حول اصرار البابا علي عدم الاعتذار عن تصريحاته المسيئة للاسلام ونبيه

حجم الخط
0

اسامة ابو ارشيد

للمرة الرابعة علي التوالي يتحاشي البابا الاعتذار عن تصريحاته المسيئة بحق الاسلام ونبيه الاكرم. ففي اللقاء الاستثنائي الذي جمعه يوم الثلاثاء (26/9/2006) مع سفراء 20 دولة اسلامية معتمدة لدي الفاتيكان، لم يقدم الحبر الاعظم-كما يصفونه-الاعتذار المطلوب منه، بما يتناسب وحجم الاهانة التي الحقها بالمسلمين. البابا، وعوضا عن ذلك اعاد التاكيد علي اهمية الحوار. ولكن احدا من اولئك السفراء لم يسأله عن اي حوار يتحدث.

اللقاء الذي استمر ساعة ونصف الساعة لم يكن فرصة فعلية لتبادل الآراء. فبعد القائه كلمته وقبل ان يتواري عن الانظار، صافح البابا المشاركين الذين كادوا ان لا يتمكنوا من مخاطبته او تسليمه رسالة. وتفادت غالبية المشاركين الاعراب عن رايها في ختام اللقاء. وكان البابا بنديكت الـ16 قد اقتبس في محاضرة له في جامعة المانية (12/9/2006) مقتطفا من حوار امبراطور بيزنطي مع عالم مسلم، يقول فيه الامبراطور ان محمدا (عليه الصلاة والسلام) لم يأت الا بما هو سيئ وغير انساني كأمره بنشر الاسلام بحد السيف.

