حول السؤال الذي يلاحقك

حياة الفرد محدودة والأبدية حلم لا يتحقق، مع أنّ العديد من العاملين في مجال العلوم الدقيقة قد شغلهم هاجس كسر الحلقة الزمنية التي لا محالة ستقفل في لحظة ما، إذ أوصى بعض من هؤلاء الاحتفاظ بجثثهم الهامدة متوقعين بأنّ التطور العلمي في المستقبل كفيل بأنّ يعيد إليهم أنفاس الحياة. غير أنّ هذه الأمنية قد لا تنزل من سماء الأحلام إلى أرض الواقع قريباً. أياً يكن الأمر فإنّ الغريب في شأن الإنسان هو يقينه بأنّ وجوده مؤقت، وهو مع ذلك يتصرف كأنّ الخلود من نصيبه. وما انفك يجمع من الأشياء ما يستهويه ويطمح إلى مزيد من الامتلاك، دون كللٍ ربما يكونٌ في ذلك سر للاستمرار والمضي قدماً في المغامرة المضنية.
وهذه الرغبة إضافة إلى ما نمتلكه لا تقتصر على مجالٍ بعينه، بل تمتد إلى مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية. فصاحب المنصب لا يريد مغادرة كرسيه، ويناور لتمديد فترته كذلك بالنسبة لصاحب رأس المال يبحث عن الأدوات الجديدة لتراكم طبقات أكثر من الثروات، طبعاً من يهتم بالكتب ليس استثناء من المعادلة الآنفة الذكر. إذ تتمدد الكتب على المساحات. وتزاحم القارئ في كل ركنٍ. إذن فالمغرم بمفاجآت متاهة المعرفة لا يتوقف في محطة عنوانٍ أو مجموعة من العناوين المحددة. وهذا لا يعني بأنّه يسافر في هذا الدرب واثقاً باختياره دائماً. يعلن محمد آيت حنا في كتابه «مكتباتهم» بأنّه تمنى لو كان وارثاً للأموال بدلاً من الكتب. كما صرح الكاتب المصري توفيق الحكيم بأنّه لو قدرت له العودة إلى بدايات حياته لاختار أن يكون لاعباً.

هموم المبدع

ما يقض مضجع المبدع ليس قلقه على نضوب مصادر ملهمة للعمل حسب، بل إدراكه بأنّه يتحرك ضمن بعد زمني محدد صحيح أنّه قد يصل إلى مرحلة لا توازي فيها طاقته الإبداعية، رغبته في الحفر في تربة الكتابة، وبالتالي يقع في مطب التكرار طبعا هذا مقتل للكاتب، وهو في هذا الموقف يكون تماماً مثل اللاعب الذي نفد رصيده من المهارة والرشاقة، غير أنّه يواصل الحضور إلى المستطيل الأخضر متوهما بأن ما حققه سابقاً يشفع لأدائه الباهت. وفي الحقيقة يصبح عالةً على الفريق في وضعيته الجديدة، قد لا يفصل العمر البايولوجي عن العمر الإبداعي لدى عدد من الكتاب، يقول نجيب محفوظ «مغادرة رغبة الكتابة هي يوم موتي» إذ فكر فعليا في الانتحار عندما توقف عن الكتابة بعد ثلاثيته ولم يستغرب أبداً، حين قرأ خبر انتحار أرنست همنغواي ملتمساً له العذر، لأنّ الحياة بالنسبة إلى مؤلف «وداعا للسلاح» تعادل الكتابة والإبداع. زيادة على ما سبق فإنّ الشعور بالحسرة يزداد لدى المبدع عندما يدرك أنّ هناك عناوين كثيرة تنتظره ولا يمهله الوقت لقراءتها، هذا ما أرق دوستويفسكي. كذلك كانت الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان تتأسف لأنّ حياتها تنتهي قبل أن يشفى غليلها بقراءة كتبٍ راودها الالتذاذ باكتشاف عوالمها.
والحال هذه فمن المشروع التساؤل عن الدافع لاقتناء العناوين والبحث عن المكان لمزيد من الكتب؟ طبعاً من الأسئلة التي تواجه أي قارئ من الشخص الذي يصادف عالمه المكتظ بالكتب هي هل قرأت كل هذه الكتب؟ من المناسب هنا الإشارة إلى تجربتي الشخصية المتواضعة. بينما كنت قادما من شارع المتنبي الذي لا يمكن أن تمرّ فيه دون أن تقتني من مكتباته المزينة بالعناوين النادرة وبسطياته المكنونة بالتحف، فهذا المكان معلم حضاري يمثل القوة الناعمة للعاصمة بغداد. تعرفت على شخصٍ بعد أن دار الحديث عن الأوضاع وترحيبه الحار بالزائر، سألني مشيرا إلى مقتنياتي هل يمكنك أن تقرأ كل ما أخذته من الكتب؟ هنا لا بدّ من أن يكون الجواب واضحاً ومقنعاً لا يليق بك الهروب من خلال كلمات فضفاضة. قلت يا سيدي الكتب حالها حال الطعام كما أنّك تقدم أنواعاً شتى من الأطعمة لضيفك وليس بالضرورة أنّ الأخير يأكل كل ما هو موجود على المائدة، كذلك بالنسبة للكتب نجمع أشكالاً وأنواعاً من الإصدارات والعناوين وقد نقرأ قسماً منها.

يتطلب الإبداع في أشكاله المتعددة وجود الخفة، كما أنّ اللاعب يكتسب حضوراً أجمل بخفته في المضمار، والراقص يكون جذاباً بخفة حركاته في الحلبة والفنان يتصالح مع المساحات بخفته في رش الألوان

طبعاً ذكرت هذا المثال التوضيحي مستفيداً مما يشير إليه رسول حمزاتوف في «بلدي» وهو يعتقد بأنّ الشاعر ينشر آلاف الكلمات، غير أنّ ما يتلهف إليه ذوق القارئ ليس سوى بيت أو بيتين من مجاميعه الشعرية، كما الضيف الذي لا يتذوق من الأطعمة المتناولة على مائدته إلا مقدارا محدوداً. طبعاً يصل الغرام بهواة الكتب إلى حد الاكتفاء بتأمل مظهر الأغلفة المرصوصة في مكتابتهم، دون الاغتراف من المضمون وهذا ما لا يعجبني أبداً، لأنّه نوع من هوسٍ مرضي لا بدّ من تداركه قبل أن يتفاقم. ومع الأسف أن القارئ لن تكون مكتبته منسقةً على الأغلب، بل التناثر جزء من فضاء القراءات. يقول نجيب محفوظ بأنّه كثيراً ما اضطر لشراء كتاب مع أنّه كان متأكداً بأنّه متوفر لديه، لكن العثور عليه يستغرق وقتاً. بالطبع أنّ القراءة المتنوعة مشوقة وتزيد العقل مرونةً والرؤية منفتحةً، لكن يجب الاعتراف بأنّه من النادر في زمننا مصادفة من يكون بمستوى مصطفى محمود العقاد، الذي كانت مكتبته هي بيته وهو قد كرس رفوفاً للآداب والعلوم والفلسفة. إذن من الضروري تحديد مجال القراءة وهذا ليس تخصصاً، بل محاولة لاكتشاف ما يناسب المزاج ويخدم الخط الأساسي في التوجهات الفكرية، وما لا يحتمل النقاش بشأنه أنّ الخروج عن الطريق واستطلاع طرق جديدة من مواصفات لافتة للاشتغال المعرفي.

الخفة

يتطلب الإبداع في أشكاله المتعددة وجود الخفة، كما أنّ اللاعب يكتسب حضوراً أجمل بخفته في المضمار، والراقص يكون جذاباً بخفة حركاته في الحلبة والفنان يتصالح مع المساحات بخفته في رش الألوان، كذلك يكون القارئ أكثر استيعاباً لعناوينه المفضلة إذا تمكن من تحديد المنطقة التي تتقاطع فيها الأفكار الهاجعة في طيات الكتب، مع ما يمكن الحصول عليه من صميم التجربة الحياتية وتلقف الأفكار المؤثرة من الشارع بخفة. بما أنّ موضوع الحديث هو مكونات المكتبة، فيجدر بنا الالتفات إلى ما كانت تضمه مكتبة سبينوزا، إذ يشير ستيفن نادلر إلى وجود أعمال بلغاتٍ لاتينية وإسبانية وفرنسية، إضافة إلى رسائل للفلاسفة الحديثيين مثل، ديكارت وهوبز في مكتبته، وكان يمتلك المختصر لإبكتيتوس ومراسلات شيشيرون والمتأمل لاختيارات سبينوزا واهتمامه بمؤلفات الرواقيين يدرك بأنّ متابعاته توافق مع منحى حياته ومشروعه الفكري. أما نيتشه فوظيفته تتمثل في مفاجأتك بمواقفه الغريبة وآرائه غير التقليدية فهو بدلاً من التأسف على عدم قدرته على القراءة نتيجة ضعف البصر، كان يعتقد بأنه مدين لعينيه لأنهما قد حررتاه من الكتاب معتبرا ذلك أعظم خدمةٍ قد أسداها له المرض، والأغرب من ذلك أن صاحب «هكذا تكلم زرادشت» قد صرح بأنّ عبقريته تكمن في فتحات أنفه. ونحن بصدد غرائب عالم نيتشه، لا بدّ من الإشارة إلى اصطدامه بكتاب «العالم إرادة وفكرةً» يقول ستيفان زفايغ في مؤلفه «نيتشه وحديث عن فلسفة الروح» بأنّ الفيلسوف المطبوع بنفس ديناميتي، لم يتمكن من أن يخلد إلى النوم طيلة عشرة أيام بعد قراءته لعصارة أفكار آرثر شوبنهاور. إذن ثمة كتب تعصف بكيانك، ربما الغاية من كل ما تجمعه من الكتب وقراءتها ما هي إلا بحث عن عنوانٍ مزلزل، والمحظوظ هو من يقصر القدر بينه وبين ضالته.
أخيراً يجب أن أصارحكم بأن ما حدا بي للكتابة عن هذا الموضوع هو السؤال الذي سمعته مجدداً من صديق، ساعدنا في ترتيب وترميم أجزاء من البيت. هل قرأت كل هذه الكتب؟

‏كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية