام الماضي (2012) يتظاهرون من اجل ‘تطبيق الشريعة’.
خامسا، هذا الاستقطاب يؤدي الى الالهاء عن القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المهمة وتهميشها. هناك ادبيات تحاول ان تفسر لماذا يقوم الفقراء بالتصويت لأحزاب تضرهم من ناحية اقتصادية بسبب خطاب القيم المحافظة. في حالة مصر رأينا أن السلفيين فرضوا موضوع الشريعة على التعديلات الدستورية في آذار/مارس 2011 مع أن التعديلات لا علاقة لها بتاتا بموضوع الشريعة من أجل حشد التأييد لها، بالتالي يصبح النقاش غير عقلاني وغير ذي صلة وثيقة بموضوع التصويت وهناك امثلة عديدة على ذلك.
سادسا، احدى النظريات التي تحاول تفسير لماذا يوافق العلمانيون على مثل المادة الثانية، تدّعي أن هذا يحوي المطالب الاسلامية المتطرفة ويجعل موضوع الدين والدولة تحت سيطرة قضاة الدولة، بدلا من حكم الاكثرية. ولكن في رأيي هذا هروب من قبل الاحزاب العلمانية من ضرورة العمل في الشارع وعلى مستوى تطوير البرامج وتحقيقها، خاصة أن الأحزاب الليبرالية أو العلمانية ترى في العدالة الاجتماعية اكثر من مجرد شعار. وقد رأينا منذ عدة أشهر كيف لام قادة النقابات العمالية جبهة الانقاذ على اهمالها لهم.
لذلك كله يجب إخراج الدين من الدستور، ليس لأن الاسلام والديمقراطية متناقضان فهذا نقاش عقيم نظرا لتعدد التعريفات الممكنة للاسلام وللديمقراطية بما يجعل إمكانية التناقض واردة مثلها مثل إمكانية الانسجام.
وليس لأن هناك شيئا خاصا بالاسلام غير موجود في ثقافات أخرى، فأنا أعتقد أن هناك قضاة في المحكمة العليا الامريكية يتبعون منهجا مشابها الى حد كبير للمنهج السلفي في اشتقاق الاجوبة على المسائل المعاصرة من نصوص قديمة لها مرتبة القداسة، وآخرين يشابهون المنهج التوفيقي الذي يمثله الأخوان المسلمين. ولكن السبب هو مثل هذه الانعكاسات السلبية التي ذكرتها. طبعا ليس لدي الوهم أن عدم ذكر الدين في الدستور سينهي دور الدين في السياسة إذ ان أشد الدول علمانية تواجه الأسئلة الدستورية والقانونية حول دور الدين في المجتمع والدولة خاصة قضايا حرية الممارسة الدينية وتوافقها مع سلطة القانون. ولكن إذا كان لا بد من نص دستوري فعلى الأقل يجب على الدستور ان يكون آلية لإدارة الصراع وليس جزءا من المشكلة.
‘ أكاديمي فلسطيني