وزعم البابا انّ العقيدة المسيحية تقوم علي المنطق لكن العقيدة بالاسلام تقوم علي اساس ان ارادة الله لا تخضع لمحاكمة العقل او المنطق. كما انتقد الجهاد واعتناق الدين مرورا بالعنف بلغة مبطنة. لو كان البابا ومن ورائه الفاتيكان، يعلمون، او حتي يشكون مجرد الشك، بان الدول الاسلامية التي يمثلها اولئك السفراء العشرون، ستفكر، مجرد التفكير، بسحبهم، لما تجرأوا علي الاصرار علي غيهم. كل اعتذارات البابا السابقة، كانت اهانات مضاعفة ومتكررة. فالرجل لم يعتذر عما قال، وانما تاسف لردود الفعل الاسلامية التي احدثتها تصريحاته المسيئة. وكان لسان حاله يقول اعتذر اني خاطبت همجيتكم. شخصيا لا اقتنع بتبريرات المبررين من ان البابا لم يقصد الاساءة للدين الاسلامي. فالرجل استعار نصا جوهره الاساءة ورد علي لسان امبراطور بيزنطي في القرون الوسطي خلال حواره مع عالم مسلم، دون ان يستعرض او يورد رد العالم المسلم علي تلك الاساءات. والغريب ان مؤلف الكتاب الذي اقتبس البابا منه نص العبارة المسيئة، اشتاط غضبا علي فعلة البابا هذه والتي تنقصها الموضوعية، وذلك ان البابا اخرج النص عن سياقه. نص العبارة هذه، كان ضمن حوار طويل. ولم يخبرنا البابا ان الحاكم البيزنطي، كان مجرد تابع للسلطان العثماني بايزيد. اي بكلمات اخري ان هذا الحوار يدل علي مدي سعة وتعقل وتقبل المسلمين للحوار، حتي عندما يخرج عن سكته الصحيحة واخلاقياته المفترضة. ايضا لم يتحدث البابا عن الحملات الصليبية الاوروبية (الافرنجية) التي دشنتها الكنيسة الكاثوليكية قبل ذلك الحوار بعقود ضد العالم الاسلامي، وخصوصا منطقة بلاد الشام منه، والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين والمسيحيين الارثوذوكس واليهود. لم يحدثنا البابا، عن دين الكنيسة الكاثوليكية الذي لم تشهد الارض-حتي ذلك الوقت-اكثر افراطا منه في استخدام السيف وسفك الدماء. ابعد من ذلك، لم يحدثنا البابا عن محاكم التفتيش التي اقامتها اسبانيا الكاثوليكية حوالي وقت ذلك الحوار، ضد مسلمي ويهود الاندلس، وتهجيرها لعشرات الالوف منهم، وقتلها للكثير وارغامها للآلاف علي التنصر. هذه الحقبة التي يريدنا رئيس الوزراء الاسباني السابق خوسيه ازنار ان نعتذر عنها، وكان القوط (الجنس الاسباني)، هم من جلب الانوار لتلك البقاع من الارض، وليس المسلمون. كما لم يحدثنا البابا عن محاكم التفتيش التي احرقت العشرات، بل المئات من العلماء، وما مثال العالم الفلكي الايطالي غاليلو الذي ادين من قبل محكمة الكرادلة في القرون الوسطي بتهمة قوله بدوران الارض حول الشمس عنا ببعيد. اكثر من ذلك، لم يحدثنا البابا في سياق محاضرته الاكاديمية جدا عن مباركة الكنيسة الكاثوليكية للاستعمار الاوروبي الحديث للعالمين العربي والاسلامي وقتل المئات من الالوف من المسلمين، واستعباد الناس ونهب اوطانهم، ولم يتركوها الا بعد ان تركوا فيها صواعق تفجير حتي لا تقوم لها قائمة مستقبلية. وفوق هذا وذاك، لم يحدثنا البابا الموضوعي عن ان القسطنطينية، تلك العاصمة التي جري فيها الحوار الذي اقتبس بعضه الحبر الاكبر وغض الطرف عن بعضه الاكبر، نزلت تحت الحكم العثماني الاسلامي بعد عقود من ذلك الحوار، دون ان تهب الكنيسة الكاثوليكية لنجدتها، وذلك لان مذهب بيزنطة، كان ارثوذوكسيا. يبدو ان البابا ـ واشك في ذلك خصوصا وهو الاكاديمي المثقف جدا ـ لم يقرأ عن ما فعله الاوروبيون الكاثوليك في بيزنطة عندما دخلوها بحجة الدفاع عنها ضد الحصار العثماني الاسلامي، فما كان منهم الا ان اعتدوا وقتلوا واغتصبوا ونهبوا تلك البلاد الارثوذوكسية، الي الحد الذي دفع بأهل بيزنطة الي ان يقولوا ان عمامة المسلم البيضاء احب الينا من قبعة الكاردينال الحمراء، وذلك في اشارة الي الكاثوليكية. وماذا حصل بعد ان دخل المسلمون العثمانيون الي القسطنطينية؟ ان التاريخ ينقل لنا سماحة الاسلام وعظمته ونبل العثمانيين وبشري رسول الله صلي الله عليه وسلم، فاتح القسطنطينية، السلطان محمد الفاتح، حيث لم ترق قطرة دم واحدة، ولم يعتد علي حرم ولم تغتصب فتاة ولم تنهب اية ملكية. قارن ذلك بما فعله الصليبيون في حملاتهم المتوالية علي الشرق الاسلامي وبما فعله الاوروبيون في استعمارهم للعالم الاسلامي. ويكفي المسلمين فخرا، انهم تركوا ريادة العالم مورثين معرفة وعلما انتشلت اوروبا من ظلماتها وجهلها وادخلتها عصر الانوار، في حين قادت اوروبا والغرب العالم الي عصر التبعية والنهب واستخدام اسلحة الدمار الشامل، في افق دمار الانسانية نفسها. تري هل كان العرب والمسلمون مسؤولين عن الحربين العالميتين الاولي والثانية واللتين خلفتا ملايين القتلي!

؟ تري هل نحن من استخدم السلاح النووي في اليابان ضد المدنيين!

؟ وهل يا تري كانت النازية والفاشية ايديولوجيات من افرازات الاسلام!

؟ الكل يعلم اجابات الاسئلة السابقة. وليس ثمة ما نخفيه ونخجل منه. واحب هنا ان اشير الي مسألة هامة، حيث ان القرآن الكريم يقدم لنا الدليل القاطع علي ان هذا الدين، وهذه الامة دين وامة حوار. فالله عز وجل في كتابه العزيز ينقل لنا وقائع الحوار والمناظرة بين رب العزة جل وعلا نفسه وابليس، وذلك في آيات وسور كثيرة وبالتفصيل. انها اشارة هامة الي ان الاسلام دين لا يخشي المنطق والحوار والمناظرة العقلية، انه دين يعلو ولا يعلي عليه. ولا اظن ان هذه المعاني غابت عن البابا، او تغيب عنه، ولكنه الحقد الاعمي الذي يجعله لا يري الامور علي حقيقتها، او انه يراها ويظن انه قادر علي اخفائها، ولكن هيهات ان يحجب غربال ضوء الشمس. البابا وكل من يتطاول علي الاسلام ما كانوا ليتطاولوا لو انهم شعروا بان للاسلام قوة تحميه، ولكنهم يظنون انهم قادرون علي استضعاف هذا الدين، خصوصا وهم يرون هذه الدول الكاريكاتورية، المسماة اسلامية، لا تكاد تلوي علي شيء الا تثبيت كراسي انظمتها. تري لو ان الشتيمة لحقت براس نظام عربي او اسلامي ماذا كانت ردة الفعل!

؟ في بلادنا اشتم الله ودينه ورسوله ولا تخش شيئا، اما ان انتقدت نظاما فجزاؤك جهنم الارض التي ليس لها مالك يرحم. ولا اريد ان اختم قبل ان اشير الي مسوغ يقدمه انصار الفاتيكان، من ان البابا لا يستطيع ان يقدم اعتذارا، وذلك لانه معصوم في المذهب الكاثوليكي، وبالتالي فهو قد اعتذر علي طريقته وبما لا يمس هيبة عصمته. واقول هنا ان الفاتيكان والبابا السابق برآ اليهود من قتل المسيح عليه السلام ودمه، واعادا كتابة الانجيل، بل واعتذر البابا السابق عما الحقته الكنيسة الكاثوليكية باليهود عبر تاريخها الطويل من اضطهاد. وابعد من ذلك فعل هذا البابا نفس الشيء عندما اعتذر عن انتمائه للنازية في فترة شبابه، فاين كانت العصمة هنا، ام ان العصمة تغيب عند التعاطي مع الاقوياء!

؟ البابا بتصريحاته تلك، اكد انه مع اولئك النفر الذين يرون في الاسلام خطرا وعدوا، وهو بذلك قد شذ عن خطي سابقه البابا يوحنا بولس الثاني. ولكن ما لا يدركه هذا البابا ان الخبرة التاريخية تقول ان الاسلام عاد ونهض من تحت ركام الانقاض في كل مرة تصاعدت فيها حدة الاستهداف له. فبعد ان غزا الصليبيون المشرق الاسلامي، لم يكتف المسلمون بصدهم وطردهم، بل وطرقوا ابواب اوروبا المسيحية، وارغموها علي دفع الجزية، وحاصروا العديد من عواصمها كفينا، فهل من معتبر؟

العالم اليوم يعيش استقطابا دينيا حادا، وهذا الاستقطاب لن يندثر الا بتولي العقلاء لزمام الامور، والسير بها نحو عالم مسالم.. عالم يتعبد فيه الجميع ربهم وفق عقائدهم دون خوف او انتقاص من الغير. اما النفخ في كير الحروب الدينية فلن يقود الا الي الدمار المحتم للانسانية جمعاء. وبعد كل ما سبق اعيد الكرة الي ملعب البابا: تري من ذاك الذي لم يأت الا بما هو سيئ وغير انساني ونشر امره بحد السيف!

؟ وتري من ذاك الذي يعلي من شان المنطق ومن ذاك الذي يخضع العقل لسلطان من زعموا النيابة عن الله في ارضه!

؟ كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية