حول الانترنت، الحب، المسافة

حجم الخط
0

حول الانترنت، الحب، المسافة

عناية جابرحول الانترنت، الحب، المسافةان ديالا هذه، التي اقابلها الان للمرة الثانية، تعرف كل شيء عني، ويظهر مستحيلا ان يكون لي سر اخفيه عنها. من الممكن ايضا انها تعرف حياتي الروحية، تفهم علاقتي بالسماء، بالموسيقي، البحر، الحيوانات. ان تكون ديالا هذه تعرفني الي هذا الحد ـ مع انها المرة الثانية التي اقابلها فحسب ـ مدعاة راحة لي، ولكنه احتمال مشكوك فيه. اذ من يعرف شيئا عن اعماقي؟ ليست ديالا ولا سواها. مكابداتي الشخصية والعامة تعرفها جميعها. انا لا اشك في ذلك. حول احلامي، وما يرقد في صدري، ويعيش في نفسي ولمّا يعرفه انسان بعد، قلت لها: ديالا، يحدث معي منذ مدة، ما هو عجيب. احب كائنا لم ألتقه ابدا، حبا حقيقيا اعني، كما نقرأ عنه ونري اليه عند البعض. ديالا، أرغب بالعيش معه. ديالا تكلّمي، أليست خبرية غريبة؟سألت ببساطة، من دون ان يرف لها جفن: ما اسم ذلك الرجل؟ اسمه كذا ـ قلت لها ـ قالت ان اسم كذا لا بأس به، والحب بشكل عام رائع، ولكن ماذا تعنين بأنكِ لم تريه أبدا؟ ماذا تحبين اذن؟ اسمه.لم أجب علي تساؤلها. نظرت الي عينيها فيما تحذق بدورها في يدي. لانت قسماتها وعرفت انها صدقت عاطفتي اليائسة، لكنها عادت لتقول لي فجأة: انه بالطبع ما تتوهمينه .تحولت عــــني تنظر الي حــــذائها الجديد، او هكــــذا ظننت، غير انها اضافت: اذا شـــئت هذه نوبة شعر من نوباتك، ليس اكثر .لن اعدد ما قالته ديالا بعد ذلك، من مثل ان ما اشعر به حمق كبير، او ان علي الانسان العاقل ان لا يتكلم عن الحب علي هذه الشاكلة.. الخ. في الغالب ـ قالت بعد صمت قصير ـ انتِ امرأة حزينة، واذا حزِن الواحد منا كثيرا جدا، يروح يخترع اشياء توجعه ليتلهي عن حزنه، شيئا كالحب موجعا، كألم الاضراس. اجل، فالوجع اهون من الحزن، وأنتِ تفعلين ذلك.تقابلنا في اليوم الثاني بعد الظهر في احد المقاهي. طلبتُ لنا القهوة، فيما ظهرت هي شاردة وضائعة في الشأن الذي اخبرتها به امس. تألق وجهها فجأة كمن وصلت في تأملاتها الي هدف، وصاحت مبتهجة: هللو ، وجدتها، اخبريني فقط كيف تعرفتِ عليه؟ عبر الانترنت أليس كذلك؟ اجل ـ قلت لها ـ لقد كان عليّ ان افكر بهذا من الاول ـ قالت ـ انه حب. حب حقيقي اذا شئتِ، بل شغف اعمي واصدقكِ.اسمعي ـ اردفت ـ هل تنوين مقابلته؟ اعني هل تنويان ان تلتقيا؟ بالطبع نحتاج الي ذلك، نحتاج ان نلتقي ولو قليلا جدا . قلت لها ذلك بسرعة فائقة. قلت ذلك من كل قلبي. أحب ان ألمس وجهه وأقبل عينيه. تغدو الحياة صعبة اكثر من دون ان اقابله . الحق معك ـ اجابتني، الحب لا يحدث سوي لمرة نادرة في الحياة ولا احتاج الي سؤالك اسئلة كثيرة لأعرف مدي تعلقك بهذا الرجل، ولكن؟ سألتني بعد صمت قصير ان كنت ارغب فعلا في رؤيته؟ ثم لماذا لا تبقي علي الامور هكذا يا عزيزتي؟ ـ قالت ـ هو هناك وانتِ هنا، وبوسعكما ان تحبا بعضكما قدر ما تريدان، عن بُعد، احسن ـ قالت بصوت امومي ـ صدقيني.قمنا وذهبنا معا. لقد كان هذا ذهابنا الاول معا، فأنا لم اتجول معها قبلا في المدينة كما نفعل الان. هل هذه الـ ديالا حقيقة فعلا؟ دخلنا الي محل ادوات موسيقية قديمة وتفرجنا علي الغرامافونات الانتيك وتركنا البائع يعزف لنا علي بعــض الآلات.اعجبني ناي ذو لون مصفّر (كورَبَا) وأردت ان اشتريه. ديالا لم تكن عجولة الي شراء شيء. انه مجرد ناي ـ قالت لي ـ كسائر النايات في السوق . اخذت يدي وقادتني خارجا. اسمعي، بعض الرجال يجب ان لا نعرفهم عن قرب ، ثم اردفت: الاشياء الجميلة يجب ان تحميها مسافتها عنا، يجب ان تبقي في مكانها الطبيعي لا تأتي الينا ولا نذهب اليها، هكذا تبقي تتوهج ويتوهج حبها، فلن تقابلي احدا، ولن تشتري نايات.اشارت الي رجل وسيم يقف قبالة المحل ويرقبنا. يبدو فاتنا ببذلته الصيفية علي اكتافه الرجولية العريضة. انظري اليه ـ قالت ـ لمَ لا نذهب معه، نجلس في مكان هادئ ونتسلي. قلت بتعاسة بأنني لا استطيع. قلت بأني احب الرجل الذي لم ألتق، ولقد قلت لكِ ذلك مئة مرة لغاية الان ألا تفهمين؟كنت ما ازال اراها تلتــــفت اليّ باحتقار، وصوتها يتردد في عرض الشارع: لما لا تجدين لنفسكِ حبــــيبا هنا، ألا يوجد احدهم يعجبك قط؟ لماذا لا تستفــيقين من اغـــماءتك هذه أيتها المسطولة ؟ديالا فتاة سيئة، لئيمة وحقودة، وأكتب اليه غدا اخبره عنها، ونضحك من سوء الفهم، من الشقاء والحب.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية